الأمومة كوساطة داخل بنية القرابة والحرمان في دراما رمضان… الارث والمال سراب

في المختبر الاجتماعي السنوي الذي تمثله الدراما الرمضانية، لم يعد دور “الأم” مقتصرًا على الحنان والمشاعر الفياضة، بل كشفت الأعمال الدرامية الأخيرة (لا سيما في موسم 2025/2026) عن وجه أكثر تعقيدًا وقسوة: الأم بوصفها “وسيطًا” داخل اقتصاد القرابة، تدير الموارد والحقوق، وتوزع الحرمان أو المنح بناءً على تراتبية ذكورية متجذرة.

إن ما نشهده في مسلسلات مثل “بالحرام”، “بخمس أرواح”، و**”لوبي الغرام”**، يتجاوز مجرد القصص الفردية، ليطرح تساؤلاً جوهريًا: لماذا تصر الدراما على تصوير الأم كحارسة وفية للنظام الأبوي، تقدم ابنتها “قربانًا” لستر الذكر أو حماية اسم العائلة؟

الأمومة كـ “وساطة”: إدارة الموارد والحرمان

وفقًا للدراسات الأكاديمية (مثل أطروحات “سعاد جوزيف” حول الاتصالية الأبوية)، تُنتج القرابة في مجتمعاتنا ذواتاً تُشرعن امتياز الذكور عبر لغة الأخلاق. الدراما الرمضانية تترجم هذا المفهوم حرفيًا؛ فالأم ليست مجرد شخصية، بل هي “مؤسسة” تحوّل القواعد (الوصاية، الإرث، “العيب”) إلى قرارات مصيرية.

في مسلسل “لوبي الغرام”، تظهر هذه الوساطة في أوضح صورها عبر إدارة “اقتصاد السمعة”. الأم هنا لا تمنع ابنتها أو قريبتا من العمل في الفندق بدافع الكراهية، بل كـ “حارس للشرف” يخشى انكسار هيبة العائلة أمام المجتمع. هذه الوساطة تعيد إنتاج التراتبية؛ فالرجل يُستدعى دائمًا كحل، بينما تظل المرأة (الابنة) الطرف الذي يجب ضبط حركته لحماية “المورد” الأكبر وهو السمعة.

عقدة الذنب الأنثوية: صناعة “الابن الإله”

تتغذى الدراما على فكرة “الأمومة الصالحة” التي تعني الإنكار الكامل لذات الأم وكيان بناتها لصالح الذكر. هذا ما تسميه “دينيز كانديوتي” بـ “المساومة الأبوية”؛ حيث تمتثل النساء لقواعد النظام الأبوي لتأمين بقائهن.

المقلق في الدراما هو تصوير الأم التي لا تضحي من أجل ابنها على أنها “قاسية”. هذا “الاستدخال للتمييز” (Internalized Misogyny) يجعل الأم تتبنى تقييمًا ثقافيًا يقلل من شأن بناتها. في مسلسل “بخمس أرواح”، نجد الأم الحاضنة (أم غندور) تُستغل حاجتها للعلاج (زرع كبد) لتصبح “عملة مقايضة” يُجبر من خلالها الابن “شمس” على التنازل عن ميراثه. هنا، تتحول هشاشة جسد الأم إلى أداة لترسيخ الحرمان المادي.

التضحية بالبنات لـ “ستر” الذكور: البنت كدرع حماية

واحدة من أبشع التيمات التي ناقشتها الدراما هي تقديم البنت كقربان لترميم سمعة الرجل. في مجتمع يقدس الذكورة، “الرجل لا يعيبه شيء”، ولذلك تُجبر الابنة على الصمت، أو الزواج القسري، أو التنازل عن حقها لستر خطيئة أخيها أو ابن عمها.

في مسلسل “بالحرام”، تظهر الأمومة البديلة (صباح) كملاذ، لكن بمجرد دخول “الوثيقة والقانون” (صك الملكية، البصمة) في صراع مع الذكر (ماهر)، نجد أن النظام المؤسسي ينحاز للقوة. استغلال مرض “صباح” (الألزهايمر) لانتزاع توقيعها يوضح كيف يُنظر للأمومة حين تضعف: تصبح مجرد “قناة” لنقل الملكية للذكر، وإذا فشلت في حماية “الستر”، يتم سحقها قانونيًا.

سوسيولوجيا الخوف: الارتماء في حضن “الجانب الأقوى”

لماذا تختار الأم الجانب الأقوى (الرجل)؟ الإجابة تكمن في “الخوف من كلام الناس”. المجتمع في جوهره ذكوري، والأم تدرك أن “سترها” مرتبط برضا الرجال عنها. في مسلسل “بخمس أرواح”، نجد “سماهر” تخوض معركة مؤسسية لإثبات نسب ابنها، ليس فقط حبًا فيه، بل لأنها تدرك أن بقاءها خارج “سجل الأوراق الرسمية” يعني وصمها للأبد.

الأم هنا تضحي بكل شيء، وتخوض غمار المحاكم وتحاليل الـ DNA، لأن الهوية في الدراما العربية هي “هوية ذكورية” بامتياز. وبدون صك الاعتراف من الأب، تظل الأم وابنها (أو ابنتها) في مهب الريح.

نحو دراما “تفكيكية”: هل من بديل؟

إن استمرار الدراما في تمثيل الأمومة كـ “جهاز ضبط” للبنات و”مصنع أعذار” للأبناء، يرسخ واقعًا مأزومًا. نحن بحاجة إلى سرديات بديلة، كتلك التي بدأت تلمح إليها بعض المشاهد في “بالحرام” عبر تقنية “تسجيلات الذاكرة”، حيث تحاول المرأة استعادة صوتها قبل أن يمحوه المرض أو يستلبه الرجل.

 
الدراما الرمضانية ليست مرآة للواقع فحسب، بل هي “منتج للمعنى”. وحين تُصور الأم كقربان أو كجلاد لبناتها، فهي تشرعن هذا السلوك اجتماعيًا. إن الانتقال من “الأم الوسيطة للظلم” إلى “الأم المفاوضة من أجل الحق” هو التحدي القادم للكتاب والمخرجين. فالأمومة الحقيقية لا يمكن أن تُبنى على “وأد” البنات معنويًا ليعيش “الإله الذكر” في برجه العاجي.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

سيكولوجية المقامر وتوارث التدمير

في كتابه “سيكولوجية المقامر”، يقدم الدكتور أكرم زيدان قراءة فاحصة لظاهرة المقامرة، متجاوزاً التفسيرات السطحية …