تشبيك السلاح وانهيار الشعارات: من “طريق القدس تمر بجونية” إلى اللامركزية كحل لضبط السلاح

في تطور لافت على الساحة السياسية اللبنانية، أصدر النائب نديم الجميل في 21 أغسطس 2025 تصريحاً قوياً يكشف فيه حقيقة الشعارات التي استخدمت خلال الحرب الأهلية اللبنانية، حيث قال: “رحم الله شهداءنا الذين قدّموا أرواحهم بوجه شعارات كاذبة باسم ‘طريق القدس'”. هذا التصريح يأتي في سياق بدء عملية سحب السلاح من المخيمات الفلسطينية، مما يفتح الباب لإعادة قراءة نقدية للطريقة التي استُغلت بها الرموز الدينية والشعارات الايديولوجية في النزاع اللبناني.

السياق التاريخي للشعار

أصول “طريق القدس” في الخطاب السياسي

يمكن تتبع جذور شعار “طريق القدس” إلى عدة مصادر في التاريخ المعاصر. في سياق النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي، رفعت منظمة التحرير الفلسطينية هذا الشعار منذ تأسيسها عام 1964، حيث كان الهدف المعلن هو “تحرير فلسطين عبر الكفاح المسلح”. لاحقاً، استخدم حزب الله الشعار ذاته، حيث أعلن حسن نصر الله في 2015 أن “طريق القدس تمر في القلمون وحمص والزبداني ودرعا والسويداء”، مكرراً نمطاً مشابهاً لما حدث سابقاً عندما رفعت منظمة التحرير الفلسطينية شعار “طريق القدس تمر بجونية”.

الاستخدام الديني للشعار

القدس تحتل مكانة مركزية في الثقافة المسيحية والإسلامية على حد سواء. في التقاليد المسيحية، “تنظر المسيحية بمختلف مذاهبها إلى القدس على أنها ‘مدينة الرب’ لأنها المدينة التي شهدت الأحداث الأكثر أهمية في حياة السيّد المسيح وقيامته”. كما أن القدس مذكورة في الكتاب المقدس في مواضع عديدة، حيث “ورد ذكر الفلسطينيين في العهد القديم 287 مرة في مواضع متفرقة”.

هذه المكانة المقدسة للقدس جعلتها رمزاً قوياً يمكن استغلاله سياسياً. فعندما يُرفع شعار “طريق القدس”، فإنه يستدعي مشاعر دينية عميقة ويضفي طابعاً مقدساً على الصراع السياسي، مما يجعل من الصعب انتقاده أو مساءلته دون التعرض لاتهامات بالخيانة أو العمالة.

التوظيف السياسي للدين في الحرب اللبنانية

استغلال الرموز الدينية

خلال الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990)، شهدت الساحة اللبنانية استخداماً مكثفاً للرموز والشعارات الدينية من قبل مختلف الأطراف. لقد “أصبحت هذه الجدران بالنسبة للكثير من اللبنانيين، ‘جدران العار’، ومنابر ‘سياسية’

كان كل معسكر يستخدم رموزه الدينية كأدوات سياسية: “لكل معسكر لواؤه: الصليب للمسيحيين، وللآخرين الهلال أو أي نجمة ثورية أو منجل ومطرقة”. هذا التوظيف للرموز الدينية حوّل الصراع السياسي إلى صراع هوياتي، مما عقّد إمكانيات الحل السياسي.

تسليع القضايا المقدسة

يشير نديم الجميل إلى عملية “تسليع” القضايا المقدسة، حيث تُستخدم قضايا مثل القدس وفلسطين كأدوات في صراعات محلية لا علاقة مباشرة لها بهذه القضايا. هذا ما يؤكده قوله: “من يدفع الثمن هو شباب لبنان الذي سدت أفق المستقبل في وجههم والمستثمرون غيروا وجهتهم لان الوضع هش ودائم اللااستقرار”.

حزب الله، على سبيل المثال، “يفترض -بسذاجة أيديولوجية- أن عنوان المقاومة يجب أن يكون مَحَلَّ إجماع إما من مُنطلق الشعار الديني المُقدس، أو الشعار القومي الموروث”. لكن كما يشير النقاد، “كلا الشعارين لا يحظى بإجماع المجتمع السياسي الداخلي، بسبب اختلاف التوجهات الأصلية للطوائف والمذاهب”.

الأهداف الديموغرافية والطائفية

استخدام الدين لتغيير التوازنات

إحدى أخطر جوانب استغلال الدين في الصراع اللبناني كانت محاولة استخدامه لتحقيق أهداف ديموغرافية. فمنذ تأسيس لبنان الكبير، كان “التوزيع الطائفي لمناصب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس مجلس النواب” محدداً بناءً على التركيبة الديموغرافية.

لكن وجود اللاجئين الفلسطينيين أحدث خللاً في هذا التوازن، حيث “تسبّب إنشاء دولة إسرائيل إلى نزوح مئات الآلاف من اللّاجئين الفلسطينيين إلى لبنان بين عامي 1948 و1967 مُؤدّيًا إلى اختلال التّوازن الدّيموغرافي لصالح المسلمين”.

السياق الديموغرافي المعاصر

اليوم، يواجه لبنان تحديات ديموغرافية جديدة. وفقاً للدراسات الحديثة، قد تصل نسبة غير اللبنانيين إلى مستويات غير مسبوقة، حيث “من المتوقع أن تستمر بالتراجع لتبلغ نحو 50% بحلول العام 2038” بالنسبة للأطفال السوريين في المخيمات. هذا الواقع يضع ضغوطاً إضافية على النظام الطائفي اللبناني ويعقد من إمكانية حل الأزمات السياسية.

الحرب الأهلية وشعارات الخداع

بداية الصراع والشعارات المضللة

بدأت الحرب الأهلية اللبنانية فعلياً في 13 أبريل 1975 بما يُعرف بـ”مجزرة عين الرمانة”، لكن جذورها تعود إلى صراعات أعمق حول هوية لبنان ودوره الإقليمي. في هذا السياق، رُفعت شعارات متعددة، بعضها كان يستند إلى قضايا خارجية مثل القدس وفلسطين، بينما كان الصراع الفعلي يدور حول مسائل داخلية تتعلق بالسيادة والتوازنات الطائفية.

بشير الجميل، والد نديم الجميل، كان من أبرز القادة في هذه الحرب، حيث “قاد القوات اللبنانية (الجناح العسكري لحزب الكتائب) خلال الحرب الأهلية”. موقف الكتائب كان واضحاً في دعم مبدأ “لبنان أولاً”، وهو ما يؤكده نديم الجميل بقوله: “بعد 50 عاما تبين للجميع اننا كنا على حق و’لبنان أولا’ هو الذي كان على حق”.

تطور الموقف من الشعارات

مع مرور الوقت، بدأ يتضح للعديد من اللبنانيين أن الشعارات التي رُفعت خلال الحرب كانت في كثير من الأحيان مجرد أدوات للتعبئة السياسية وليس تعبيراً عن قناعات حقيقية. هذا ما يؤكده نديم الجميل عندما يصف “طريق القدس” بأنها “شعارات كاذبة”.

كما يشير إلى أن هذه الشعارات استخدمت لتبرير صراعات محلية: “البعض يرى انه في حال لم يستطع تحرير القدس فليحرر بيروت وهذا الأمر بالنسبة لنا مرفوض”. هذا التصريح يكشف عن كيفية استخدام قضايا خارجية لتبرير تدخلات في الشؤون الداخلية اللبنانية.

النتائج والتداعيات

تكلفة الشعارات الكاذبة

التكلفة البشرية والاقتصادية للحرب الأهلية اللبنانية كانت باهظة، حيث “أسفرت عن مقتل حواليْ 120 ألف شخص” واستمرت لخمسة عشر عاماً. كما أن الآثار النفسية والاجتماعية لا تزال ماثلة حتى اليوم، حيث “لا يعكس رغبة اللبنانيين الصادقة في تجاوز الحرب فحسب، بل يخفي وراءه في العمق قلقا دفينا من أن الحرب لم تنته فعلا”.

نديم الجميل يربط بين استخدام الشعارات الكاذبة وهذه التكلفة الباهظة، مذكراً بأن “شهداءنا الذين قدّموا أرواحهم بوجه شعارات كاذبة باسم ‘طريق القدس'” يستحقون أن تُقال الحقيقة حول الأسباب الحقيقية لتضحياتهم.

الدروس المستفادة

من أهم الدروس التي يمكن استخلاصها من هذه التجربة هو ضرورة التمييز بين الشعارات السياسية والمعتقدات الدينية الحقيقية. فكما يشير أحد الباحثين: “الصراع الطائفي أو المذهبي بين المكونات اللبنانية لم يكن أبدا ولا في أي لحظة منه على قضايا دينية أو خلافات مذهبية، لذا فإن الطائفة والمذهب في لبنان هي حالة ثقافية وسياسية واجتماعية لا دينية”.

الوضع الراهن والمستقبل

نحو خطاب أكثر صدقية

تصريحات نديم الجميل الأخيرة تشير إلى توجه نحو خطاب سياسي أكثر صدقية ومباشرة. فقوله إن “الحقيقة واحدة: السلاح سيُسحب” يعكس رؤية واقعية للوضع الحالي، بعيداً عن الشعارات الرنانة.

كما يؤكد على أن “المواجهة ليست أبدا حزبية أو طائفية وليست مناطقية، بل وطنية”، مما يشير إلى محاولة إعادة تأطير الصراع السياسي في لبنان على أسس وطنية بدلاً من الأسس الطائفية أو الايديولوجية.

التحديات المستقبلية

رغم هذا التوجه الإيجابي، لا تزال التحديات قائمة. فاستخدام الدين في السياسة ليس ظاهرة لبنانية فقط، بل هو “صراع بين قوة مهيمنة عالمياً وقوى معارضة أو مناهضة أو مقاومة لتلك الهيمنة” على المستوى الإقليمي والدولي.

التهريب واستعمال السلاح الإسرائيلى في لبنان: غطاء سياسي للأموال المشبوهة

كشفت تقارير عدة وجود كميات من الأسلحة التي تم ضبطها كانت من صناعة إسرائيل في مناطق ساحلية في لبنان مثل جبيل وتخوم كسروان. وتفيد مصادر استخباراتية أن شبكات استخدمت “ورقة التفاهم بين التيار الوطني الحر والكتائب اللبنانية” كغطاء لتبييض أموال عبر استيراد وتهريب هذه الأسلحة. هذه الورقة التي كانت في الأصل لتثبيت تفاهم سياسي تحولت إلى ستار عملي لتغطية شحنات سلاح مشبوهة وربطها بأسماء شخصيات معروفة تستخدمها جهات نافذة ضمن منظومة سياسية واقتصادية معقدة في لبنان.

وتشير التقارير إلى أن هذه العملية تعكس استراتيجية ممنهجة لاستيراد السلاح عبر تشبيك وتحالفات سياسية تخدم ليس فقط الأهداف الأمنية بل والمصالح الاقتصادية والمالية. وفي هذا الإطار، يُنظر إلى وجود هذه المنظومة كأحد أبرز أسباب استمرار حالة الانفلات الأمني وانتشار السلاح الذي يشكل تهديداً للدولة اللبنانية وسيادتها.

تشبيك السلاح وانهيار الشعارات: من “طريق القدس تمر بجونية” إلى اللامركزية كحل لضبط السلاح

  من الشعار إلى الشبكة

في إطار النقد الذي وجهه نديم الجميل إلى شعار “طريق القدس” باعتباره شعارًا كاذبًا، تبرز قضية أعمق تتعلق بكيفية تحول الشعارات الأيديولوجية إلى شبكات مصالح معقدة، وكيف تم استخدام السياق الديني والسياسي لبناء منظومة تهريب وانتشار السلاح خدمت مصالح مادية وسياسية ضيقة. إن شعار “فلسطين طريقها تمر بجونية” الذي رفعته منظمة التحرير الفلسطينية في السابق لم يكن مجرد تعبير سياسي، بل كان بوابة لإنشاء شبكة معقدة من التحالفات والمصالح التي عززت انتشار السلاح في المنطقة.

الشعار كأداة لبناء الشبكات السياسية

من الأيديولوجيا إلى التشبيك المصلحي

يكشف شعار “فلسطين طريقها تمر بجونية” عن آلية خطيرة تم توظيفها في الصراع اللبناني، حيث تم استخدام قضية مقدسة كفلسطين لتبرير تدخلات سياسية وعسكرية محلية. كما يشير الصحافي جانب سعيد في مقالته “فلسطين تجمعنا والطريق إليها تفرقنا” بجريدة اللواء إلى أن “فلسطين كانت العنوان والقميص، الذي لبسه كل صاحب مشروع بيننا كي يستر أهدافه ومراميه، فضاعت تلك القضية النبيلة في غياهب المصالح”.

هذا التوظيف السياسي للقضايا المقدسة خلق بيئة مناسبة لنمو شبكات التهريب والتسليح. فعندما يتم تقديس الهدف السياسي، يصبح من الصعب مساءلة الوسائل المستخدمة لتحقيقه، مما يفتح المجال أمام عمليات تهريب السلاح وبناء تحالفات سياسية تخدم مصالح مادية.

بناء التحالفات عبر العلاقات العامة المادية

إن انتشار السلاح في لبنان لم يكن نتيجة عشوائية، بل جاء عبر شبكة معقدة من التحالفات السياسية التي بُنيت على أساس المصالح المادية والعلاقات العامة. فكما تشير التقارير الحديثة، “هناك شخصيات سياسية في ‘حزب البعث’ تشغل مناصب مهمة في بعض المحافظات، ضالعة في تجارة الأسلحة وتهريبها”، مما يظهر كيف تتداخل السياسة والتجارة في قطاع السلاح.

هذه الشبكات لا تقتصر على جهة واحدة، بل تشمل مختلف الأطراف السياسية. فقد كشفت التحقيقات أن “عشرات الكوادر والعناصر في ‘حزب الله’ و’حركة أمل’ ضالعون في تهريب السلاح عبر مختلف الحدود السورية”، مما يؤكد أن منظومة السلاح تعمل عبر شبكة عابرة للحدود الحزبية والطائفية.

آليات انتشار منظومة السلاح

التهريب كشبكة مصالح معقدة

تكشف التطورات الأخيرة عن استمرار عمليات تهريب السلاح رغم التغييرات الجيوسياسية في المنطقة. فحتى بعد سقوط نظام الأسد، “لا تزال عمليات تهريب الأسلحة إلى ‘حزب الله’ مستمرة، في ما يبدو أنه سباق مفتوح بين الدولة اللبنانية والسورية من جهة، وشبكات ميليشياوية منظمة من جهة أخرى”.

هذه الشبكات تستفيد من “ضعف التنسيق الأمني بين لبنان وسوريا” وتعمل عبر “معابر غير شرعية تعمل بتنسيق وثيق مع ضباط في جهاز استخبارات الحرس الثوري الإيراني”. إن هذا التشبيك المعقد يؤكد أن قضية السلاح لا يمكن حلها من خلال القوة فقط، بل تتطلب مقاربة شاملة تعالج الأسباب الجذرية.

الإيرادات المالية كمحرك للاستمرارية

ما يجعل هذه الشبكات مستمرة هو طابعها التجاري. فالتقارير تشير إلى أن العناصر المتورطة في التهريب “اعترفوا بتهريب السلاح إلى الثوار و’الجيش السوري الحر’ بهدف المتاجرة وتحقيق أرباح مالية”. هذا يعني أن منظومة السلاح تعمل وفق منطق السوق، حيث الربح هو المحرك الأساسي وليس الأيديولوجيا.

إن فهم هذا البعد المادي مهم لأنه يكشف أن مكافحة انتشار السلاح تتطلب تجفيف مصادر التمويل وإيجاد بدائل اقتصادية مشروعة للمناطق التي تعتمد على هذه التجارة.

اللامركزية الإدارية كحل استراتيجي

المفهوم والأهداف

في مواجهة تحديات انتشار السلاح وضعف سيطرة الدولة، تبرز اللامركزية الإدارية كحل استراتيجي يمكن أن يساهم في ضبط السلاح وتعزيز سيادة الدولة. إن “اللامركزية الإدارية هي نوع من التنظيم الإداري للدولة يقوم على نقل صلاحيات إدارية لبعض المرافق من الدولة المركزية إلى وحدات محلية منتخبة”.

هذا المفهوم يتماشى مع ما نص عليه اتفاق الطائف من “اعتماد اللامركزية الإدارية الموسعة على مستوى الوحدات الإدارية الصغرى (القضاء وما دون)”. والهدف من ذلك هو “تمكين الجماعات المحلية من إدارة شؤونها الذاتية عن طريق مجالس منتخبة محلياً”.

كيف تساهم اللامركزية في ضبط السلاح؟

  1. تعزيز المشاركة المحلية والمساءلة

إن تطبيق اللامركزية الإدارية يعني إنشاء “مجالس محلية منتخبة بالكامل، وتتمتع بالاستقلال الإداري والمالي”. هذه المجالس ستكون أكثر قرباً من المواطنين وأكثر قدرة على رصد الأنشطة غير المشروعة، بما في ذلك تهريب السلاح.

كما أن الانتخاب المحلي المباشر سيزيد من مستوى المساءلة والشفافية، مما يجعل من الصعب على شبكات التهريب العمل في الخفاء. فكما يشير مشروع قانون اللامركزية، فإنه “يذهب في اتجاه تعزيز المشاركة المحلية الديمقراطية”.

  1. الإنماء المتوازن كبديل عن اقتصاد السلاح

واحدة من أهم فوائد اللامركزية هي قدرتها على تحقيق “الإنماء المتوازن ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً”. هذا مهم لأن العديد من المناطق التي تعاني من انتشار السلاح هي مناطق محرومة اقتصادياً تجد في تجارة السلاح مصدراً للدخل.

من خلال “رفع نسبة الواردات المحلية من 5-7% إلى 20%” وإنشاء “الصندوق اللامركزي الذي سيحل محل الصندوق البلدي المستقل المأزوم”، يمكن توفير موارد مالية كافية للمناطق لتطوير اقتصاد مشروع يغني عن الاعتماد على التجارة غير القانونية.

  1. تعزيز سيطرة الدولة من الأسفل

بدلاً من الاعتماد على القوة المركزية فقط، تتيح اللامركزية إمكانية بناء سيطرة الدولة من الأسفل إلى الأعلى. فعندما تكون المجالس المحلية شريكة في الحوكمة وتستفيد من الموارد العامة، فإنها تصبح حليفة للدولة في مواجهة الأنشطة غير المشروعة.

كما أن “تعزيز موارد البلديات والبلديات الموحدة والاتحادات البلدية بالإمكانات المالية اللازمة” سيمكنها من أداء دورها الرقابي والخدمي بشكل أفضل، مما يقلل من الحاجة إلى الاعتماد على الميليشيات والسلاح غير الشرعي.

التجارب الدولية والمنظمات المختصة

المعايير الدولية لضبط السلاح

تؤكد المنظمات الدولية على أهمية المقاربات اللامركزية في ضبط السلاح. فالاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال، يعتمد على “استراتيجية شاملة تتضمن المستوى الدولي والإقليمي والثنائي والوطني” في مكافحة انتشار الأسلحة غير المشروعة.

إن “منظمة الأمن والتعاون في أوروبا” التي نشأت من اتفاقية هلسنكي تؤكد على أهمية “الحوكمة المحلية” في ضمان الأمن والاستقرار. فالأمن الحقيقي لا يمكن أن يتحقق من الأعلى فقط، بل يحتاج إلى مشاركة فعالة من المستويات المحلية.

دور البنك الدولي في دعم اللامركزية

البنك الدولي، الذي يعرّف اللامركزية بأنها “إسناد مهام جمع ضرائب ومهام الإدارة السياسية إلى مستويات حكومية أقل”، يدعم مشاريع التنمية المحلية في لبنان. فقد أطلق “مشروع التنمية الإجتماعية بكلفة 30 مليون دولار” بهدف “تنمية طويلة المدى للمجتمعات المحلية في لبنان”.

هذا النوع من المشاريع مهم لأنه يوفر البديل الاقتصادي المشروع للمناطق التي تعتمد على الاقتصاد غير الرسمي. كما أنه يعزز من قدرة المجتمعات المحلية على مقاومة نفوذ الجماعات المسلحة.

منظمات نزع السلاح والرقابة الدولية

إن “منظمة حظر الأسلحة الكيميائية” و”مكتب شؤون نزع السلاح” التابع للأمم المتحدة يؤكدان على أهمية “الرقابة الدولية الصارمة والفعالة” في ضبط انتشار السلاح. لكن هذه الرقابة لا يمكن أن تكون فعالة دون تعاون من المستوى المحلي.

إن “هيئة نزع السلاح التابعة للأمم المتحدة” التي تضم “كافة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة” تؤكد على أهمية “النظر في مختلف المسائل في مجال نزع السلاح ووضع توصيات بشأنها”. هذا يتطلب تطبيق هذه التوصيات على المستوى المحلي من خلال مؤسسات لامركزية فعالة.

التحديات والحلول المقترحة

التحديات الأساسية

  1. المقاومة السياسية

إن تطبيق اللامركزية يواجه مقاومة من “القوى التي تستفيد من النظام الحالي”. فالشبكات التي تعتمد على تهريب السلاح لديها مصلحة في الحفاظ على ضعف الدولة وغياب الرقابة المحلية الفعالة.

  1. النقص في الموارد المالية

رغم أن مشروع اللامركزية “لا يستحدث ضرائب ورسوم جديدة”، إلا أن تطبيقه يتطلب موارد مالية كبيرة. إن “كلفة المشروع البالغة 30 مليون دولار، لا تكفي لسد كل الحاجات”، مما يتطلب جهود تمويل إضافية من المجتمع الدولي.

  1. التعقيدات الطائفية والمناطقية

في بيئة كلبنان، يمكن أن تؤدي اللامركزية إلى “مخاطر هيمنات محلية في ظل الأوضاع الأمنية والسياسية الراهنة”. لذلك، من المهم أن يكون التطبيق متدرجاً ومدروساً بعناية.

الحلول المقترحة

  1. التطبيق التدريجي

بدلاً من التطبيق الفوري للامركزية في كافة المناطق، يمكن البدء بمناطق نموذجية تتمتع بالاستقرار النسبي. هذا سيتيح إمكانية تطوير النموذج وتعديله قبل التوسع.

  1. التنسيق مع المجتمع الدولي

إن دعم المنظمات الدولية أساسي لنجاح المشروع. فكما أكدت “الجامعة العربية أنها تدعم قرار بسط سلطة الدولة على كلّ أراضيها وحصر السلاح بيدها”، يمكن الاستفادة من هذا الدعم لتمويل مشاريع اللامركزية.

  1. ربط اللامركزية بضبط السلاح

من المهم أن يكون ضبط السلاح جزءاً من مشروع اللامركزية وليس منفصلاً عنه. فكما يشير الخبراء، “بالموازاة مع هذه اللامركزية الإدارية، تبرز حاجة إلى مركزية أمنية – عسكرية تكون ضمانة أساسية للحفاظ على وحدة الدولة وهيبتها، وضبط السلاح”.

الخاتمة: من الشعار الكاذب إلى الحل المستدام

إن نقد نديم الجميل لشعار “طريق القدس” كشعار كاذب يفتح الباب لفهم أعمق لكيفية تحول الأيديولوجيات إلى شبكات مصالح معقدة. فالشعار الذي بدأ كتعبير عن قضية مقدسة تحول إلى أداة لتبرير انتشار السلاح وبناء شبكات التهريب والتجارة غير المشروعة.

إن الحل لا يكمن في مجرد نزع السلاح بالقوة، بل في بناء بديل مؤسسي واقتصادي يجعل من الدولة شريكاً للمواطنين وليس خصماً لهم. اللامركزية الإدارية، عندما تُطبق بشكل صحيح، يمكن أن توفر هذا البديل من خلال:

  1. تعزيز المشاركة المحلية في الحوكمة والرقابة

  2. توفير البديل الاقتصادي المشروع عن تجارة السلاح

  3. بناء شراكة حقيقية بين الدولة والمجتمعات المحلية

  4. تطبيق المعايير الدولية لضبط السلاح بطريقة تشاركية

إن الدرس الأساسي من التجربة اللبنانية هو أن الشعارات الأيديولوجية، مهما كانت نبيلة في ظاهرها، يمكن أن تتحول إلى أدوات للاستغلال والفساد عندما لا تخضع للمساءلة والرقابة. لذلك، فإن الحل المستدام يكمن في بناء مؤسسات شفافة وتشاركية تجعل من المستحيل استغلال القضايا المقدسة لخدمة مصالح ضيقة.

إن لبنان، الذي عانى طويلاً من تداعيات الشعارات الكاذبة وشبكات السلاح، يحتاج اليوم إلى رؤية جديدة تقوم على الشفافية والمشاركة والتنمية المستدامة. اللامركزية الإدارية، المدعومة دولياً والمطبقة بحكمة، يمكن أن تكون الطريق إلى هذا المستقبل الأفضل.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …