الحل المؤسسي: “غرفة السيادة” ونموذج “الضبط الموضوعي”

 

 لبنان لا يعاني من “فشل” عفوي، بل من حالة “دولة مُفرّغة” (Hollowed-out State) ناتجة عن “سيادة هجينة” (Hybrid Sovereignty) (Srivastava, 2022). في هذا النموذج، تظل هياكل الدولة (برلمان، وزارات، جيش) قائمة كـ “واجهات” بروتوكولية، بينما يتم سحب “الجوهر السيادي” (قرار الحرب والسلم) لصالح “الدولة الموازية” (Parallel State).
هذا الاختلال يضع المؤسسة العسكرية في حالة “ضبط ذاتي/اختراقي” (Subjective Control) وفق تعريف صمويل هنتنغتون (1957)؛ إذ إن القوة المسلحة مخترقة بالتوازنات الطائفية وحسابات “الفيتو المسلح”، مما يمنعها من ممارسة دورها الاحترافي كحامٍ وحيد للسيادة.

2. ديناميكية “هندسة الهشاشة” وشرعية الأداء

 مفهوم “هندسة الهشاشة” (Engineering Fragility) كاستراتيجية بنيوية اعتمدها حزب الله:

  • إنتاج الفراغ: عبر إدخال الدولة في صراعات استنزافية (حرب 2006، حرب 2023-2024) تُضعف قدرة المؤسسات الرسمية على تلبية احتياجات المواطنين.

  • المنافسة على الولاء: استثمار هذا الفراغ لبناء “شرعية قائمة على الأداء” (Performance Legitimacy)؛ حيث تقدم “الدولة الموازية” الأمن والخدمات البديلة، مما يحول ولاء المواطن من “الدولة العاجزة” إلى “التنظيم الكفؤ” (Fukuyama, 2004).

3. التحول الاستراتيجي 2024: تصدير الهشاشة إلى “الصلب”

كشفت وقائع حرب 2023-2024 عن “انكسار” في هذا النموذج؛ حيث قامت إسرائيل بتصدير “الهشاشة” إلى داخل بنية حزب الله الصلبة عبر:

  • هندسة الفراغ القيادي واللوجستي: اغتيال الهرم القيادي (نصر الله، شكر، عقيل) وتفجير “الجهاز العصبي” للتنظيم (أجهزة البايجر).

  • الفراغ الاستراتيجي: سقوط النظام السوري الذي قطع “الشريان اللوجستي” للحزب.
    هذا “الفراغ المُصنّع” داخل الدولة الموازية خلق “نافذة فرصة” تاريخية للدولة اللبنانية لاستعادة احتكار العنف.

4. الحل المؤسسي: “غرفة السيادة” ونموذج “الضبط الموضوعي”

لمعالجة هذا الاختلال، تنقترح   إنشاء “المنطقة السيادية” جنوب الليطاني وفق مبدأ هنتنغتون لـ “الضبط الموضوعي” (Objective Control). يتمثل هذا الحل في إنشاء “غرفة سيادة أمنية” (Sovereignty Operations Room) تُدار وفق القواعد التالية:

  1. الفصل بين القرار والمنفذ: القيادة السياسية المدنية (مجلس الوزراء) تحدد “الغاية السيادية” (جنوب الليطاني منطقة خالية من أي سلاح غير شرعي)، والجيش اللبناني المحترف ينفذ “الوسائل العسكرية” دون تدخل حزبي.

  2. احتكار التنفيذ: الجيش وحده يمارس الأمن والضبط والمصادرة، مدعوماً تقنياً ولوجستياً من UNIFIL وفق القرار 1701، دون أي “شراكة ميدانية” أو “تنسيق أمني” مع حزب الله.

  3. الاحترافية العسكرية: تحويل الجيش من “قوة توازن طائفي” إلى “قوة إنفاذ سيادي”، حيث يُمنع أي فاعل غير دولتي من المشاركة في هندسة الأمن الحدودي.

5. بناء “الدولة المنافسة”: السيادة كاستثمار

  بناء الدولة في لبنان هو “منافسة على الشرعية”. الحل المستدام يتطلب:

  • الاستثمار في الفراغ: يجب أن تتحول المساعدات الدولية إلى “مشروع استثمار في السيادة”؛ تقديم خدمات حكومية (صحة، تعليم، إعمار) في الجنوب والبقاع والضاحية تتفوق على خدمات “الدولة الموازية”، لكسر دائرة الولاء القائمة على الحاجة.

  • الشرطية الذكية (Smart Conditionality): ربط الدعم الدولي بخطوات ملموسة للجيش في “غرفة السيادة” لبسط السيطرة الحصرية على المعابر والمرافق، مما يجعل “السلاح الموازي” عبئاً وظيفياً واجتماعياً.

6. الخلاصة والتوصيات الاستراتيجية

إن الخروج من منطق “الورقة التفاوضية” يمر عبر إنشاء منطقة سيادية جنوب الليطاني تُدار وفق نموذج هنتنغتون:

  • السلطة المدنية الدستورية تحدد الهدف السيادي.

  • الجيش اللبناني المحترف يحتكر التنفيذ الأمني (الضبط الموضوعي).

  • UNIFIL تساند وتتحقق وتثبّت الشرعية الدولية.

  • استبعاد حزب الله من أي وظيفة أمنية رسمية، وتفكيك “هندسة الهشاشة” عبر بناء “دولة الأداء” التي تنافس وتنتصر في توفير الأمن والخدمات لمواطنيها.

  بناء الدولة القوية والعادلة ليس مجرد هدف حقوقي، بل هو الاستراتيجية الأمنية الأكثر فعالية لتجريد السلاح غير الشرعي من “وظيفته” و”شرعيته”، وتحويل السيادة من “هجينة ومجزأة” إلى “كاملة ومؤسساتية”.


قائمة المراجع المدمجة:

  1. العنز، رجينا. (2025). سلاح حزب الله كأداة بنيوية في إعادة إنتاج هشاشة الدولة اللبنانية. (أطروحة ماجستير، جامعة الحكمة).

  2. Huntington, S. P. (1957). The Soldier and the State: The Theory and Politics of Civil-Military Relations.

  3. Srivastava, S. (2022). Hybrid Sovereignty in World Politics. Cambridge University Press.

  4. Rotberg, R. I. (2009). When States Fail: Causes and Consequences.

  5. Ghani, A., & Lockhart, C. (2008). Fixing Failed States.

  6. Krasner, S. D. (1999). Sovereignty: Organized Hypocrisy.

  7. Zorri, D. M., et al. (2020). Iranian Proxy Groups in Iraq, Syria, and Yemen.

  8. القرار 1701. مجلس الأمن الدولي (2006).

  9. الدولية للمعلومات (2024). إحصاءات الخسائر البشرية في حرب لبنان.

  10. الأخبار / المنار / نداء الوطن. (أرشيف الخطابات والبيانات السياسية 2024-2025).

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …