نظام “السخرة المقونن”

تتجاوز خطة “الانتظام المالي” في لبنان حدود الإصلاح النقدي لتتحول إلى “عقد اجتماعي قسري” يعيد صياغة الهيكل الطبقي للبلاد. فبينما تضج القاعات التشريعية بالحديث عن “استرداد الحقوق”، تكشف الممارسات المالية عن هندسة عميقة تهدف إلى تثبيت نموذج اقتصادي يقوم على “تفقير المنتج” و”حماية الريعي”.

جذور التمويل: إعادة تدوير الفقر

إن الأموال المخصصة لاسترداد الودائع (خاصة تلك التي تقل عن 100 ألف دولار) لا تأتي من فائض في الميزان التجاري أو اكتشافات نفطية، بل من عملية “إعادة تدوير” للأموال المتبقية في جيوب الناس. فالدولة التي تعتمد في موازنة 2026 على الضرائب غير المباشرة لتأمين 82% من إيراداتها، تقوم عملياً بسحب السيولة من المستهلك الفقير عبر ضريبة القيمة المضافة (VAT) والرسوم الجمركية “المدولرة”، لتعيد ضخها كـ “دفعات ودائع” مجزأة، مما يجعل المودع يمول استعادة مدخراته من قوته اليومي.​

التهميش الممنهج: الإنسان كسلعة رخيصة

يؤدي هذا الضغط الضريبي، المتزامن مع تآكل القيمة الشرائية، إلى دفع المجتمع نحو حالة من “البروليتاريا الرثة”؛ حيث يتحول المواطن الذي كان ينتمي للطبقة الوسطى إلى عامل مياوم يبحث عن سد الرمق.​

  • تحطيم القوة التفاوضية: من خلال تجريد الناس من مدخراتهم وفرض رسوم معيشية باهظة، تُجبر القوى العاملة على القبول بأجور هي الأدنى في المنطقة، مما يحول لبنان إلى “خزان للعمالة الرخيصة”.​

  • غياب الحاضنة الإنتاجية: الخطورة تكمن في أن هذا التحول لا يخدم نهضة صناعية؛ فالقطاع الصناعي اللبناني يعاني من “موت سريري” نتيجة غياب الاستثمارات التي فضل أصحابها الهروب إلى الخارج أو الاستفادة من الإعفاءات الضريبية (المادة 15 من موازنة 2026) بدلاً من بناء معامل.

رفاهية الأغنياء: المنطقة الضريبية العازلة

بينما يُطالب الفقير بدفع “رسم استقرار” على كل سلعة يشتريها، تظل ثروات الأغنياء وسلوكهم الاستهلاكي الترفيهي محميَّين بـ “منطقة عازلة” ضريبياً:

  • إعفاءات المليارات: موازنة 2026 لم تكتفِ بخفض الضريبة على أرباح الشركات، بل منحت إعفاءات لشركات “الأوفشور” والقابضة، وهي الأدوات المفضلة لكبار المتمولين للتهرب من المساهمة في النهوض الوطني.

  • سلع الرفاهية المستثناة: في وقت تُرفع فيه الرسوم على المحروقات والتبغ والاتصالات، لا تزال السلع الاستفزازية (مثل السيارات الفارهة، المجوهرات، والخدمات السياحية الحصرية) تخضع لضرائب رمزية لا تعكس حجم الثروة المستهلكة، مما يعزز شعور “اللانتماء” الوطني لدى الفئات المسحوقة.

  نظام “السخرة المقونن”

يتجه لبنان بخطى ثابتة نحو نموذج “الإقطاع المالي الحديث”، حيث تملك قلة قليلة الأصول والرفاهية والإعفاءات، بينما تُحول الكثرة إلى “تروس” في ماكينة جباية لا تتوقف. إن خطة الانتظام المالي بصيغتها الحالية ليست سوى “صك براءة” للنظام المصرفي والسياسي، ممول بدموع وعرق المهمشين الذين سُلبوا ودائعهم بالأمس، ويُسلبون كرامة عملهم اليوم، تحت شعار “الإصلاح”.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

من المخدرات إلى الأصول الرقمية: النيابة العامة التمييزية تعيد هندسة الأمن المالي اللبناني

لم تعد معركة مكافحة تبييض الأموال في لبنان مجرد ملاحقات قضائية تقليدية، بل تحولت إلى …