“مغسلة المقاومة” تحت مجهر الخزانة الأميركية: من فساد بغداد إلى مخبأ “الطبطبائي”.. سقوط منظومة تبييض الأموال

إنتهى عصر “الغسالات” مع حمالة صدر “مشطشط”… وان كان! لا تعرضه على الشاشة. وهو عصر جدل الاسئلة والتاويل وفق منظور الاقتصاد العالمي. مهم. نجوم ستسقط. كما بدءت ستنتهي. حتى النيو تي في لن تستقبلها!

لم يعد اغتيال القيادي العسكري في حزب الله، هيثم علي الطبطبائي، في 23 نوفمبر 2025 بقلب حارة حريك، مجرد حدث ميداني في سجل الصراع مع إسرائيل. فمن وجهة نظر واشنطن، وتحديداً من زاوية مكاتب مكافحة الجرائم المالية في وزارة الخزانة الأميركية، تمثل هذه العملية استهدافاً لـ “المستفيد النهائي” (Ultimate Beneficial Owner) من أكبر شبكة إقليمية لتبييض الأموال وتمويل الإرهاب.
تجمع هذه الشبكة بين “الفساد السياسي” في العراق، و”اقتصاد الكاش” في لبنان، و”الواجهات المدنية” في الضاحية، لتشكل ما يُصنف أميركياً بـ “منظمة إجرامية عابرة للحدود” (Transnational Criminal Organization).

فيما يلي تفكيك لهذه المنظومة وفق المراحل الثلاث الكلاسيكية لجريمة تبييض الأموال (الإيداع، التمويه، الدمج) كما تراها الولايات المتحدة:

1. السياق السياسي: “الموقف” كغطاء لتدفقات غير مشروعة

في العقيدة المالية الأميركية، لا تُفصل المواقف السياسية المتشددة لحزب الله تجاه إسرائيل عن فاتورتها المالية. يُنظر إلى الخطاب السياسي “المقاوم” كواجهة تبريرية لحشد موارد مالية ضخمة خارج القنوات الرسمية.

  • التقييم الأميركي: الموقف السياسي ليس مجرد أيديولوجيا، بل هو “محرك مالي” (Financial Driver). الالتزام العقائدي بالتسلح يتطلب ميزانية سنوية (تقدر بمليار دولار من إيران و300 مليون دولار من العراق). وبما أن هذه الأموال لا يمكن أن تمر عبر النظام المصرفي العالمي SWIFT بسبب العقوبات، فإن الموقف السياسي يصبح الغطاء الشرعي لإنشاء “قنوات خلفية” (Back-channels) تعتمد على التهريب وغسيل الأموال.

2. المرحلة الأولى: “الإيداع” (Placement) – المصدر العراقي

تبدأ الجريمة المالية، وفق التصنيف الأميركي، من العراق. هنا يتم تحويل عائدات الفساد والسرقة إلى سيولة نقدية قابلة للنقل.

  • الآلية: تستغل شبكات مرتبطة بفصائل مسلحة ونافذين في بغداد بيئة الفساد (العراق ضمن أسوأ دول العالم في مكافحة غسل الأموال) لجمع “الأموال القذرة” (Dirty Money).

  • الدليل الجرمي: المعلومات عن طلب إيران تسهيلات “غير عادية” عبر منفذ القائم، وما كشفه هشام الهاشمي عن 300 مليون دولار سنوياً، يُصنف أميركياً كـ “تهريب النقد السائب” (Bulk Cash Smuggling). النظام العراقي هنا، بقصد أو بإهمال، يلعب دور “المودِع” الذي يدخل الأموال غير المشروعة إلى النظام المالي الإقليمي عبر الحدود البرية أو رحلات الطيران، متجاوزاً إجراءات الإفصاح المالي.

3. المرحلة الثانية: “التمويه” (Layering) – الغسالة اللبنانية

بوصول الأموال إلى لبنان، تدخل في أعقد مراحل التبييض: “التمويه”. الهدف هنا هو قطع الصلة بين المال ومصدره الفاسد في العراق.

  • البيئة الحاضنة: يستفيد الحزب من “اقتصاد الكاش” اللبناني (15 مليار دولار خارج البنوك) والانهيار المالي، مما يعطل معايير “اعرف عميلك” (KYC).

  • أدوات الجريمة: شركات تحويل الأموال والصرافة (Money Service Businesses – MSBs) التي زار وفد الخزانة الأميركية بيروت في نوفمبر 2025 حاملاً ملفاتها، تقوم بدمج المال العراقي مع تحويلات المغتربين والنشاط التجاري. من المنظور الأميركي، هذه الشركات متواطئة في “كسر المسار التدقيقي” (Audit Trail)، مما جعل لبنان يستحق التصنيف على “القائمة الرمادية” لمجموعة العمل المالي (FATF).

4. المرحلة الثالثة: “الدمج” (Integration) – مراكز الأبحاث كواجهات

هذه هي النقطة الأخطر التي كشفها موقع اغتيال الطبطبائي. قُتل الرجل قرب “مركز أبحاث” (كالمركز الاستشاري للدراسات) مسجل رسمياً ويديره أكاديميون لبنانيون.

  • التكييف القانوني الأميركي: تندرج هذه المؤسسات تحت بند “إساءة استخدام المنظمات غير الهادفة للربح” (Misuse of NPOs). تُستخدم هذه الكيانات ذات الصبغة المدنية والفكرية لإضفاء الشرعية النهائية على الأموال.

  • الخدعة: تدخل الأموال “المغسولة” إلى هذه المراكز على شكل “تبرعات”، “تمويل أبحاث”، أو “مشاريع تنموية”، لكنها في الحقيقة تذهب لتمويل البنية التحتية العسكرية. وجود الطبطبائي في هذا المحيط يؤكد للولايات المتحدة أن هذه المراكز هي “شركات وهمية” (Shell Companies) وظيفتها دمج “مال الفساد العراقي” في “اقتصاد الحرب” بشكل يبدو قانونياً تماماً.

5. الهدف: الطبطبائي.. “المدير التنفيذي” للتمويل والتسلح

من زاوية الخزانة الأميركية، هيثم الطبطبائي ليس مجرد هدف عسكري، بل هو “شخص سياسي مكشوف” (PEP) يدير مخرجات عملية التبييض.

  • دوره: هو الحلقة التي يتحول فيها “الدولار المغسول” إلى “طائرة مسيرة” أو “صاروخ”. بصفته قائد عملية إعادة التسلح، كان الطبطبائي يشرف على صرف الأموال التي تم “إيداعها” في العراق و”تمويهها” في صرافي بيروت و”دمجها” في مراكز الضاحية، لشراء قطع المسيرات التكنولوجية (Dual-use goods) وتمويل عمليات وحدة الرضوان.

الخلاصة الاستراتيجية

تتقاطع الرؤية الأميركية (المالية) مع الضربة الإسرائيلية (العسكرية) في نقطة جوهرية: تفكيك الشبكة.
ما حدث ليس مجرد عملية اغتيال، بل هو إثبات مادي لصحافة الاتهامات الأميركية. لقد أظهر مقتل الطبطبائي قرب “مركز أبحاث” ممول بقنوات خارجية أن حزب الله يدير “دورة اقتصادية كاملة” (Full Economic Cycle) تعتمد على الجريمة المالية.
وبالتالي، فإن الرسالة المزدوجة (الأميركية-الإسرائيلية) للنظامين العراقي واللبناني واضحة: أي تهاون مع “ممرات المال” أو “الواجهات المؤسساتية” سيتم التعامل معه ليس كعمل سياسي، بل كشراكة في “تمويل الإرهاب”، مما يعرض المؤسسات (المصارف، شركات التحويل، المراكز البحثية) للاستهداف، سواء بالعقوبات الاقتصادية القاتلة أو بالصواريخ الموجهة

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

من المخدرات إلى الأصول الرقمية: النيابة العامة التمييزية تعيد هندسة الأمن المالي اللبناني

لم تعد معركة مكافحة تبييض الأموال في لبنان مجرد ملاحقات قضائية تقليدية، بل تحولت إلى …