دمج السوق السوداء بكازينو لبنان: الأرقام، التحليل، واقتراحات لتعزيز حصة الدولة

1. بنية الفساد: من السوق السوداء إلى الكازينو

دمج مشغلي السوق السوداء في منظومة كازينو لبنان لم يكن مجرد خطوة تنظيمية، بل جاء نتيجة شبكة مصالح متداخلة بين القمار غير الشرعي، الفساد السياسي، والإعلام. هؤلاء المشغلون كانوا يديرون صالات ومواقع مراهنات غير مرخصة لسنوات، وحققوا أرباحاً ضخمة خارج رقابة الدولة، ما جعلهم يملكون نفوذاً مالياً وسياسياً واسعاً

  • شركات مثل BetArabia وOSS: حصلت على عقود مع الكازينو رغم شبهات الفساد، ويمتلكها أشخاص كانوا يديرون أو يمولون صالات قمار غير شرعية

  • توزيع الحصص: يحصل المشغلون السابقون للسوق السوداء على أكثر من 60% من الأرباح، بينما لا تتجاوز حصة الدولة 18%، ما يعكس استمرار منطق الفساد البنيوي

2. العلاقة مع الإعلام: شراء الصمت والترويج

لم يقتصر نفوذ هذه الشبكات على القطاع المالي، بل امتد ليشمل وسائل الإعلام الكبرى في لبنان:

  • عقود إعلانية واتفاقيات صمت: وقعت شركات القمار عقوداً مع قنوات مثل MTV وLBC و”الجديد” لضمان عدم انتقادها، مقابل مبالغ شهرية ثابتة تتراوح بين 15 و50 ألف دولار لكل قناة، إضافة إلى حصة من الإيرادات في حال الترويج المباشر

  • رعاية فعاليات رياضية وثقافية: استخدمت شركات القمار رعاية الأنشطة الرياضية والمهرجانات كوسيلة لتلميع صورتها وتوسيع نفوذها، رغم أن القانون اللبناني يمنع الترويج لألعاب الميسر خارج صالة الكازينو

  • دفع رشاوى لمواقع إلكترونية: تم دفع مبالغ شهرية لمواقع إخبارية مقابل عدم التعرض للشركات أو نشر مواد تهاجم المنافسين

3. القمار غير الشرعي: حماية سياسية وأمنية

  • تغطية حزبية وأمنية: بعض مشغلي القمار غير الشرعي يتمتعون بحماية من أحزاب سياسية ونفوذ أمني، ما يمنع ملاحقتهم أو إغلاق مراكزهم، حتى بعد دمجهم في المنظومة الرسمية

  • تبييض الأموال: التحقيقات القضائية كشفت عن عمليات تبييض أموال بملايين الدولارات عبر صالات القمار، مع تورط تجار مخدرات وشبكات مالية غير شرعية

4. أثر الدمج دون إصلاح حقيقي

  • تكريس الفساد البنيوي: دمج السوق السوداء في الكازينو دون إعادة هيكلة العقود أو تفعيل الرقابة القضائية أدى إلى تثبيت منظومة فساد متكاملة، حيث بقيت الحصص الكبرى بيد المشغلين السابقين للسوق السوداء، واستمرت عمليات التهرب الضريبي وتبييض الأموال

  • تراجع حصة الدولة: رغم ارتفاع الإيرادات الرسمية نسبياً، بقيت حصة الدولة من إجمالي الأرباح منخفضة جداً بسبب العقود المجحفة واستمرار النشاط غير المرخص

5. كيف يمكن تصحيح المسار؟

  • تعديل العقود والضرائب: رفع حصة الدولة إلى 70% من إجمالي الإيرادات عبر إعادة التفاوض على العقود وتعديل نسب الضرائب.

  • تفعيل الرقابة القضائية: فرض غرامات وأحكام قضائية صارمة بحق المخالفين، وتخصيص جزء من الغرامات لتعزيز الرقابة والشفافية.

  • إغلاق السوق السوداء: تنفيذ حملات قضائية لإغلاق كل نشاط غير مرخص، مع تشديد العقوبات على المخالفين، وتجفيف منابع التبييض والتهرب الضريبي

 
ارتباط مشغلي السوق السوداء بشبكات الفساد والقمار غير الشرعي والإعلام مكّنهم من فرض سيطرتهم على قطاع المقامرة حتى بعد دمجهم في المنظومة الرسمية. استمرار هذا الواقع دون إصلاح جذري للعقود وتفعيل الرقابة القضائية سيبقي الفساد البنيوي قائماً ويمنع الدولة من الاستفادة الحقيقية من هذا القطاع الحيوي

.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

من المخدرات إلى الأصول الرقمية: النيابة العامة التمييزية تعيد هندسة الأمن المالي اللبناني

لم تعد معركة مكافحة تبييض الأموال في لبنان مجرد ملاحقات قضائية تقليدية، بل تحولت إلى …