“الأنومي” واغتيال الكفاءة: كيف تبتلع المصالح الدولية بقايا الكرامة الاقتصادية؟

في قلب الأزمات الهيكلية التي تضرب المجتمعات المعاصرة، تبرز حالة “الأنومي” (Anomie) ليس فقط كمصطلح سوسيولوجي، بل كجريمة منظمة ضد القدرات البشرية. إن حالة “اللانعيارية” التي وصفها إميل دوركايم، حين تتقاطع مع تجاهل سيكولوجية العلاقات الإنسانية التي نادى بها إلتون مايو، تخلق بيئة طاردة للكفاءات، معززة للعزلة الاجتماعية، وممهدة الطريق أمام تغول المصالح الدولية التي لا تكتفي بابتلاع الأسواق، بل تبتلع السيادة والكرامة المهنية أيضاً.

“الأنومي”: حين يغتال الفراغ المعياري طموح الإنسان

يرى إميل دوركايم أن الأنومي تنشأ حين تنهار القواعد التي تضبط التوقعات الاجتماعية، مما يخلق فجوة بين ما يبذله الفرد من جهد وبين ما يحصده من اعتراف أو ثمن. في بيئة العمل المأزومة، يجد الفرد نفسه في حالة من التيه المعياري؛ فالتفوق الدراسي والمهارة التقنية لم تعد هي العملة الرابحة في ظل سيادة “الواسطة” والمحسوبية.

هذا الانهيار في “المعيارية” يدفع الفرد نحو عزلة اجتماعية قهرية. فحين يشعر الموظف أو الخريج أن النظام الاقتصادي لا يراه ولا يقدر قيمته الإنسانية، فإنه ينكفئ على ذاته، وتتحول رغبته في “الاندماج المهني” إلى رغبة في “الهروب والانسحاب”. هذا الاغتراب يقتل روح المبادرة ويجمد استثمار القدرات، محولاً المجتمع إلى جزيئات معزولة يسهل إخضاعها وتفتيتها.

سيكولوجية التهميش: دروس “إلتون مايو” المهملة

على الجانب الآخر، تأتي مدرسة العلاقات الإنسانية لـ إلتون مايو لتؤكد أن الإنتاجية ليست مجرد معادلة مادية، بل هي نتاج “الروح المعنوية” وشعور الفرد بالانتماء لمجموعة تحترمه. إلا أن النماذج الاقتصادية المشوهة تصر على معاملة الإنسان كـ “ترس” رخيص في آلة لا ترحم.

في هذه البيئات، يُصدم الفرد بواقع مرير: رواتب مهينة لا تغطي أبسط الاحتياجات، وغياب تام للتقدير المعنوي. هذا النمط لا يقلص فقط استثمار القدرات البشرية، بل يضع حداً فاصلاً وجداراً عازلاً بين الفرد وبين “المجموعة الاقتصادية” التي ينتمي إليها. الفرد هنا يفقد بوصلته، ويتحول عمله من “رسالة” إلى “سخرة”، مما يؤدي إلى “هدر الرأسمال البشري” الذي هو أثمن ما تملكه الأمة.

الابتلاع الدولي وسقوط دروع الحماية

إن تعزيز الأنومي والعزلة لا يضر الأفراد فحسب، بل يترك الشركات المحلية والمجموعات الاقتصادية الوطنية بلا حماية. فالمؤسسة التي لا تحترم كفاءاتها ولا تبني ولاءً حقيقياً مع كوادرها، تصبح كياناً هشاً بلا جذور.

وهنا تظهر القوى والمصالح الدولية الكبرى، التي تترقب هذه الهشاشة لتمارس عملية “ابتلاع شرعي” لكل ما هو محلي. هذه المصالح العابرة للقارات لا تهتم ببيئات العمل الإنسانية؛ بل تضع يدها على مفاصل القرار، وتبتلع حتى “الشركات الاستشارية” التي كان من المفترض أن تكون العقل المدبر لحماية السوق المحلي. هذه الشركات الاستشارية، حين تخون دورها وتتحول إلى مروّج لسياسات التقشف واللانعيارية، تكتشف في النهاية أنها قد سلمت مفاتيح الدار لمن لا يرحم.

مأساة “المطبلين” وضياع السيادة

إن أخطر ما في هذا النموذج هو فئة “المطبلين”؛ أولئك الذين يروجون لنماذج العمل المشوهة ويبررون تهميش الكفاءات الوطنية بحجة “العولمة” أو “متطلبات السوق الدولية”. هؤلاء يظنون أنهم بممالأتهم للمصالح الدولية يحمون مواقعهم، لكن الواقع التاريخي والسوسيولوجي يؤكد أن هذه القوى الدولية، بمجرد تمكنها، تضع رجلها على رؤوس من مهدوا لها الطريق.

إن غياب “المعيارية العادلة” يحول الشركات الاستشارية والمجموعات الاقتصادية إلى مجرد “واجهات” خاوية، تُستخدم لتمرير مصالح تنهب الموارد وتجفف الطاقات البشرية، ثم تُلقى في سلة المهملات بعد انتهاء صلاحيتها.

الخاتمة: نحو استعادة “المعيار” وحماية الإنسان

إن علاج هذه الحالة يتطلب أكثر من مجرد إصلاحات تقنية؛ إنه يتطلب ثورة في “القيم التنظيمية”.

  1. وفق دوركايم: يجب إعادة بناء “العدالة المعيارية”، بحيث يعود الكفاءة والاستحقاق هما المعيار الوحيد للنجاح، مما ينهي حالة الأنومي ويعيد دمج الفرد في نسيج المجتمع.

  2. وفق مايو: يجب تحويل بيئات العمل من “ثكنات إنتاجية باردة” إلى “مجتمعات إنسانية” تعترف بكرامة الفرد وتستثمر في طاقته النفسية قبل التقنية.

إن لم تتحرك المؤسسات المحلية والمجموعات الاقتصادية لحماية أفرادها من فخ الأنومي والعزلة، فإنها لا تقضي على مستقبل شبابها فحسب، بل تهيئ مسرحاً كاملاً لابتلاعها من قبل قوى دولية لا ترى في الإنسان سوى رقم، ولا في الأوطان سوى ساحات للاستحواذ. إن حماية الفرد هي الخط الأول لحماية السيادة الاقتصادية، وأي تغافل عن ذلك هو تمهيد لسقوط الجميع تحت أقدام المصالح الكبرى.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

من المخدرات إلى الأصول الرقمية: النيابة العامة التمييزية تعيد هندسة الأمن المالي اللبناني

لم تعد معركة مكافحة تبييض الأموال في لبنان مجرد ملاحقات قضائية تقليدية، بل تحولت إلى …