بين حصار “التأمين” وكابوس الإرهاب: كيف ترسم التهديدات الإيرانية واقع أوروبا الجديد؟

لم يعد الصراع في منطقة الخليج مجرد مواجهة عسكرية محصورة في حدودها الجغرافية، بل تحول إلى زلزال جيوسياسي وصلت ارتداداته إلى جيوب المواطنين الأوروبيين وأمن عواصمهم. ففي صبيحة الثامن عشر من مارس 2026، بات “الإنسان الاقتصادي” في أوروبا يستيقظ على هاجسين: سعر برميل النفط الذي يترنح بفعل أزمة الملاحة، وتهديدات الإرهاب التي تلوح في أفق المدن الكبرى.

شركات التأمين: اللاعب الخفي الذي يغلق مضيق هرمز
يرى الخبير الأمني ألان بوير أن المفارقة الكبرى في الأزمة الراهنة تكمن في أن مضيق هرمز —الذي يمر عبره معظم إمدادات الطاقة العالمية— لم يُغلق بفعل القوات البحرية الإيرانية فحسب، بل أُغلق بقرار من “شركات التأمين” الدولية. فقد أصدرت كبرى شركات التأمين في لندن والنرويج أوامر لأسطول الناقلات بالتوقف أو العودة، محولةً المنطقة إلى “منطقة محظورة” ملاحياً.

ويفسر بوير هذا الانسحاب التأميني بظهور مخاطر تقنية “غير مرئية” تتجاوز قدرة الدفاعات التقليدية على الحماية. فبالإضافة إلى الطائرات المسيرة، برز خطر “الدرونات الغواصة” (Underwater Drones)؛ وهي أسلحة انتحارية تعمل تحت الماء ولا تترك فرصة للرصد أو المناورة، مما يجعل أي ناقلة نفط هدفاً سهلاً للانفجار. وحتى في حال نجاح المنظومات الدفاعية في اعتراض المسيرات الجوية بنسبة تصل إلى 96%، فإن “حطام الاعتراض” —وهو كتل معدنية مشتعلة تسقط من السماء— يمثل كابوساً لشركات التأمين، إذ يمكن لشظية واحدة أن تضرم النيران في شحنة نفطية هائلة، مما يجعل تغطية هذه المخاطر انتحاراً مالياً للمؤمّنين.

من البحر إلى الشارع: فاتورة الإرهاب في أوروبا
هذا الشلل الملاحي ليس إلا وجهاً واحداً للعملة؛ فالوجه الآخر هو “استراتيجية الفوضى القصوى” التي تنتهجها طهران لنقل الضغط إلى قلب القارة العجوز. يؤكد بوير أن التهديد الإرهابي الإيراني هو “الأكثر تنظيماً واحترافية” في العالم، كونه مدعوماً ببنية استخباراتية للدولة، وليس مجرد تنظيمات عشوائية.

وتتخذ هذه التهديدات في الداخل الأوروبي أشكالاً متعددة؛ تبدأ من الهجمات السيبرانية المنظمة التي تستهدف النظام المالي والمصرفي لزعزعة الاستقرار الاقتصادي، وتصل إلى تفعيل “الخلايا النائمة” لتنفيذ عمليات انتقامية فوق الأراضي الأوروبية. ويشير بوير إلى أن الأجهزة الأمنية في فرنسا ودول الجوار باتت في حالة استنفار قصوى لحماية المعارضين الإيرانيين والرموز السياسية، خاصة مع تاريخ موثق لمحاولات تفجير واغتيال تم التخطيط لها داخل مقار دبلوماسية.

علاوة على ذلك، تبرز “دبلوماسية الرهائن” كأداة ضغط قوية؛ حيث تستخدم طهران الرعايا الأوروبيين المحتجزين لديها كدروع سياسية لمنع الحكومات الغربية من الانخراط الكامل في العمل العسكري.

الخلاصة: استراتيجية “الثمن الباهظ”
إن ما يحلله ألان بوير هو مشهد من “الحرب غير المتكافئة”؛ حيث تهدف إيران لرفع تكلفة الحرب إلى حد لا يطيقه الغرب. فبينما تخنق شركات التأمين إمدادات الطاقة بسبب التهديدات التقنية، تزرع الخلايا الأمنية بذور الخوف في المدن الأوروبية. وفي نهاية المطاف، تجد أوروبا نفسها أمام واقع مرير: فالحرب التي تدور رحاها في مياه الخليج، تُدفع فواتيرها مرتين؛ مرة عند مضخة الوقود، ومرة أخرى في ميزانيات الأمن والاستقرار الداخلي.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

من المخدرات إلى الأصول الرقمية: النيابة العامة التمييزية تعيد هندسة الأمن المالي اللبناني

لم تعد معركة مكافحة تبييض الأموال في لبنان مجرد ملاحقات قضائية تقليدية، بل تحولت إلى …