لم يكن دوي الانفجار أو صدى الرصاص الذي استهدف مواطنين سعوديين في قلب لندن مجرد اعتداء إرهابي آخر يضاف إلى سجل العنف العالمي، بل كان إعلاناً صريحاً للحرب ضد نظام عالمي جديد يتشكل على أنقاض الشرق الأوسط القديم. هذا الهجوم لا يمثل نقطة ضعف في التحالف الناشئ بين إدارة أمريكية براغماتية وسعودية طموحة، بل على العكس، هو العامل المسرّع الذي يدفع هذا المحور نحو ترسيخ منطقه القائم على المصالح القاسية، متجاوزاً الأيديولوجيا والقيم المشتركة. لكن هذا “المحور البراغماتي” يجد نفسه اليوم في مواجهة خصمين عنيدين: فلول التشدد الديني من جهة، والمد الأيديولوجي لليمين المتطرف العالمي من جهة أخرى.
ميلاد محور المصلحة في عالم ما بعد إيران
مع الانهيار المتوقع للنظام الإيراني وتأثير العقوبات على قوى إقليمية مثل روسيا وتركيا، نشأ فراغ استراتيجي هائل. في هذا الفراغ، لم تنشأ ديمقراطيات ليبرالية، بل وُلد “محور المصلحة” الذي يجمع بين رؤية دونالد ترامب “لأمريكا أولاً” ومشروع محمد بن سلمان “للسعودية أولاً”. هذا ليس تحالفاً قائماً على الديمقراطية أو حقوق الإنسان، بل هو صفقة جيوسياسية واضحة المعالم: تضمن واشنطن أمن المملكة وتدفق الاستثمارات اللازمة لنجاح “رؤية 2030″، وفي المقابل، تضمن الرياض استقرار أسواق النفط، وتستثمر ملياراتها في الاقتصاد الأمريكي، وتقود عملية “نزع فتيل التشدد الديني” الذي طالما غذّى الإرهاب العالمي.
في هذا الإطار، لم يعد الانفتاح الاجتماعي السعودي ومحاربة الفكر المتطرف ترفاً فكرياً، بل ضرورة استراتيجية. فلا يمكن بناء مدن المستقبل مثل “نيوم” وجذب السياحة العالمية في ظل هيمنة خطاب ديني متشدد يطرد الاستثمار ويشكل بيئة حاضنة للإرهاب. لقد أصبحت “البراغماتية” هي العقيدة الجديدة، وأصبح “الإسلام المعتدل” الخاضع للدولة أداتها لضمان الاستقرار الداخلي والقبول الدولي.
هجوم لندن: استهداف للبراغماتية نفسها
جاء الهجوم في بريطانيا ليضرب في قلب هذا المشروع. لم يكن الهدف منشأة نفطية، بل “المواطن السعودي الجديد” الذي يمثل رمز الانفتاح والاندماج العالمي. كانت الرسالة مزدوجة: رسالة إلى الداخل السعودي بأن مشروع الانفتاح لن يوفر لكم الأمان، ورسالة إلى الغرب بأن التحالف مع السعودية الجديدة له تكلفة أمنية باهضة ستُدفع على أراضيكم.
هذا الهجوم يخدم بشكل مباشر أجندة القوى التي تتضرر من هذا التحول: بقايا التنظيمات المتطرفة التي ترى في “نزع التشدد” خيانة وردّة عن الإسلام، وفلول الشبكات الإيرانية التي تسعى للانتقام وزعزعة استقرار خصمها التاريخي. لكن المفارقة أن هذا الهجوم، بدلاً من أن يدفع الرياض للتراجع، فإنه يمنحها المبرر الذهبي لتسريع أجندتها. سيتم توظيفه لتبرير المزيد من التعاون الأمني مع الغرب، وتسريع الإصلاحات الاجتماعية كـ”سلاح” في وجه التطرف، وقمع أي صوت معارض داخلي تحت راية “الحرب على الإرهاب”.
وفي هذا السياق، يجد النموذج التركي القائم على “الإسلام القومي” ودعم حركات الإسلام السياسي نفسه في موقع حرج. فبينما تقدم السعودية نموذج “الإسلام الإداري” الخاضع للدولة كحل للاستقرار، يُنظر إلى النموذج التركي على أنه يوفر الغطاء الأيديولوجي لحركات تسعى لتحدي الأنظمة القائمة، مما يجعله في نظر المحور البراغماتي جزءاً من المشكلة لا الحل.
العقبة غير المتوقعة: كيف يعرقل اليمين المتطرف البراغماتية؟
لكن التحدي الأكبر الذي يواجه محور “ترامب-بن سلمان” قد لا يأتي من كهوف أفغانستان أو من خلايا نائمة في أوروبا، بل من داخل قاعدته السياسية في الغرب. إن صعود اليمين المتطرف في أوروبا وأمريكا يهدد بنسف أسس هذه البراغماتية من جذورها.
يكمن الخطر في أن البراغماتية بطبيعتها تتجاوز الأيديولوجيا، بينما اليمين المتطرف هو كيان أيديولوجي بحت.
-
صراع الحضارات فوق صفقات المصالح: لا يميز الخطاب اليميني المتطرف بين “الإسلام المعتدل” الذي يروج له محمد بن سلمان وبين الفكر الجهادي. فمن منظوره، “الإسلام هو المشكلة” بجميع أشكاله. هجوم مثل الذي وقع في لندن لا يُقرأ لديهم كـ”هجوم على المعتدلين”، بل كدليل إضافي على صحة نظريتهم حول “الغزو الإسلامي” وخطورة وجود المسلمين في الغرب.
-
الضغط السياسي الداخلي: يستغل اليمين المتطرف هذه الحوادث للضغط على الحكومات الغربية لتبني سياسات معادية للمسلمين وللدول الإسلامية بشكل عام. هذا الضغط يمكن أن يترجم إلى رفض صفقات الأسلحة مع السعودية، وفرض عقوبات بذريعة حقوق الإنسان، وإعاقة الاستثمارات المتبادلة. باختصار، يمكنه أن يجعل التعاون مع حليف مسلم، حتى لو كان براغماتياً، أمراً ساماً سياسياً في الداخل.
-
تقويض أساس الصفقة: محور “ترامب-بن سلمان” قائم على فكرة أن “المصالح تتفوق على الهوية”. لكن اليمين المتطرف يقلب هذه المعادلة، ويجعل “الهوية” (الغربية، المسيحية، البيضاء) هي الأولوية القصوى التي يجب أن تتفوق على أي مصلحة اقتصادية أو أمنية. إذا نجح هذا التيار في فرض رؤيته، فإنه سيجعل من المستحيل على أي قائد غربي الحفاظ على تحالف استراتيجي مع قوة إسلامية، مهما كانت درجة “اعتدالها”.