غسان تويني (انسي الحاج)

غسّان تويني
ذكرى غسّان تويني (السنويّة الأولى لغيابه) يُستحسن الاحتفاء بها خارج جريدته. وبدون مشاركة موظّفيها. في «النهار» غالباً ما كانت كلماتنا عنه تفوح بالنفاق. صحيحٌ أنّه أحبّ أن يُمدح، ومَن لا يحبّ، وصحيحٌ أنّه كان يفضّل أن يخافه الآخرون على أن يستلطفوه، ولكنْ عند الكتابة عنه كان يبحث بظمأ عن عبارات الصدق، ولا أدري كم مرّة وجدها.
برز غسّان تويني في مرحلة من تاريخ لبنان الحديث كانت تغلي بالوعود. ولم يكن من منارة تجتذب هذه المراكب إلّا الصحافة. وتنافست «الجريدة» و«الحياة» و«النهار»، وتوزّعت عليها الأقلام اللامعة من مختلف حقول الكتابة، وصار سعيد تقيّ الدين يُصرّح بأنّ الحياة صراع على الصفحة الأولى وأمين نخلة يجتهد ويجاهد في سبيل إنهاء مقالة من عشرة أسطر وسعيد عقل نجم الصحافة الأدبي دون منازع. وشهدت تلك الحقبة التماعَ سيوف فؤاد حدّاد وفؤاد سليمان ورشدي معلوف ورفيق معلوف وميشال أبو جوده وباسم الجسر وجورج سكاف وجبران حايك ومارك رياشي.
اقتحم غسّان تويني الحلبة السياسيّة اقتحام الإعصار. لا يكاد يمرّ أسبوع إلّا يستثير حوله المعارك يخوضها بشراهة وضراوة، فما إنْ تنتهي معركة حتّى يستنبت أخرى. ورأى فيه الشباب (وكان أصغر نوّاب المجلس سنّاً) أملاً في التغيير. وساعده في مواقفه محبّون مخلصون أوّلهم وأهمّهم جهاز تحرير «النهار» وعلى رأسه والدي وثانيهم رفاقه السابقون (بعدما فصل من الحزب) في الحزب القومي. وفي ما بعد حلفاء أكثر براغماتيّة نسج وإيّاهم روابط متينة كان بعضها عرضة لتبدّلات الظروف كما مع كمال جنبلاط وكميل شمعون وبعضها الآخر ثابتاً لا يتزعزع كما مع ريمون إدّه.
لم يعرف غسّان تويني الصوت الخفيض إلّا في المسارات الحميمة. وفي الحزن. كانت مقالته تُجلجل وتُدَرْبِك الصخور. وفي أواخر عهده بالكتابة أصبح يضيق خلقه فيقاطع نفسه صائحاً بالقارئ: «مفهوم!؟ معلوم!؟».
خير مَن عرفه وعرف الكلام عليه زوجته ناديا. كانت مأخوذةً به على الوجهين: معجبة بقوّة شخصيّته وطاقاته وإمكاناته الخلّاقة، ومتبرّمة من كونه لا يُختصر الّا يظهر من محلٍ آخر مفاجئ، فضلاً عن مهارته الفائقة في «إدارة الرجال». كثير منها استقرّ فيه وكثير منه بقي لغزاً بالنسبة إليها.
صان غسّان تويني نرجسيّته فوق ما أحببناه. وكنّا حوله حاسدين أو مقلّدين. وكان يستلذّ ذلك متظاهراً بعدم الانتباه.
كانت افتتاحيّته حجراً في بركة. خاطَبَ الحكّام كأنّهم تلامذة في مدرسته. وبرع في ابتكار المعادلات. «رئيس مع سوريا لا رئيس منها». كانت المرحلة الزمنيّة تسمح لكنّه كان هو أحد صانعي تلك المرحلة.
برع في السباحة بين التيّارات ليبقي لـ«النهار» حيّزها من الحريّة في أحلك الظروف. لأجل ذلك لم يدّخر وسعاً في الإفادة من رصيده المعنوي لدى أطرافٍ ما كان يجمع بينهم، «في حرب الآخرين على أرض لبنان»، شيء غير الكراهية، وصوت فيروز، وهيبة «النهار» وصاحبها.
لو كان حيّاً ماذا كان فعل بـ«النهار»؟ ربمّا الخبر اليقين عند مروان حماده. لعلّه كان سيفتح صفّاً لتذكير معظم الأساتذة بالفرق بين مقال الرأي (كمقال جهاد الزين وعبد الوهاب بدرخان وأحياناً راجح الخوري وسابقاً سمير قصير) والمقالات التي يعرف القارئ سلفاً ما ستقول. (وما نقوله عن «النهار» نقوله عن «الأخبار» وعن سائر الصحف). صحيح أن صحافة الغد صحافة رأي، وإلّا فلا مكان لها، على أن لا نخلط بين الرأي الذي هو في الحدّ الأدنى فكرة خلّاقة، والتعليق «اللاحق» بالحدث وما هو بأكثر من صدى عادي.
كان يجب أن يحب المرء غسان تويني ليتعلّم منه، ولم يكن جميع الذين يكرز فيهم يحبّونه. نرجسيته المتكبّرة. ودائماً ذلك الانطباع أنه «يديرك».
رحم الله جبران وغسّان وجبران. رحم الله ناديا ومكرم ونايلة الصغيرة الأولى. عائلة منوّرة حصدتها الظلمات. بصرف النظر عن الصحافة، عن الماضي والحاضر، أنظرُ إلى صورة عروس «النهار» نايلة تويني على غلاف «الأخبار» وأقول: ليت الجمال يكون دائماً الوارث الوحيد.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

سيكولوجية المقامر وتوارث التدمير

في كتابه “سيكولوجية المقامر”، يقدم الدكتور أكرم زيدان قراءة فاحصة لظاهرة المقامرة، متجاوزاً التفسيرات السطحية …