افرام يفاجئ الجميع بلفتة إنسانية… نحو النفايات! من الزبّال ! “تبع” لزبالة!

في حدث جلل هزّ أركان البيئة اللبنانية المتعفنة أصلاً، دعا النائب والمليونير نعمة افرام كوكبة من المسؤولين والخبراء والإعلاميين إلى مقره الفاخر “مشروع وطن الإنسان”. العنوان الرسمي: “لقاء بيئي”. العنوان غير الرسمي الذي فهمه الجميع: “فرصة ذهبية للحصول على تمويل.. مع وجبة خفيفة”.

تحلّق الحضور حول الطاولة المستديرة كالفراشات حول الضوء، أو لنكن أكثر دقة، كالفراشات حول دفتر الشيكات. حضرت وزيرة البيئة الدكتورة تمارا الزين وهي تتأمل سقف القاعة وتتساءل إن كان بإمكان ميزانية افرام تغطية ديون الوزارة. وبجانبها، جلس رئيس لجنة البيئة النيابيّة النائب غياث يزبك، الذي حضّر خطاباً حماسياً عن “تطبيق القوانين” كان ينوي أن يختمه بعبارة “وبالطبع، التطبيق يحتاج إلى دعمكم السخي، حضرة النائب”.

وطبعاً، لم يغب الخبراء الذين أتوا بـ”باور بوينت” جاهز يثبت أن تحويل النفايات إلى وقود (RDF) هو مشروع مربح جداً، خاصة إذا كان المموّل شخصاً آخر غيرهم. أما الإعلاميون، فقد جاؤوا لالتقاط صورة مع أغلى قطعة أثاث في الغرفة: نعمة افرام نفسه. لم يتم شراؤه من صربا ! 

افرام: يا جماعة، خلينا نبلش… بأي شي!

بكل حماس، افتتح افرام الجلسة متحدثاً عن حلمه ببلد نظيف. شرح كيف أن النفايات تملأ الشوارع، وكيف أن الدولة عاجزة، وكيف أن الـRDF هو الحل السحري. كان يتحدث عن البيئة، لكن صدى صوته في آذان الحاضرين كان يُترجَم إلى: “لدي فكرة… وسأدفع ثمنها”. لمعت العيون وبدأت الآلات الحاسبة في الرؤوس بالعمل.

وذكّرهم بتجربته الرائدة في معمل غوسطا، الذي أثبت أن تحويل الزبالة إلى طاقة ممكن، لكنه فشل لأن البلديات كانت مفلسة والدولة… حسناً، كانت الدولة.

الزين ويزبك: المشكلة بالتمويل… هل وصلت الرسالة؟

بذكاء يحسد عليه، التقطت الوزيرة الزين طرف الحديث. قالت إن الأزمة هي “مشكلة إدارة وحوكمة وتمويل”، مع تشديد على الكلمة الأخيرة ثلاث مرات وغمزة خفيفة باتجاه افرام. وأضافت أن كل شيء يُسدد من خزينة الدولة الفارغة، في تلميح واضح معناه: “يا رجل الأعمال الناجح، ألا ترى هذه الفجوة في السوق؟”.

أما النائب يزبك، فألقى باللوم على غياب تطبيق القانون، ثم أطلق العبارة الذهبية: “يجب تطبيق قانون مَن يلوّث يدفع“. في تلك اللحظة، نظر الجميع إلى افرام، ليس لأنه يلوّث، بل لأنه الوحيد القادر على أن “يدفع”.

افرام يفاجئ الجميع بلفتة إنسانية… نحو النفايات!

وهنا، وفي خضم النقاشات المالية المغلفة بيئياً، أطلق افرام قنبلته التي أذهلت الحاضرين وأثبتت أنه ليس مجرد رجل أعمال، بل فيلسوف وإنساني عظيم.

فجأة، قاطع النقاش قائلاً: “ولكن قبل كل شيء، يجب أن نضمن حقوق جميع الأطراف. لذلك، أقترح بكل جدية أن نتعاون مع منظمة العفو الدولية (Amnesty International).”

ساد صمت مطبق. ما علاقة منظمة العفو بالنفايات؟

أكمل افرام بجدية: “علينا أن نتأكد من أن النفايات موافقة على تحويلها إلى وقود حراري! يجب أن نرسل فريقاً من Amnesty لإجراء مقابلات مع أكياس القمامة قبل حرقها، لضمان موافقتها الطوعية على التضحية بنفسها من أجل الطاقة. لا يمكننا المضي قدماً في مشروع ينتهك الحقوق الأساسية لقشرة موزة أو علبة سردين فارغة. هذه هي الديمقراطية الحقيقية!”.

في الختام، خرج الجميع من الاجتماع وهم أكثر حيرة من قبل، لكنهم اتفقوا على شيء واحد: الرجل لا يريد فقط حل أزمة النفايات، بل يريد أيضاً ترشيحها لجائزة نوبل للسلام. وتقرر عقد اجتماعات أخرى، على أمل أن يتخلى افرام في المرة القادمة عن حقوق النفايات ويركز على تمويل المشاريع. انتهى الاجتماع، وبقيت النفايات في الشوارع، لكنها الآن تشعر بأن صوتها مسموع.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …