محور البراغماتية في فكيّ كماشة: كيف يقود التقوقع اليميني إلى انتحار استراتيجي؟

في خضم عالم مضطرب يعيد تشكيل نفسه على أنقاض الأنظمة القديمة، يجد “محور البراغماتية” – التحالف غير الرسمي القائم على المصالح بين واشنطن والرياض – نفسه محاصراً في معركة وجودية. هذا المحور، الذي وُلد من رحم الحاجة إلى الاستقرار في عالم ما بعد الفوضى، يخوض حرباً على جبهتين: الأولى ضد فلول الماضي المتمثل في الإرهاب الديني، والثانية ضد تحدٍ وجوديٍ من أيديولوجيا المستقبل المتمثلة في اليمين المتطرف الصاعد في الغرب. إن نجاح هذا المحور لا يعتمد فقط على قدرته على هزيمة الإرهابيين، بل على قدرته على إقناع الرأي العام الغربي بأن التعاون القائم على المصالح هو السبيل الوحيد للاستقرار.

لكن الخطر الأكبر على هذا النظام العالمي الجديد الذي تحاول واشنطن والرياض بناءه ليس قنابل المتطرفين، بل صناديق الاقتراع في الغرب التي قد تأتي بقادة يؤمنون بأن الجدران أهم من الجسور، وأن الهوية أثمن من المصالح. والمفارقة القاتلة هي أن هذا المسار الانعزالي، الذي يروج له اليمين المتطرف تحت شعار “حماية السيادة والمصالح الوطنية”، سيؤدي حتماً إلى تدمير تلك المصالح ذاتها.

التقوقع: الوعد بالحصن الذي يصبح سجناً

يقوم منطق اليمين المتطرف على فكرة بسيطة وجذابة: الانسحاب من تعقيدات العالم، وبناء جدران سياسية واقتصادية، والتركيز على الداخل لحماية الهوية والمصالح الوطنية من التهديدات الخارجية. هذا “التقوقع” (Inward Turn) هو في جوهره انتحار استراتيجي، لأنه يتجاهل حقيقة العالم المترابط الذي نعيش فيه. وعندما يرتد هذا المنطق على نفسه، فإنه يقضي على مصالح أمته من ثلاث نوافذ رئيسية:

1. الانتحار الاقتصادي:
الوعد بعودة “الوظائف الوطنية” عبر فرض الحمائية وقطع سلاسل التوريد العالمية هو وهم خطير. في القرن الحادي والعشرين، لا توجد دولة، مهما بلغت قوتها، يمكنها تحقيق الازدهار بمعزل عن الاقتصاد العالمي. التقوقع يعني التخلي عن الأسواق الخارجية، والتسبب في تضخم كارثي عبر رفع تكلفة السلع المستوردة، وفقدان القدرة التنافسية التكنولوجية التي تتطلب تعاوناً دولياً. إن الشركات الغربية التي تعتمد على أسواق الشرق الأوسط لبيع منتجاتها، والمستهلك الذي يعتمد على استقرار أسواق الطاقة، سيكونون أول ضحايا سياسة العزلة. ببساطة، الحصن الذي يعد به اليمين المتطرف سيتحول إلى مقبرة اقتصادية لشعبه.

2. الفراغ الأمني:
يعتقد اليمين المتطرف أن الانسحاب من التحالفات والتدخلات الخارجية سيجعل بلاده أكثر أمناً. لكن العكس هو الصحيح تماماً. عندما تتخلى قوة عظمى عن دورها، فإنها لا تخلق سلاماً، بل تخلق فراغاً تملؤه قوى أخرى معادية لمصالحها، سواء كانت روسيا، أو الصين، أو القوى الإقليمية الطامحة. إن إدارة أزمات مثل الهجرة غير الشرعية، ومكافحة الشبكات الإرهابية العابرة للحدود، وتأمين إمدادات الطاقة، كلها تتطلب تحالفات وتعاوناً استخباراتياً وثيقاً. الانسحاب من هذه التحالفات، مثل الشراكة البراغماتية مع السعودية، لا يجعل التهديدات تختفي، بل يجعل مواجهتها مستحيلة ويترك الباب مفتوحاً أمام الفوضى لتقترب أكثر من حدود الوطن.

3. مفارقة فقدان السيادة:
الهدف الأسمى لليمين المتطرف هو “استعادة السيادة الوطنية”. لكن في عالم مترابط، لا تأتي السيادة الحقيقية من الانعزال، بل من القدرة على التأثير في القرارات العالمية التي تؤثر حتماً على بلدك. الدولة التي تتقوقع على نفسها تفقد مقعدها على الطاولة التي تُصنع فيها قواعد التجارة العالمية، ومعايير التكنولوجيا، وقوانين الأمن السيبراني. وبدلاً من أن تكون لاعباً مؤثراً، تتحول إلى مجرد متلقٍ سلبي للقرارات التي يتخذها الآخرون. وبهذا، فإن السعي المفرط وراء السيادة المطلقة يؤدي إلى فقدانها الفعلي.

خاتمة: الاختيار بين الواقعية والوهم

في نهاية المطاف، المعركة التي يخوضها “محور البراغماتية” ليست مجرد معركة ضد الإرهاب، بل هي معركة ضد وهم الانعزال الذي يروج له اليمين المتطرف. إنها معركة لإقناع شعوب أنه في عالم لا مفر من تعقيداته، فإن إدارة المخاطر عبر تحالفات المصالح أفضل من تجاهلها وبناء جدران ستنهار حتماً تحت وطأة الواقع.

الخطر الحقيقي لا يكمن في الخارج، بل في الداخل؛ في الاختيار بين قيادة تدرك أن مصالح أمتها مرتبطة باستقرار العالم، وقيادة تبيع لشعبها وهماً جميلاً بالانعزال، لا يقود في النهاية إلا إلى الضعف والفقر وفقدان التأثير. إنها معركة بين الواقعية القاسية والوهم القاتل.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …