نديم الجميل وخطاب “طريق القدس”: نقد شعار كاذب واستغلال السياق الديني في لبنان

في تطور لافت على الساحة السياسية اللبنانية، أصدر النائب نديم الجميل في 21 أغسطس 2025 تصريحاً قوياً يكشف فيه حقيقة الشعارات التي استخدمت خلال الحرب الأهلية اللبنانية، حيث قال: “رحم الله شهداءنا الذين قدّموا أرواحهم بوجه شعارات كاذبة باسم ‘طريق القدس'”. هذا التصريح يأتي في سياق بدء عملية سحب السلاح من المخيمات الفلسطينية، مما يفتح الباب لإعادة قراءة نقدية للطريقة التي استُغلت بها الرموز الدينية والشعارات الايديولوجية في النزاع اللبناني.

السياق التاريخي للشعار

أصول “طريق القدس” في الخطاب السياسي

يمكن تتبع جذور شعار “طريق القدس” إلى عدة مصادر في التاريخ المعاصر. في سياق النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي، رفعت منظمة التحرير الفلسطينية هذا الشعار منذ تأسيسها عام 1964، حيث كان الهدف المعلن هو “تحرير فلسطين عبر الكفاح المسلح”. لاحقاً، استخدم حزب الله الشعار ذاته، حيث أعلن حسن نصر الله في 2015 أن “طريق القدس تمر في القلمون وحمص والزبداني ودرعا والسويداء”، مكرراً نمطاً مشابهاً لما حدث سابقاً عندما رفعت منظمة التحرير الفلسطينية شعار “طريق القدس تمر بجونية”.

الاستخدام الديني للشعار

القدس تحتل مكانة مركزية في الثقافة المسيحية والإسلامية على حد سواء. في التقاليد المسيحية، “تنظر المسيحية بمختلف مذاهبها إلى القدس على أنها ‘مدينة الرب’ لأنها المدينة التي شهدت الأحداث الأكثر أهمية في حياة السيّد المسيح وقيامته”. كما أن القدس مذكورة في الكتاب المقدس في مواضع عديدة، حيث “ورد ذكر الفلسطينيين في العهد القديم 287 مرة في مواضع متفرقة”.

هذه المكانة المقدسة للقدس جعلتها رمزاً قوياً يمكن استغلاله سياسياً. فعندما يُرفع شعار “طريق القدس”، فإنه يستدعي مشاعر دينية عميقة ويضفي طابعاً مقدساً على الصراع السياسي، مما يجعل من الصعب انتقاده أو مساءلته دون التعرض لاتهامات بالخيانة أو العمالة.

التوظيف السياسي للدين في الحرب اللبنانية

استغلال الرموز الدينية

خلال الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990)، شهدت الساحة اللبنانية استخداماً مكثفاً للرموز والشعارات الدينية من قبل مختلف الأطراف. لقد “أصبحت هذه الجدران بالنسبة للكثير من اللبنانيين، ‘جدران العار’، ومنابر ‘سياسية’ تكتب عليها العبارات السوقية والنابية والايديولوجية والحزبية والطائفية والثورية والفاشية والشيوعية”.

كان كل معسكر يستخدم رموزه الدينية كأدوات سياسية: “لكل معسكر لواؤه: الصليب للمسيحيين، وللآخرين الهلال أو أي نجمة ثورية أو منجل ومطرقة”. هذا التوظيف للرموز الدينية حوّل الصراع السياسي إلى صراع هوياتي، مما عقّد إمكانيات الحل السياسي.

تسليع القضايا المقدسة

يشير نديم الجميل إلى عملية “تسليع” القضايا المقدسة، حيث تُستخدم قضايا مثل القدس وفلسطين كأدوات في صراعات محلية لا علاقة مباشرة لها بهذه القضايا. هذا ما يؤكده قوله: “من يدفع الثمن هو شباب لبنان الذي سدت أفق المستقبل في وجههم والمستثمرون غيروا وجهتهم لان الوضع هش ودائم اللااستقرار”.

حزب الله، على سبيل المثال، “يفترض -بسذاجة أيديولوجية- أن عنوان المقاومة يجب أن يكون مَحَلَّ إجماع إما من مُنطلق الشعار الديني المُقدس، أو الشعار القومي الموروث”. لكن كما يشير النقاد، “كلا الشعارين لا يحظى بإجماع المجتمع السياسي الداخلي، بسبب اختلاف التوجهات الأصلية للطوائف والمذاهب”.

الأهداف الديموغرافية والطائفية

استخدام الدين لتغيير التوازنات

إحدى أخطر جوانب استغلال الدين في الصراع اللبناني كانت محاولة استخدامه لتحقيق أهداف ديموغرافية. فمنذ تأسيس لبنان الكبير، كان “التوزيع الطائفي لمناصب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس مجلس النواب” محدداً بناءً على التركيبة الديموغرافية.

لكن وجود اللاجئين الفلسطينيين أحدث خللاً في هذا التوازن، حيث “تسبّب إنشاء دولة إسرائيل إلى نزوح مئات الآلاف من اللّاجئين الفلسطينيين إلى لبنان بين عامي 1948 و1967 مُؤدّيًا إلى اختلال التّوازن الدّيموغرافي لصالح المسلمين”.

السياق الديموغرافي المعاصر

اليوم، يواجه لبنان تحديات ديموغرافية جديدة. وفقاً للدراسات الحديثة، قد تصل نسبة غير اللبنانيين إلى مستويات غير مسبوقة، حيث “من المتوقع أن تستمر بالتراجع لتبلغ نحو 50% بحلول العام 2038” بالنسبة للأطفال السوريين في المخيمات. هذا الواقع يضع ضغوطاً إضافية على النظام الطائفي اللبناني ويعقد من إمكانية حل الأزمات السياسية.

الحرب الأهلية وشعارات الخداع

بداية الصراع والشعارات المضللة

بدأت الحرب الأهلية اللبنانية فعلياً في 13 أبريل 1975 بما يُعرف بـ”مجزرة عين الرمانة”، لكن جذورها تعود إلى صراعات أعمق حول هوية لبنان ودوره الإقليمي. في هذا السياق، رُفعت شعارات متعددة، بعضها كان يستند إلى قضايا خارجية مثل القدس وفلسطين، بينما كان الصراع الفعلي يدور حول مسائل داخلية تتعلق بالسيادة والتوازنات الطائفية.

بشير الجميل، والد نديم الجميل، كان من أبرز القادة في هذه الحرب، حيث “قاد القوات اللبنانية (الجناح العسكري لحزب الكتائب) خلال الحرب الأهلية”. موقف الكتائب كان واضحاً في دعم مبدأ “لبنان أولاً”، وهو ما يؤكده نديم الجميل بقوله: “بعد 50 عاما تبين للجميع اننا كنا على حق و’لبنان أولا’ هو الذي كان على حق”.

تطور الموقف من الشعارات

مع مرور الوقت، بدأ يتضح للعديد من اللبنانيين أن الشعارات التي رُفعت خلال الحرب كانت في كثير من الأحيان مجرد أدوات للتعبئة السياسية وليس تعبيراً عن قناعات حقيقية. هذا ما يؤكده نديم الجميل عندما يصف “طريق القدس” بأنها “شعارات كاذبة”.

كما يشير إلى أن هذه الشعارات استخدمت لتبرير صراعات محلية: “البعض يرى انه في حال لم يستطع تحرير القدس فليحرر بيروت وهذا الأمر بالنسبة لنا مرفوض”. هذا التصريح يكشف عن كيفية استخدام قضايا خارجية لتبرير تدخلات في الشؤون الداخلية اللبنانية.

النتائج والتداعيات

تكلفة الشعارات الكاذبة

التكلفة البشرية والاقتصادية للحرب الأهلية اللبنانية كانت باهظة، حيث “أسفرت عن مقتل حواليْ 120 ألف شخص” واستمرت لخمسة عشر عاماً. كما أن الآثار النفسية والاجتماعية لا تزال ماثلة حتى اليوم، حيث “لا يعكس رغبة اللبنانيين الصادقة في تجاوز الحرب فحسب، بل يخفي وراءه في العمق قلقا دفينا من أن الحرب لم تنته فعلا”.

نديم الجميل يربط بين استخدام الشعارات الكاذبة وهذه التكلفة الباهظة، مذكراً بأن “شهداءنا الذين قدّموا أرواحهم بوجه شعارات كاذبة باسم ‘طريق القدس'” يستحقون أن تُقال الحقيقة حول الأسباب الحقيقية لتضحياتهم.

الدروس المستفادة

من أهم الدروس التي يمكن استخلاصها من هذه التجربة هو ضرورة التمييز بين الشعارات السياسية والمعتقدات الدينية الحقيقية. فكما يشير أحد الباحثين: “الصراع الطائفي أو المذهبي بين المكونات اللبنانية لم يكن أبدا ولا في أي لحظة منه على قضايا دينية أو خلافات مذهبية، لذا فإن الطائفة والمذهب في لبنان هي حالة ثقافية وسياسية واجتماعية لا دينية”.

الوضع الراهن والمستقبل

نحو خطاب أكثر صدقية

تصريحات نديم الجميل الأخيرة تشير إلى توجه نحو خطاب سياسي أكثر صدقية ومباشرة. فقوله إن “الحقيقة واحدة: السلاح سيُسحب” يعكس رؤية واقعية للوضع الحالي، بعيداً عن الشعارات الرنانة.

كما يؤكد على أن “المواجهة ليست أبدا حزبية أو طائفية وليست مناطقية، بل وطنية”، مما يشير إلى محاولة إعادة تأطير الصراع السياسي في لبنان على أسس وطنية بدلاً من الأسس الطائفية أو الايديولوجية.

التحديات المستقبلية

رغم هذا التوجه الإيجابي، لا تزال التحديات قائمة. فاستخدام الدين في السياسة ليس ظاهرة لبنانية فقط، بل هو “صراع بين قوة مهيمنة عالمياً وقوى معارضة أو مناهضة أو مقاومة لتلك الهيمنة” على المستوى الإقليمي والدولي.

إن تصريحات نديم الجميل حول “طريق القدس” كشعار كاذب تفتح الباب لإعادة قراءة نقدية للطريقة التي استُغلت بها الرموز الدينية في الصراع اللبناني. هذا الاستغلال، الذي حوّل قضايا مقدسة إلى أدوات سياسية، ساهم في إطالة أمد الحرب وزيادة تعقيداتها.

القدس، كرمز ديني مقدس لدى المسيحيين والمسلمين، تستحق أن تُحترم كقضية روحية وإنسانية، وليس كشعار سياسي يُستخدم لتبرير صراعات محلية أو تحقيق أهداف ديموغرافية. إن الدرس الأهم من التجربة اللبنانية هو ضرورة الفصل بين الايمان الديني الحقيقي والاستغلال السياسي للدين، وأن بناء دولة قوية وعادلة يتطلب صدقية في الخطاب السياسي وبعداً عن الشعارات المضللة.

إن إعادة قراءة هذا التاريخ ليست مجرد تمرين أكاديمي، بل ضرورة لفهم الحاضر وبناء مستقبل أفضل للبنان، حيث يمكن للدين أن يكون مصدر سلام وتسامح، وليس أداة للصراع والانقسام.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …