كما قالت اصالة: بن سلمان داعس راس الظلم
في ظل التحولات الاقتصادية الكبرى، تبرز ظاهرة خطيرة تتجاوز الفشل الإداري لتصل إلى مرحلة “التعفن المؤسسي”. إنها عملية منهجية لصناعة “الأنومي” (Anomie)، حيث تُهدم المعايير الأخلاقية، وتُستبدل الكفاءة بالولاء الجرمي، مما يحول الشركات إلى كيانات “هجينة” تجمع بين النشاط التجاري والسلوك المافيوِي. هذا المسار لا يقتل طموح الأفراد فحسب، بل يضع الاقتصاد الوطني برمته في صدام انتحاري مع المنظومة المالية العالمية، ممهداً الطريق لطحن المجموعات المحلية تحت أقدام المصالح الكبرى.
أولاً: سوسيولوجيا التفكك.. الأنومي كأداة للسيطرة
وفقاً لمنظور إميل دوركايم، تنشأ الأنومي عندما يفقد المجتمع (أو المؤسسة) القدرة على ضبط التوقعات وتنظيم العلاقات بين الجهد والمكافأة. حين تتبنى منظومة عمل ما سياسات استغلالية (مثل عرض أجور مهينة لا تفي بأدنى متطلبات الحياة)، فهي لا تمارس “تقشفاً”، بل تمارس “اغتيالاً معيارياً”.
هذا المناخ يدفع الفرد نحو عزلة اجتماعية حادة؛ حيث يشعر الموظف أن الدولة والمؤسسة والقانون قد تخلوا عنه. في هذه اللحظة، يتوقف الفرد عن كونه “مواطناً منتجاً” ليصبح “عنصراً محبطاً” يبحث عن الانتماء لأي قوة توفر له الحماية أو الانتقام، وهنا تبرز القوى الموازية والخارجة عن القانون كبديل للمنظومة الشرعية.
ثانياً: المنظمة المارقة ونشوء “المجموعات الضارة”
في البيئات التي يسودها الظلم المعياري، تتحول “الجماعات غير الرسمية” التي وصفها إلتون مايو من أدوات دعم اجتماعي إلى خلايا سرطانية:
-
عسكرة بيئة العمل: عندما تدرك القيادات أن سياساتها تفتقر للشرعية الأخلاقية، فإنها تلجأ إلى “القوة الغاشمة” لحماية مكتسباتها. إن الاستعانة بـ مساجين سابقين، وتجار أسلحة، وشبكات خارجة عن القانون لإدارة الأمن أو لترهيب الموظفين، يحول الشركة إلى “ميليشيا اقتصادية”. هذه المجموعات الضارة تمارس “التنمر الإرهابي” لإسكات الكفاءات وتطبيخ القرارات المشبوهة.
-
تحالف الفساد والجريمة: تصبح المؤسسة “وكرًا موبوءًا” يُستخدم كغطاء لعمليات الجريمة المنظمة، من غسل أموال وتهريب، مستغلةً حاجة الموظفين المهمشين لتجنيدهم كأدوات تنفيذية في شبكات إجرامية عابرة للحدود.
ثالثاً: الصدام مع المنظومة العالمية (FATF والبنك الدولي)
هذه الكيانات التي تحمي نفسها بالمجرمين وتجار السلاح تصبح “ثقباً أسود” يهدد الأمن الاقتصادي الكلي:
-
التهديد الوجودي للاقتصاد الوطني: المنظومة المالية العالمية (البنك الدولي، صندوق النقد، والمعايير المصرفية) لا تتسامح مع الكيانات التي تخلط بين المال والتجارة الإجرامية. إن وجود شركات “مارقة” محمية بشبكات غير قانونية يضع الدولة فوراً تحت مجهر مجموعة العمل المالي (FATF). النتيجة الحتمية هي “القوائم السوداء”، وعزل المصارف الوطنية، وشل الحركة الاقتصادية للبلاد.
-
طحن المجموعات الاقتصادية المحلية: عندما يمس الأمر الأمن الاقتصادي العالمي، تمارس المصالح الدولية الكبرى عملية “تطهير جراحي” تتسم بالعنف. يتم “طحن” المجموعات الاقتصادية المحلية التي انخرطت في الأنومي أو استعانت بالجريمة، ليس حباً في الأخلاق، بل لإزاحة منافسين غير منضبطين والاستحواذ على أصولهم “باسم القانون الدولي”.
-
مصير “المطبلين” والوسطاء: هؤلاء الذين شرعنوا وجود هذه الكيانات ووضعوا أقدامهم على رؤوس الكفاءات الوطنية، يجدون أنفسهم في النهاية “أكباش فداء”. المصالح الدولية الكبرى، بعد أن تبتلع السيادة الاقتصادية، تضع رجلها حرفياً على رؤوس هؤلاء الوسطاء، وتتخلص منهم كنفايات تاريخية لم تعد صالحة للاستخدام في النظام المالي “المطهر” الجديد.
رابعاً: الاضطرابات السلوكية وموت التعاطف السيادي
تؤدي هذه البيئات الميليشياوية إلى تشوهات سيكولوجية مرعبة تضرب النسيج الاجتماعي:
-
التبلد الأخلاقي المكتسب: القيادات التي تحيط نفسها بتجار السلاح والمجرمين تفقد القدرة على التعاطف الإنساني. يصبح “سحق الفرد” وتجويعه استراتيجية “ذكية”، وتتحول السادية الإدارية إلى قيمة مؤسسية.
-
الاضطرابات السلوكية الجماعية: يعيش الأفراد في هذه البيئة حالة من “الرعب المزمن”، مما يؤدي إلى تفشي الاكتئاب المهني، وفقدان النزاهة، وتطبيع السلوك الإجرامي كآلية للدفاع عن النفس، مما يخرج جيلاً من الأفراد المضطربين سلوكياً الذين يفتقرون لأي حس بالانتماء أو التعاطف.
خامساً: تدخل علم نفس المصانع (المنهج التطهيري الجذري)
إن دور علم نفس المصانع في هذه الكارثة يجب أن يتجاوز تحسين الإنتاج إلى “المقاومة التنظيمية”:
-
التطهير الهيكلي: استئصال الأذرع الإجرامية والمجموعات الضارة فوراً، وإعادة بناء المؤسسة على قواعد “الامتثال الأخلاقي والقانوني” الصارم.
-
إعادة بناء “العدالة التوزيعية”: لا يمكن محاربة الأنومي دون حد أدنى للأجور يضمن الكرامة، ونظام حوافز يعيد الاعتبار للكفاءة المسلوبة.
-
التحصين ضد التغلغل الدولي: إن الالتزام بمعايير الشفافية العالمية (Anti-Money Laundering) ليس مجرد ترف، بل هو خط الدفاع الأول لمنع القوى الكبرى من استخدام “ذريعة التطهير” لابتلاع الاقتصاد الوطني.