جاء في الديار، تحت عنوان “كيف يفسر كلام المرشد الإيراني حول نصرة حزب الله لإيران؟”، أن موقف الحكومة اللبنانية السلبي من إعلان الحرس الثوري عن تنسيق عملية مشتركة مع حزب الله ضد إسرائيل، واستدعاء السفير الإيراني احتجاجًا على ذلك، يعكسان قصورًا في فهم طبيعة الحرب الدائرة في لبنان والمنطقة، وأن كلام المرشد الإيراني حول “نصرة” الحزب لإيران قد يكرّس معادلة يمكن أن يستفيد منها لبنان لاحقًا في أي تفاوض جدي لإنهاء الحرب.
غير أن هذا التفسير، مهما بدا منسجمًا مع منطق “وحدة الجبهات”، يطرح سؤالًا أكثر جوهرية: هل يستفيد لبنان فعلًا عندما يُعرَّف كجزء من الحرب الإيرانية، أم أنه يخسر موقعه كدولة ذات سيادة مستقلة؟
في الوقائع، لا يمكن التعامل مع كلام المرشد الإيراني بوصفه مجرد تعبير معنوي أو رسالة تضامن سياسية. فحين يُشكر حزب الله لأنه “نصر الشعب الإيراني”، فإن الحزب يُوضَع علنًا داخل وظيفة إقليمية تتجاوز الإطار اللبناني المباشر. هنا، لا يعود الأمر متعلقًا فقط بتوصيف المعركة، بل بتوصيف هوية الساحة اللبنانية نفسها: هل هي ساحة وطنية تديرها الدولة اللبنانية، أم ساحة متقدمة ضمن صراع تقوده عواصم أخرى؟
المشكلة في هذا المنطق أنه لا يمنح لبنان قوة تفاوضية بقدر ما يجرده من خصوصيته السياسية. فالدولة التي تريد أن تفاوض من موقع قوة تحتاج أولًا إلى أن تكون هي صاحبة القرار في الحرب والسلم. أما إذا كانت قيمة لبنان التفاوضية مشتقة من كونه جزءًا من أوراق إيران الإقليمية، فهذا يعني أن موقعه لا ينبع من سيادته، بل من قابليته للاستعمال.
هنا بالذات، يصبح الاعتراض اللبناني الرسمي على أي إعلان خارجي يتحدث عن تنسيق عسكري على أرضه، ليس تعبيرًا عن ضعف أو سوء تقدير، بل الحد الأدنى من استعادة معنى الدولة. إذ إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الحرب، بل في ترسيخ فكرة أن لبنان لم يعد يملك وحده حق تعريف دوره فيها.
الأخطر من ذلك أن هذا الخطاب يقدّم لإسرائيل ذريعة سياسية جاهزة. فمنذ أشهر، تعمل تل أبيب على تسويق رواية ثابتة أمام المجتمع الدولي مفادها أن الجبهة اللبنانية ليست جبهة لبنانية مستقلة، بل امتداد مباشر للبنية العسكرية الإيرانية في المنطقة. وعندما يأتي خطاب رسمي إيراني ليقول إن حزب الله قاتل “نصرةً للشعب الإيراني”، فإنه يعزز هذه الرواية بدل أن يربكها. عندها، لا تبدو إسرائيل في خطابها كمن يشن حربًا على لبنان، بل كمن يواجه ذراعًا إيرانية تعمل من الأراضي اللبنانية.
من هنا، فإن اعتبار هذا الكلام “مفيدًا للبنان” في المفاوضات هو قراءة ملتبسة. فلبنان لا يربح حين يتحول إلى رهينة تفاوضية بين إيران وإسرائيل أو بين إيران والولايات المتحدة. بل يربح فقط حين ينجح في فرض نفسه كدولة لها مطلب واضح ومحدد: انسحاب إسرائيل من أرضه، وحصر السلاح بيد مؤسساته، ومنع استخدام أراضيه منصةً لتصفية الحسابات الإقليمية.
المعادلة التي يروّج لها البعض — إما الالتحاق بمحور الحرب الإقليمي، أو ترك إسرائيل تستفرد بلبنان — هي معادلة ناقصة ومضللة. فبين هذين الحدّين يوجد خيار ثالث، هو الخيار السيادي: أن يرفض لبنان أن يكون جبهة نصرة لأحد، كما يرفض في الوقت نفسه أن يكون ساحة مفتوحة للعدوان الإسرائيلي.
ذلك أن جوهر الأزمة اليوم لم يعد فقط في حجم النار المتبادلة، بل في اختلال العلاقات المدنية-العسكرية داخل لبنان. فالدولة الحديثة لا تقوم حين تتعدد مراكز السلاح والقرار، بل حين تحدد السلطة السياسية الشرعية الأهداف الوطنية، وتحتكر المؤسسة العسكرية الرسمية تنفيذها. أما حين تصبح الحرب وظيفة موزعة بين الدولة وفاعل مسلح مرتبط باستراتيجية إقليمية أوسع، فإننا نكون أمام دولة منقوصة السيادة، لا أمام “قوة إضافية” داخلها.
لذلك، فإن ما يجب أن يُناقش فعلًا ليس ما إذا كان كلام المرشد الإيراني يفسر طبيعة الحرب، بل ما إذا كان اللبنانيون مستعدين للاستمرار في العيش داخل هذه الصيغة: بلد يدفع كلفة الحرب، فيما تعريف الحرب نفسها يأتي من الخارج.
تعليق: الحل ليس في الالتحاق بالمحاور، بل في إنشاء منطقة سيادية
إذا كان كلام المرشد الإيراني قد أكد مرة جديدة أن حزب الله يُنظر إليه في طهران كجزء من بنية الصراع الإقليمي، فإن الرد اللبناني الجدي لا يكون بالانفعال الكلامي فقط، بل ببناء بديل سيادي عملي.
هذا البديل يتمثل في إنشاء منطقة سيادية جنوب الليطاني، لا “منطقة عازلة” بالمعنى الإسرائيلي، بل منطقة تخضع بالكامل لسلطة الدولة اللبنانية، وتُدار فيها الأمنيات وفق منطق واضح:
-
القرار السياسي بيد الدولة اللبنانية،
-
التنفيذ الأمني والعسكري حصريًا بيد الجيش اللبناني،
-
الدعم والمراقبة والتثبيت عبر UNIFIL،
-
ومن دون أي وظيفة أمنية موازية لأي طرف مسلح غير دولتي.