“الإخبارات الحزبية” في لبنان: فخ سياسي يلاحق الصحافيين ويضع استقلالية القضاء على المحك

عاد مصطلح “الإخبارات الحزبية” ليتصدر واجهة النقاش القانوني والسياسي في لبنان، مثيراً مخاوف واسعة لدى الأوساط الحقوقية والإعلامية من تحوله إلى أداة لتصفية الحسابات السياسية. ويأتي تسليط الضوء على هذا الملف الشائك بالتزامن مع الملاحقات التي يتعرض لها الصحافي والناشط رامي نعيم، والتي أعادت طرح إشكاليات كبرى حول نزاهة الإجراءات المتبعة ومدى قدرة القضاء على الصمود أمام الضغوط السياسية.

غياب الأساس القانوني
يشير خبراء قانونيون إلى أن “الإخبارات الحزبية” – أو ما يُعرف أمنياً بـ”الإخبارات الموثوقة” – هي بلاغات تقدمها جهات حزبية أو موالية لها إلى السلطات، لكنها غالباً ما تكون خالية من الأدلة المادية أو التحقيقات الجدية.
وفي سابقة قضائية تؤكد هشاشة هذا النوع من الإخبارات، استند قانونيون إلى قرارات صادرة عن الهيئة الاتهامية في جبل لبنان، والتي قضت بأن “كتب المعلومات والوثائق الأمنية الاستخباراتية غير معلومة المصدر لا يُعتد بها كدليل صحيح ومشروع للمحاكمة ما لم تكن مدعومة بأدلة مادية قوية”.

القاضي في عين العاصفة: امتحان الاستقلالية
أخطر ما في ظاهرة “الإخبارات الحزبية” ليس فقط استهدافها للمعارضين، بل في كونها تضع القاضي اللبناني في أشرس امتحان لاستقلاليته ونزاهته. فوصول ملف مفبرك أو “إخبار” مدعوم من جهة سياسية نافذة إلى مكتب القاضي، يضعه أمام خيارين لا ثالث لهما، يكشفان عن جوهر ولائه:

  1. الخيار القانوني (انتصار العدالة): أن يمحّص القاضي الإخبار وفقاً للأصول القانونية الصارمة، فيرفضه لعدم كفاية الأدلة أو لغياب المشروعية، متمسكاً بقرارات الهيئة الاتهامية ومبدأ “البينة على من ادعى”. هذا الخيار يثبت استقلالية القاضي ولكنه يضعه في مواجهة مباشرة مع النفوذ السياسي للحزب المُخبِر.

  2. الخيار السياسي (الرضوخ للضغط): أن يقبل القاضي الإخبار كما هو، ويتخذ إجراءات توقيف أو ملاحقة استناداً إلى “معلومات أمنية” غير موثقة. هنا، يسقط القاضي في فخ التبعية، ويتحول من “حامي العدالة” إلى “أداة تنفيذية” بيد السلطة السياسية، مما يشرعن استخدام القضاء كمنصة لتصفية الحسابات.

    الإخبارات العادية الإخبارات الحزبية
    مصدرها محايد وموثوق مصدرها حزبي ومنحاز
    تهدف إلى تحقيق العدالة تهدف إلى تحقيق أغراض سياسية
    مستندة على أدلة قضائية مستندة على تحريضات سياسية
    توجه ضد الأشخاص الذين ارتكبوا جرائم فعلية توجه ضد المعارضين السياسيين

ويرى مراقبون أن قبول القضاء لهذه الإخبارات دون تدقيق يضرب هيبة السلطة القضائية في الصميم، ويجعلها شريكة -عن قصد أو غير قصد- في لعبة القمع السياسي.

أداة للقمع.. لا للعدالة
تتميز هذه الإخبارات بخصائص تجعلها فاقدة للمصداقية، أبرزها “الانحياز الفج” ضد الخصوم السياسيين، و”الهدف السياسي” الرامي لإسكات الأصوات المعارضة بدلاً من كشف الجرائم، فضلاً عن “انعدام الشفافية” حيث تبقى المصادر مجهولة بما يمنع المحاسبة.

قضية رامي نعيم أنموذجاً
في هذا السياق، اعتبرت منظمات إعلامية وحقوقية أن قضية الصحافي رامي نعيم تمثل تطبيقاً عملياً لهذا “الامتحان القضائي”. وتشير التقارير إلى أن الملاحقات ضده لم تستند إلى جرائم جنائية فعلية، بل جاءت نتيجة إخبارات مدفوعة من جهات حزبية متضررة من آرائه في “نداء الوطن”.
ويتساءل حقوقيون: هل سيتصرف القضاء في هذه القضية وفقاً للنصوص القانونية المجردة التي ترفض الإخبارات العشوائية، أم سيخضع لسطوة “الإخبار الحزبي”؟


مع استمرار الاعتماد على هذه الأساليب، يواجه لبنان تحدياً وجودياً يتعلق بما تبقى من دولة القانون. فبين “إخبار عادي” يهدف للمصلحة العامة، و”إخبار حزبي” يهدف للانتقام، يقف القاضي حكماً؛ فإما أن يحمي ميزان العدالة بالأدلة، أو يميل كفته لصالح النفوذ السياسي.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

تتويجاً لمسيرة الشفافية: «غربال» تطلق أضخم أرشيف رقمي للجريدة الرسمية اللبنانية كحجر زاوية في صرح المساءلة الوطنية

في لحظة فارقة تزامنت مع الاحتفاء باليوم العالمي للحق في الوصول إلى المعلومات، دشّنت مبادرة …