ما يحدث في طرابلس ليس إهمالاً عشوائياً، بل استراتيجية متعمدة من قبل رجال أعمال وسياسيين خارج المدينة لإبقائها أسيرة الفقر والتهميش. يستخدمون خطاب “التطرف الديني” كأداة ابتزاز مزدوجة: من جهة، لتبرير عزل المدينة اقتصادياً وتعطيل مشاريعها التنموية التي قد تنافس مصالحهم التجارية في مناطق أخرى. ومن جهة أخرى، لجذب تمويلات دولية باسم “مكافحة التطرف” دون أن تصل للتنمية الفعلية، واستخدام الفقر كوقود لتعبئة سياسية عند الحاجة.
هذا الاستغلال المنظم يحول طرابلس إلى “صندوق بريد” يُفتح عند كل أزمة سياسية، بينما يبقى أهلها رهائن لصراعات لا ناقة لهم فيها ولا جمل. والمفارقة المأساوية أن المدينة التي تمتلك كل المقومات لتكون “عاصمة لبنان الاقتصادية” تبقى الأفقر، ليس لعجز ذاتي، بل لأن فقرها يخدم مصالح فئات نافذة تجد في بؤسها فرصة للابتزاز والاستغلال المستمر
ليست مأساة طرابلس قدراً محتوماً، ولا هي نتاج إهمال عابر. إنها نتيجة منظومة معقدة وممنهجة من الاستغلال الاقتصادي والسياسي، حيث تُستخدم المدينة كـ “صندوق بريد للسياسة في لبنان”، وتتحول احتياجات أبنائها إلى وقود لمعارك لا ناقة لهم فيها ولا جمل. يستغل رجال الأعمال والسياسيون، سواء من داخل المدينة أو خارجها، فقرها المدقع كأداة لتحقيق أهداف تتجاوز حدودها الجغرافية، تاركين خلفهم مدينة غنية بإمكانياتها، فقيرة في واقعها. وكما يشير الباحث الاقتصادي سامر حجار، فإن المدينة مقسّمة أمنياً وسياسياً لخدمة أجندات إقليمية، “وعند كل مفترق طريق يتم استغلال الشارع”. هذا الاستغلال متعدد الأوجه، وتتداخل آلياته لتشكل حلقة مفرغة من التهميش والأزمات.
أولاً: التهميش الاقتصادي الممنهج: خنق الرئة الاقتصادية للشمال
طرابلس ليست مجرد مدينة ساحلية، بل هي بوابة لبنان الشمالية على العالم. تمتلك بنية تحتية ومقومات اقتصادية هائلة، لكن هذه الإمكانيات تبقى معطلة بفعل فاعل.
-
المشاريع المعطّلة: إعدام ممنهج للفرص:
-
مرفأ طرابلس: العملاق المكبّل: لا يُنظر إلى مرفأ طرابلس على أنه مجرد ميناء، بل هو مشروع استراتيجي قادر على تغيير وجه المنطقة. موقعه الجغرافي يجعله المنفذ البحري الأقرب لإعادة إعمار سوريا، وهو ما يفسر الاهتمام الصيني بضمه إلى “مبادرة الحزام والطريق”. لكن هذا الدور يتعارض مع مصالح شبكات اقتصادية تحتكر العمل في مرفأ بيروت. لذلك، يتم تكبيل المرفأ بعراقيل إدارية ولوجستية لضمان بقائه في مرتبة ثانوية.
-
معرض رشيد كرامي الدولي: تحفة في غيبوبة: هذا المعرض، الذي صممه أوسكار نيماير، هو أيقونة ثقافية واقتصادية. إبقاؤه مهملاً هو قرار سياسي يمنع طرابلس من أن تكون مركزاً للتجارة الدولية في شرق المتوسط.
-
مطار القليعات وسكة الحديد: أحلام مؤجلة: تعطيل تفعيل مطار القليعات وإهمال سكة الحديد التي تربط طرابلس بسوريا، هما جزء من استراتيجية لإبقاء طرابلس معزولة عن محيطها الإقليمي، لضمان مركزية العاصمة.
-
-
المشاريع “الفتنوية”: التنمية كواجهة للمصالح:
ولعل أخطر أشكال هذا التهميش هو ما يأتي مغلفاً برداء التنمية. فطريقة طرح بعض المشاريع الكبرى من قبل رجال أعمال نافذين من مناطق مثل كسروان وجونية، والذين يمسكون بزمام إدارة ملف طرابلس الاقتصادي، تحوّل هذه المبادرات إلى “مشروع فتنوي” بامتياز. فهؤلاء، بحكم نفوذهم، لا يطرحون مشاريع مبنية على دراسات لحاجة المدينة الفعلية، بل يقدمون تصورات تخدم مصالحهم التجارية الخاصة بالدرجة الأولى. ولكي تمر هذه المشاريع، فإنها تحتاج إلى “إذن وعلاقات كبار الطرابلسيين”، مما يخلق مقايضة خطيرة: يحصل رجال الأعمال الخارجيون على موافقات لتوسيع إمبراطورياتهم، بينما يتم إشراك أو إرضاء نخب طرابلسية محددة، في حين يبقى عموم أهل المدينة خارج المعادلة. بهذا المعنى، يصبح “التطوير” مجرد واجهة لصفقات تجارية، وتكريس للتبعية، وتعميق للشرخ بين أهل المدينة ونخبها، مما يؤكد أن الهدف الحقيقي ليس التنمية، بل تأمين المصالح الخاصة.
ثانياً: اقتصاد البؤس: تحويل الحاجة إلى أداة سيطرة
هذا التهميش الممنهج يخلق بيئة من الفقر المدقع، والتي لا تُترك لحالها، بل يتم استثمارها بذكاء شيطاني لفرض السيطرة.
-
ظاهرة “الخُوّات”: دولة داخل الدولة: في غياب الدولة، تنشأ “دويلات” محلية يديرها أزلام مرتبطون بجهات سياسية وأمنية. وكما يشرح غسان ريفي، رئيس تحرير صحيفة “سفير الشمال”، فإن بسطات الخضار والأكشاك المتنقلة، التي يفترض أن تكون مصدر رزق للفقراء، تتحول إلى مصدر دخل لهؤلاء المتنفذين عبر فرض “خُوّات” (أتاوات). الفقير هنا لا يصبح ضحية الفقر فحسب، بل جزءاً من آلة تعيد إنتاج الفقر والتبعية.
-
المساعدات المشروطة: تُستخدم المساعدات الاجتماعية والإنسانية كأداة لشراء الولاءات. لا تُقدم ضمن خطة تنموية، بل كمنح موسمية تضمن بقاء المحتاجين في حالة تبعية دائمة للمانح، مما يسهل تحريكهم في الشارع عند كل استحقاق.
ثالثاً: الابتزاز بورقة التطرف الديني: صناعة الخوف لأغراض تجارية
الأداة الأكثر خطورة هي الترويج لصورة طرابلس كـ “أرض خصبة للإيديولوجيات المتطرفة”. هذه السردية، التي يتم تضخيمها إعلامياً وسياسياً، تُستخدم كأداة ابتزاز متعددة الأبعاد.
-
الابتزاز الأمني لتعطيل المنافسة الاقتصادية: تُستخدم حجة “الخطر الأمني” كذريعة مثالية لتعطيل أي مشروع تنموي كبير. لماذا الاستثمار في منطقة غير مستقرة أمنياً؟ هذا هو السؤال الذي يطرحه المستفيدون من الوضع الراهن. تعطيل مطار القليعات بحجة قربه من مناطق “حساسة” يخدم بشكل مباشر مصالح المحتكرين لمطار بيروت.
-
توظيف الخوف لجذب التمويلات (تجارة الأزمة): تستغل بعض الجهات هذه الصورة النمطية لجذب تمويلات ضخمة تحت عنوان “مكافحة التطرف”. لكن جزءاً كبيراً من هذه الأموال لا يذهب لمعالجة الأسباب الجذرية، بل يُصرف على مشاريع شكلية تستفيد منها شبكات محددة.
-
الاستثمار السياسي في الغضب: كما يؤكد النائب علي درويش، فإن “الفقر وحّد صوت الطرابلسيين”. هذا الغضب الشعبي طاقة هائلة يتم استغلالها بانتهازية. عند كل منعطف سياسي، يتم تحريك الشارع ثم يُترك لمصيره. إنها دورة من “الاستثمار في اليأس”، كما أشار مصطفى علوش.