الميدان لنا. الصحافة. كما سوق العمل. كبير اي عائلة لن يمسّ شعري مني (اولا) وكل نساء الكون .
يصل الحشد الفكري إلى ذروة خطورته عندما يتقاطع مع البنى الاجتماعية التقليدية والسلطة الذكورية داخل العائلة والمجتمع. هنا، لا يعود العنف مجرد حملة إعلامية خارجية، بل يتحول إلى ضغط داخلي خانق، يتم تفعيله عبر أفراد الأسرة أنفسهم. إن السردية التي يبنيها الحشد (عن كون المرأة الإعلامية “غير متزنة” أو “متمردة” أو “مخالفة للأعراف”) تجد صدىً وترحيباً لدى العقليات الذكورية داخل العائلة التي قد ترى في نجاحها الإعلامي وجرأتها تهديداً لسلطتها أو لـ”سمعة” العائلة.
بهذه الطريقة، يتم استغلال “ذكور العائلة” أو الأفراد الأكثر تشبعاً بالفكر الذكوري ليصبحوا أدوات ضغط داخلية. يمارسون عليها نوعاً من الوصاية، ويطالبونها بالسكوت أو التراجع، ليس بالضرورة قناعةً بمضمون الحملة، بل خوفاً من “الفضيحة” أو حرصاً على استعادة السيطرة. يتحول المنزل، الذي من المفترض أن يكون ملاذاً آمناً، إلى جبهة جديدة في المعركة.
ولكن، يجب الإشارة هنا إلى متغير حاسم: هذه الأدوات التقليدية للضغط الاجتماعي والعائلي بدأت تفقد فعاليتها. فمحاولة جمع كل أفراد العائلة لتشكيل حلقة ضغط تهدف إلى السيطرة على جسد المرأة وحريتها، لم تعد بالضرورة قادرة على الوصول إلى “عتبة زنارها” بعد اليوم. هذا التراجع في سلطة الترهيب ليس محصوراً في الفضاء العائلي، بل يمتد إلى الفضاء العام. فالانتصارات الحقوقية، كتلك التي قادها المحامي نزار صاغية ضد “الفحوص الشرجية” المهينة، لم تكسر أداة قمعية فحسب، بل رسّخت وعياً جديداً بأن الجسد لم يعد ساحة مستباحة للترهيب، حتى من قبل السلطة نفسها.
في هذا السياق، يمكن النظر إلى قوانين حماية الأسرة من العنف الأسري كأداة يمكن أن تلعب دوراً، وإن كان محدوداً. نظرياً، توفر هذه القوانين آليات حماية من العنف النفسي الذي يمارسه أفراد من العائلة بتحريض من حشد خارجي. ومع ذلك، فإن تفعيل هذا القانون في مواجهة “الحشد العائلي” يواجه تحديات هائلة، فالعنف هنا “مُصغّر” ومبرر اجتماعياً؛ فهو لا يُقدَّم كفعل عدواني، بل كـ”نصيحة” أو “حرص”.
إن المقاومة الحقيقية هنا لا تكمن فقط في اللجوء إلى القانون، بل في تفكيك هذه الآلية المزدوجة. يتطلب ذلك وعياً بأن المعركة ليست فقط ضد خصوم سياسيين في الفضاء العام، بل أيضاً ضد امتداداتهم داخل الفضاء الخاص، مع الإدراك بأن أدوات هذا القمع تتآكل. إنها معركة من أجل إعادة تعريف حدود السلطة داخل الأسرة وتأكيد استقلالية المرأة ككيان فكري ومهني لا يخضع لوصاية أحد.
الحشد الفكري كآلية سيطرة وإسقاط
لفهم كيفية وصول هذا العنف إلى الدائرة الخاصة، لا بد من تعريف “الحشد الفكري” نفسه. يُعرّف هذا المفهوم في السياق السياسي بأنه تعبئة منظمة للرأي العام للتأثير على المواقف والسلوكيات. ولكن حين يُوجّه ضد المرأة الإعلامية، فإنه لا ينطلق من التنافس الفكري، بل يستخدم حياتها الشخصية والعائلية كنقاط دخول لتفكيك سمعتها المهنية وإسقاطها.
تتلخص الآلية بأن “كل ما في حياة المرأة يمكن أن يتحول إلى سلاح ضدها”. فالحشد لا يستهدف الموقف السياسي بقدر ما يستهدف الشخص نفسه في كل جوانب حياته. إنه يستخدم الأسرة، العلاقات، الحالة الاجتماعية، والمشاكل الصحية كمادة خام لتصنيع سردية بديلة تشيطن الإعلامية وتقوض مصداقيتها.
آليات الحشد: من التشهير اللفظي إلى التهديد الجسدي
يتحرك هذا الحشد الفكري على عدة مستويات متزامنة ومنظمة:
-
المستوى الإعلامي واللفظي: حيث يقوم الخصوم بتسليط الضوء على تفاصيل شخصية حساسة، محولين الحياة الخاصة إلى مادة عامة. يهدف هذا إلى تحويل حياة المرأة إلى “وقود” لإشعال حريق يلتهم سمعتها المهنية.
-
المستوى الاجتماعي والعائلي: يركز الحشد على التواصل مع الشخصيات المهمة في حياة المرأة بهدف زرع الشك وتدمير علاقاتها، ليتحول كل فرد في دائرتها إلى أداة محتملة في اللعبة.
-
المستوى التهديدي والعنفي: وهو الأخطر، حيث تتعرض الإعلاميات لتهديدات تبدأ بالتحرش اللفظي والجنسي وتنتهي بوعيد صريح بالعنف الجسدي، مما يخلق بيئة عمل غير آمنة على الإطلاق.
الاستهداف النوعي: لماذا المرأة؟
يتميز الحشد الموجه ضد المرأة الإعلامية بخصائص تميزه عن نظيره الموجه ضد الرجل. فبينما يُهاجَم الرجل على آرائه السياسية أو مصداقيته، تتعرض المرأة لهجوم شامل يستهدف أنوثتها وجسدها واستقرارها العاطفي. يصبح التحرش الجنسي، والإهانات المتعلقة بالمظهر، والتشكيك في أخلاقها جزءاً لا يتجزأ من الحملة، وهو ما ينمو في بيئة ثقافية واجتماعية ترى في استهداف النساء أمراً مشروعاً.
الخصوم والقوى المحركة للحشد
إن هذا الحشد ليس عشوائياً، بل تقف خلفه أطراف لها مصالح مباشرة في إسقاط المرأة الإعلامية. قد يكون “الزميل الطموح” الذي يرى في نجاحها تهديداً له، أو مؤسسات إعلامية تخشى “الضجة” التي تثار حولها فتقوم بإقصائها، أو جهات سياسية وأيديولوجية تستخدم اتهامات الخيانة والعمالة لتخوين أي صوت نسائي معارض وتحويله إلى “عدو”.
استراتيجيات الصمود والمقاومة
في مواجهة هذا النظام متعدد الطبقات، تصبح المقاومة ضرورة للبقاء. وتتطلب استراتيجيات واضحة تتجاوز مجرد الدفاع:
-
الاستخدام الجريء للقانون: فالمعركة ليست فكرية فقط، بل قانونية أيضاً. قوانين تجريم العنف والتشهير هي أدوات يجب تفعيلها بجرأة.
-
التطوير المهني المستمر: الاستثمار في المهارات وبناء شبكات دعم مهنية يوفر حصانة ضد محاولات التشكيك في الكفاءة.
-
التضامن الحقيقي: بناء شبكات دعم حقيقية مع نساء أخريات ورجال موثوقين هو السلاح الأقوى ضد محاولات العزل والتفكيك النفسي.
-
الفصل الواعي بين الخاص والعام: مع إدراك أن هذا الفصل شبه مستحيل، إلا أن محاولة تحصين الحياة الشخصية قدر الإمكان يقلل من الأسلحة المتاحة للخصم.