الإعلام كـ “مشرط جراح”

تُقدّم العائلة في السرديات التقليدية بوصفها واحة الحب والسكينة، إلا أن القراءة السياسية العميقة لبنيتها، وما تعكسه الدراما بجرأة مؤخراً، تكشف عن حقيقة أكثر رعباً: العائلة في جوهرها هي “جهاز سياسي صغير”، دولة مجهرية متكاملة الأركان، يُتوج فيها الرجل “ملكاً” صاحب سيادة مطلقة، بينما تضطلع الأم بدور “الوزير التنفيذي” الذي يدير الموارد، ويضبط التوازنات، ويقدم البنات “قرابين” على مذبح استقرار العرش الذكوري.

إن الجريمة الكبرى في هذا النظام لا تكمن في تسلط الرجل وحده، بل في قبول الأم أن تلعب دور المحرك السري والقناة التي يمر عبرها وأد ابنتها. في هذه الدولة المجهرية، لا تُعامل الابنة كإنسان ذي سيادة، بل كـ “مزروعات” يجب حصد طاقاتها لصالح الذكور، أو كـ “مجندات” تُصادر مواردهن النفسية والمادية لتمويل طموحات “الابن الإله”. ولتفكيك هذه المنظومة، لم يعد يكفي الوعظ الهادئ؛ بل نحن بحاجة إلى صدمة إعلامية تزرع صوراً جريئة وجارحة، تشرّح هذه السردية وتكشف بشاعة “الخيانة الأمومية” للأنثى.

تبدأ عملية الاستغلال حين تتحول الأم إلى مدير للمخاطر؛ فهي تدرك أن النظام الأبوي يمنح الامتيازات للرجل، فتسعى لتأمين موقعها عبر “الاستثمار” في ابنها، وبيع مستقبل ابنتها في سوق المقايضات الاجتماعية. هنا يصبح الإعلام مطالباً بالتوقف عن تجميل “تضحية الأم” التي تكسر ابنتها، واستبدالها بصور صادمة: صورة الأم التي تسرق حلم ابنتها في التعليم لتقدمه مهراً لزواج أخيها، أو الأم التي تخيط “فم” ابنتها لتستر جريمة رجل في العائلة. يجب أن يظهر الإعلام هذه الأم ليس كضحية للعرف فحسب، بل كـ “مهربة” محترفة للنظام الأبوي داخل أوردة البيت، تحوّل ابنتها إلى مجرد محصول بشري يُستنزف ليبقى رأس الرجل مرفوعاً. 

إن تفكيك “قداسة الجلاد” يتطلب استخدام الإعلام كـ “مشرط جراح” يغوص في المناطق المسكوت عنها. يجب زرع صور إعلامية تعكس لحظات “العصيان الوزاري”؛ اللحظة التي ترفض فيها الأم أن تكون القناة التي يمر عبرها سكين الذبح المعنوي. نحن بحاجة إلى رؤية الأم في الدراما والبرامج وهي تحطم أصنام الذكورة، ليس بالصراخ، بل بسحب “الشرعية والخدمة” التي كانت تُقدم كقربان. إن مشهد الأم التي تقف كدرع بشري أمام ابنتها ضد “عرف” العائلة، أو الأم التي ترفض توريث ابنها إذا حُرمت ابنتها، هي “الصور الصادمة” الكفيلة بزعزعة دستور العائلة القديم.

إن المعنى الأعمق لهذه المواجهة هو أن النظام الأبوي، رغم جبروته الظاهري، هو نظام “أجوف” يتنفس برئة النساء. وبمجرد أن تقرر “حارسة المعبد” الاستقالة من منصب “الوزير التنفيذي” للحرمان، وبمجرد أن تتوقف عن رؤية ابنتها كجندي مسلوب الإرادة أو مورد مستباح، ينهار الهيكل السياسي للعائلة الاستبدادية فوراً.

ختاماً، إن تفكيك تقديس الرجل يبدأ من اللحظة التي تدرك فيها الأم أن ابنتها ليست قرباناً يُقدم لشتراء رضا المجتمع، بل هي امتداد لإنسانيتها الموؤودة. على الإعلام أن يزرع في الوعي الجمعي أن العائلة التي تقوم على “الوأد” هي مقبرة وليست بيتاً، وأن الثورة الحقيقية تبدأ حين تفتح الأم أبواب هذا المعبد للهواء والشمس، محولة إياه من ثكنة للذكورة إلى فضاء للحياة، حيث لا ملك ولا قربان، بل بشر متساوون في حق الحلم والوجود.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

سيكولوجية المقامر وتوارث التدمير

في كتابه “سيكولوجية المقامر”، يقدم الدكتور أكرم زيدان قراءة فاحصة لظاهرة المقامرة، متجاوزاً التفسيرات السطحية …