الحاجة هي الاساس: التعافي فعل سياسي. بالتالي السياسات.
إن تحويل اهتمام العالم من القضية الوطنية الفلسطينية إلى أبعاد الأزمة الإنسانية المصطنعة يضمن لإسرائيل استمرارَ الهيمنة دون مواجهةٍ سياسيةٍ حقيقية. فالمدخل الإنساني يبدو سقفًا للسياسات الدولية، حيث يقتصر الفلسطيني على “جغرافيا حاجة” لن ترفع سقف مطالبه الوطنية إلا بشروطٍ تفرضها شروط إعادة الإعمار والتعافي، المعتمدة على قرارين وسياسيين مرتبطين بحل الدولتين. في ظل هذه المعادلة، تصبح العودة إلى الأجندة السياسية التحررية مهمةً مضنيةً تتطلب كسرَ الإطار الإنساني الذي طغى على القضية، وإعادة توجيه الأضواء نحو الحقوق الوطنية الجامعة.
إن ما نشهده اليوم في غزة يتجاوز كونه مجرد عملية عسكرية تهدف إلى تحقيق أهداف أمنية آنية. نحن أمام استراتيجية متكاملة وبعيدة المدى، لا تكتفي بتدمير الحجر، بل تهدف إلى تفكيك جوهر القضية الفلسطينية نفسها عبر هندسة الحاجة؛ وهي عملية ممنهجة لتحويل شعب يناضل من أجل حقوقه السياسية إلى مجتمع معزول يصارع من أجل البقاء، وتغيير قضيته من صراع تحرر وطني إلى ملف إغاثي دائم على طاولات المانحين الدوليين.
تبدأ هذه الاستراتيجية بالأساس المادي: إعادة هندسة الجغرافيا. إن عمليات الهدم الواسعة التي محت أحياء بأكملها، وأنشأت مناطق عازلة شاسعة، لم تكن تهدف فقط إلى منع أي حراك مقاوم مستقبلي، بل كانت الخطوة الأولى في بناء سجن جغرافي جديد. فبتحويل المدن المكتظة إلى مساحات مفتوحة وسهلة المراقبة، يتم القضاء على البيئة التي تسمح بأي شكل من أشكال التنظيم المستقل أو المقاومة. هذه الأرض الجديدة، التي تم “تطهيرها” عسكرياً، أصبحت مهيأة للمرحلة الثانية من الهندسة: هندسة المجتمع.
بعد تدمير المكان، يأتي دور تدمير مقومات الحياة فيه. إن استهداف البنية التحتية الإنسانية—المستشفيات، والمدارس، ومحطات المياه، والمخابز—ليس ضررًا جانبيًا، بل هو تدمير ممنهج لأي فرصة للاكتفاء الذاتي. يتم من خلاله اقتلاع جذور الاقتصاد المحلي وتحويل الشعب الفلسطيني من كيان منتج وقادر على الصمود إلى مجتمع يعتمد كليًا على المساعدات الخارجية. هذه هي اللحظة التي يتم فيها “ترويض” البيئة الفلسطينية، لتصبح بيئة مواتية لكل مفاهيم الأزمة الإنسانية المزمنة.
ترسيخ “بيئة الأزمة” وتأطيرها عالميًا
تعتمد السياسات الدولية والإقليمية اليوم على قالبٍ أشمل لتبرير استمرار الدعم المالي والحضور الدبلوماسي في فلسطين، وهو “الأزمة الإنسانية”. وتقوم هذه السياسات على:
-
توصيفٍ شاملٍ للأوضاع كـ“كارثة” تستدعي ولوج المنظمات الأممية والإقليمية والمجتمع المدني.
-
فرض معايير “اجبة” على مصروفات المساعدات: ما نسبته 70% على الغذاء والماء، و20% على الصحة والتعليم الطارئ، و10% على دعم البنية التحتية المؤقتة.
-
ربط حصول السلطة الفلسطينية على الشروط المالية والديبلوماسية بالعمل وفق “خطة تعافي” تُعنى بإدارة الأزمة وليس بإدارة تحرّر الأرض.
بذلك، تتحول المؤسسات الفلسطينية من كياناتٍ تمثل الشعب في مواجهة الاحتلال إلى جهاتٍ “تنفيذية” لمخططات الإغاثة والإنقاذ، إذ يصبح اهتمامها الأوّل ضمان وصول الدعم المالي وليس استثمار الضغط السياسي لإنهاء الاحتلال.
الأزمة كبديل للقضية طويلة الأمد
الأمر الأكثر خطورة هو أن هذا النوع من التحوّل يعيد رسم أطر النقاش الدولي:
-
لم تعد فلسطين في صلب العناوين الأمنية والسياسية، بل في عناوين الاحتياجات الإنسانية الطارئة.
-
أصبح النقاش حول “حل الدولتين” موصولًا حصريًا بموازنةٍ ماليةٍ لإعادة الإعمار، وليس بإطارٍ سياسي يضع إنهاء الاحتلال شرطًا مسبقًا للعودة إلى الحياة الطبيعية.
-
ترى إسرائيل أن حل دولة فلسطينية قائمًا على موارد “التعافي” والإغاثة هو هدف قابل للتفاوض؛ فالضغط الإنساني يكبح تصاعد المطالب السياسية، ويحوّلها إلى متغير مرتبطٍ بتقدم مناطق الإعمار لا بتقدم السياسة.