لم يعد بالإمكان قراءة المواقف السياسية المتشددة التي يطلقها “محور الممانعة” في لبنان بمعزل عن منظومة التسلح والمال التي تقف خلفها. فكلما ارتفعت نبرة التحدي السياسي، كان ذلك مؤشراً دقيقاً على تدفق شريان مالي جديد، أو وصول شحنة تكنولوجية متطورة. اليوم، ومع اغتيال القيادي العسكري الأبرز “هيثم علي الطبطبائي” في قلب الضاحية الجنوبية، تكشفت للعيان الهندسة المعقدة التي يديرها حزب الله: “غسالة” أموال عراقية، واقتصاد كاش لبناني موازٍ، وغطاء “بحثي” مؤسساتي، انتهى بضربة إسرائيلية دقيقة فككت هذا الترابط.
العراق: “الرئة المالية” والأنبوب المفتوح
تثبت الوقائع أن النظام المالي الموازي الذي أنشأته قوى نفوذ في العراق لم يكن مجرد فساد محلي، بل كان جزءاً من “المجهود الحربي” في لبنان. فكما بيض النظام العراقي (عبر فصائل ومسؤولين نافذين) أموالاً طائلة من عوائد الفساد، تم تحويل هذه الأموال عبر قنوات “القائم – دمشق – الضاحية” لتستقر في قلب بيروت.
تشير التقديرات إلى ضخ ما يقارب 300 مليون دولار سنوياً من بغداد، مستفيدين من بيئة العراق المصنف ضمن أسوأ دول العالم في غسيل الأموال. هذه الأموال، التي يتفاخر بعض الوسطاء بتقديم “خدمات تمويلية” لنقلها، تدخل لبنان عبر شركات صرافة وتحويل أموال، وتستفيد من “اقتصاد الكاش” اللبناني الهائل (15 مليار دولار خارج البنوك)، مما يجعل تتبعها عبر النظام المصرفي العالمي ضرباً من المستحيل. هنا، يتحول الفساد العراقي مباشرة إلى صواريخ ومسيرات في يد “الطبطبائي”.
“مراكز الأبحاث”: الوجه القانوني للعمل السري
لعل أخطر ما كشفته حادثة اغتيال الطبطبائي هو التوظيف العسكري لـ “المؤسسات المدنية”. فالرجل لم يُقتل في خندق، بل قرب “مركز أبحاث” في حارة حريك. هذا المركز، ومثله كثر، مسجل في الدولة اللبنانية، ويديره أكاديميون لبنانيون، ويحمل صفة “مؤسسة فكرية”.
لكن التحليل الاستخباري، الذي ترجمته إسرائيل بصواريخ موجهة، يؤكد أن هذه المراكز تلعب دور “السنترال”:
-
غطاء مالي: استقبال الأموال العراقية والإيرانية تحت بند “تبرعات بحثية” أو “مشاريع تنموية” لإضفاء الشرعية عليها.
-
غطاء عملياتي: استخدام الحصانة المعنوية لهذه المراكز (باعتبارها أماكن مدنية) لعقد اجتماعات إعادة التسلح والتخطيط العسكري، ظناً أنها بعيدة عن بنك الأهداف.
إن وجود الطبطبائي -مهندس إعادة بناء القوة العسكرية- في هذا الموقع يثبت أن “المؤسسة الفكرية” كانت مجرد واجهة لغرفة عمليات متقدمة.
الموقف الإسرائيلي: السياسة مؤشر على السلاح
تقرأ إسرائيل المواقف السياسية لحزب الله كمؤشرات عسكرية. عندما يعلن الحزب “موقفاً سياسياً” بالصمود أو إعادة البناء، تترجم إسرائيل ذلك فوراً إلى بحث عن “الأنبوب المالي” الذي يمول هذا الموقف.
الضربة الأخيرة لم تكن مجرد استهداف لشخص، بل كانت رسالة بأن تل أبيب كشفت “الدورة الكاملة”:
-
رصدت المال الخارج من العراق.
-
تابعت دخوله عبر القنوات اللبنانية (شركات التحويل التي زار وفد الخزانة الأمريكية بيروت لأجلها).
-
وحددت نقطة استقراره في المؤسسات “البحثية” التي يتحصن بها القادة العسكريون.