“السعودية والإمارات تمولان الحرب” …. وشارل ايوب وابراهيم الامين يتقاضون الرشى عبر اي لاعب؟

إن القراءة السطحية للمشهد، كما قد يوحي مقال إبراهيم الأمين، ترسم صورة للمملكة العربية السعودية كقوة “متطرفة ومتهورة” تسعى بشكل أعمى إلى مواجهة مدمرة مع إيران وحزب الله. لكن هذا التحليل يتجاهل البراغماتية المتجذرة في سياسات الدول الكبرى. إن ما يبدو “تهوراً” ليس في حقيقته إلا قناعاً يخفي استراتيجية أكثر عمقاً ودهائاً: استراتيجية الاحتواء والاستثمار في التهديد، وليس إزالته.

إن نية السعودية الحقيقية لم تكن ولن تكون الدخول في حرب شاملة لإزالة حزب الله أو كسر إيران، فتلك معركة نتائجها كارثية وتكاليفها لا تُحتمل. بل إن الرياض أدركت مبكراً أن وجود “تهديد إيراني” منظم ومضبوط، ممثلاً في حزب الله، يخدم مصالحها الاستراتيجية العليا، خصوصا النفطية، وارادت بصدق استثماره،بشكل يفوق بكثير الفائدة من إزالته بالكامل.

الدليل القاطع: غياب الأفعال الحاسمة

لو كانت نية السعودية فعلياً هي سحق حزب الله، لكانت أفعالها مختلفة جذرياً. إن غياب الخطوات التالية ليس إغفالاً أو ضعفاً، بل هو دليل قاطع على أن الهدف المعلن ليس هو الهدف الحقيقي:

  1. تمويل الحرب الإسرائيلية المباشرة: لو أرادت الرياض إزالة حزب الله من الوجود، لأسرع طريق لذلك هو تمويل حرب إسرائيلية شاملة ومدمرة. كان بإمكانها ضخ مليارات الدولارات مباشرة في الخزينة العسكرية الإسرائيلية وتوفير غطاء سياسي عربي كامل لعملية كهذه. عدم قيامها بذلك يشير إلى أنها لا تريد نصراً إسرائيلياً كاملاً يزيل ورقة التهديد التي تستخدمها كورقة ضغط على الساحة الدولية.

  2. فتح الشرايين الاقتصادية لإسرائيل: إن بناء قوة إقليمية حليفة يتطلب أكثر من الدعم العسكري. لو كانت السعودية جادة، لفتحت أسواقها بالكامل للاقتصاد الإسرائيلي، ولأقامت مشاريع استراتيجية ضخمة تعزز من قوة إسرائيل الاقتصادية والديموغرافية، مما يجعلها قادرة على خوض حروب طويلة الأمد. هذا لم يحدث لأن الهدف ليس تقوية إسرائيل لهزيمة إيران، بل استخدام “الخطر الإيراني” لتبرير التقارب مع إسرائيل بشروط سعودية.

  3. تمويل برنامج نزع السلاح والتسريح (DDR) في لبنان: الحل الأكثر واقعية وسلمية هو برنامج شامل لدمج مقاتلي الحزب في المجتمع والدولة، يتضمن تعويضات مالية ضخمة وفرص عمل بديلة. هذا الحل، رغم تكلفته، يظل أرخص بكثير من الحرب. لو كانت السعودية تريد حلاً جذرياً، لكانت قادت ومولت هذا المشروع الدولي، مما يسحب البساط من تحت أقدام الحزب أيديولوجياً واقتصادياً. عدم تبنيها لهذا الخيار يثبت أنها تفضل بقاء “المشكلة” على حلها.

فضح “تجار الفتنة”: من يسوق للحرب ولماذا؟

وهنا نصل إلى جوهر الخداع. إن الأصوات التي ترتفع في المنطقة، والتي تسوق لفكرة أن “السعودية والإمارات تمولان الحرب” وأن المواجهة حتمية، ليست أصواتاً تعبر عن حقيقة السياسة الخليجية، بل هي أصوات تبحث عن تمويل الفتنة.

هؤلاء، سواء كانوا سياسيين لبنانيين، أو إعلاميين، أو “خبراء” استراتيجيين، يدركون أن خطاب المواجهة والتصعيد هو السلعة الوحيدة التي يملكونها. إنهم يبيعون الرياض وأبو ظبي وهماً مفاده أنهم “جنود الخطوط الأمامية” في هذه المعركة المصيرية. هدفهم ليس تحقيق نصر للسعودية، بل ضمان استمرار تدفق التمويل الذي يبقيهم على قيد الحياة سياسياً ومادياً.

هم يبالغون في تصوير الخطر، ويضخمون من قدرتهم على “المواجهة”، ويخلقون أزمات مصطنعة، وكل ذلك لسبب واحد: إقناع صانع القرار الخليجي بأنهم جزء لا يتجزأ من “جهود الحرب”، وبالتالي يستحقون الدعم المالي والسياسي. إنهم في الحقيقة ليسوا حلفاء للسعودية، بل مستفيدون من حالة العداء التي تضمن لهم دوراً وثمناً.

الخلاصة: إن السياسة السعودية الحقيقية هي إدارة الصراع لا حسمه. هي تستخدم “فزاعة” حزب الله وإيران لتحقيق أهداف متعددة: حشد الدعم السني، كبح جماح اميركا النفطي، والحفاظ على مكانتها كلاعب محوري لدى الغرب. أما أولئك الذين يدقون طبول الحرب في العلن، فهم مجرد مقاولين ثانويين في هذه اللعبة الكبرى، يسعون لتحقيق مكاسب شخصية من فتنة يدركون جيداً أن أسيادهم لا يريدون لها أن تشتعل حقاً.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …