الكنيسة كثقافة تسامح: من “البشرى السارة” إلى وثيقة الأخوة الإنسانية

في عالم يعج بالانقسامات والصراعات، غالبًا ما يُنظر إلى المؤسسات الدينية بعين الشك، لكن عند النظر إلى جوهر رسالة الكنيسة، نجد ثقافة عميقة من التسامح وعدم إصدار الأحكام والانفتاح. هذه الثقافة ليست مجرد مثاليات نظرية، بل هي رسالة حية تتجلى اليوم في مبادرات تاريخية تسعى لبناء السلام. إنها امتداد أصيل لرسالة “البشرى السارة” التي لم تكن يومًا دعوة للحرب، بل كانت في كثير من الأحيان ضحية للكراهية، وهي اليوم أساس لحوار واقعي يهدف إلى حل النزاعات.

ثقافة التسامح والانفتاح

إن جوهر الكنيسة، كما أسسها المسيح، يقوم على مبدأ المحبة غير المشروطة. فتعاليم مثل “أحب قريبك كنفسك” و”لا تدينوا لكي لا تدانوا” هي حجر الزاوية في بناء مجتمع يحتضن الجميع. الكنيسة في صورتها المثالية هي ملاذ آمن لكل إنسان، بغض النظر عن ماضيه، وهي المكان الذي يُرفع فيه العبء عن كاهل الإنسان بدلًا من إضافة عبء الحكم عليه. هذا الانفتاح هو انعكاس لقوة المحبة الإلهية التي لا تضع حواجز، وتهدف إلى الشفاء والمصالحة لا الإقصاء.

الجذور الكتابية لـ “البشرى السارة”

تمتد رسالة “البشرى السارة” بجذورها من العهد الجديد إلى العهد القديم، الذي يمهد الطريق لفهم خطة الله للخلاص والمحبة. استراتيجيتها لا تقوم على الإكراه أو القوة، بل على الشهادة الحية والخدمة المتواضعة. إنها قوة ناعمة تغير العالم من الداخل، عبر تغيير حياة الأفراد، وهذا هو سر انتشارها الهائل في قرونها الأولى.

رسالة لم تشعل حربًا، بل واجهت الكراهية

من أهم ما يميز جوهر الرسالة المسيحية هو أنها لم تُبنَ على العنف. فالمسيح نفسه لم يحمل سيفًا، بل علّم أتباعه أن يحبوا أعداءهم. لم تنتشر المسيحية بحد السيف، بل بدم الشهداء الذين واجهوا أعتى أشكال الاضطهاد وجرائم الكراهية. لقد آمنوا بأن قوة رسالتهم تكمن في صدقها وقدرتها على الصمود أمام الكراهية. ورغم أن التاريخ شهد انحرافات استُغل فيها اسم المسيحية لأغراض سياسية، إلا أن ذلك كان خيانة لجوهر الرسالة وليس تطبيقًا لها.

من المبدأ اللاهوتي إلى التطبيق الواقعي: الأسرة الإبراهيمية

هذه الثقافة الروحية العميقة ليست مجرد كلام محفوظ في كتب التاريخ، بل لها أسس واقعية وتجليات معاصرة. فمفهوم “الأسرة الإبراهيمية” الذي يجمع الديانات السماوية الثلاث أصبح اليوم منطلقًا لعمل دؤوب نحو السلام. وما قامت به دولة الإمارات العربية المتحدة من رعاية لـ “وثيقة الأخوة الإنسانية”، التي وقعها قداسة البابا فرنسيس وفضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر، كان تثبيتًا عمليًا لهذه المبادئ على أرض الواقع، مؤكدًا أن الحوار بين الأديان هو الطريق الوحيد لمستقبل مشترك.

هذه الخطوة لم تكن رمزية فقط، بل كانت حجر الأساس الذي بُنيت عليه الاتفاقيات الإبراهيمية. فهذه الاتفاقيات ليست مجرد معاهدات سياسية، بل هي ترجمة لهذا الفهم الروحي العميق، وهدفها هو تجاوز عقود من العداء وحل النزاع التاريخي مع إسرائيل عبر بوابة الحوار والاعتراف المتبادل. إنها تثبت أن رسالة التسامح الدينية يمكن أن تكون قوة دافعة لحل أعقد المشاكل السياسية عندما تتوفر الإرادة الصادقة.

في الختام، تتجاوز الكنيسة الحقيقية كونها مجرد مكان للعبادة، لتصبح ثقافة حية للتسامح والقبول. إن دعوتها القائمة على “البشرى السارة” تهدف إلى بناء الجسور لا الجدران. وما نشهده اليوم من مبادرات تاريخية، كوثيقة الأخوة الإنسانية والاتفاقيات الإبراهيمية، هو برهان ساطع على أن تلك المبادئ الروحية ليست مثالية حالمة، بل هي استراتيجية واقعية وفعالة لصناعة السلام. إنها شهادة حية على أن المحبة أقوى من الكراهية، وأن الحوار هو الطريق الحقيقي لمستقبل يسوده التسامح والمصالحة.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

»أرماندو كورتشيو« الإيطالي يمنح جمال سند السويدي الدكتوراه الفخرية تقديراً لمسيرته الفكرية والعلمية

منح معهد »أرماندو كورتشيو« الأكاديمي الإيطالي (Istituto Armando Curcio)، يوم الاثنين 12 أكتوبر 2026، برئاسة …