خنق الصين وإثبات عجزها العسكري

تُمثل استراتيجية استخدام التوترات في مضيق هرمز بمثابة ورقة ضغط جيوسياسية رئيسية لإثبات محدودية النفوذ الصيني. إذ دخل الصراع في الشرق الأوسط مرحلة “التصعيد من أجل التصعيد”، عقب رفض طهران القاطع لخطة السلام المكونة من 15 نقطة التي عرضها دونالد ترامب. وفي قراءة استراتيجية معمقة، كشف الخبير الفرنسي ألان بوير أن المنطقة لم تعد تشهد مجرد نزاع إقليمي، بل تحولاً جذرياً في موازين القوى العالمية، حيث تبرز الصين كلاعب عسكري مباشر لأول مرة في مياه الخليج، بينما تواجه واشنطن استعصاءً عسكرياً غير مسبوق.. وتستند هذه المقاربة إلى استغلال اعتماد بكين المفرط على نفط الخليج لكشف قصور قدراتها العسكرية خارج محيطها، وتوجيه رسالة حاسمة لدول الخليج بأن المظلة الأمنية الأمريكية لا تزال الخيار الوحيد القادر على حماية الملاحة وتأمين تصدير الطاقة.

معضلة هرمز وشريان الطاقة

تُعد الصين أكبر مستورد للنفط في العالم، وتعتمد بشكل أساسي على منطقة الخليج لتأمين نحو 50% من وارداتها من النفط الخام. يُشكل مضيق هرمز الممر الإجباري لمعظم هذه الإمدادات، مما يخلق حالة من الضعف الاستراتيجي حيث تحتاج الصين بشدة إلى استقرار هذا الممر للحفاظ على عجلة إنتاجها الصناعي. في حال اندلاع نزاع مسلح أو إغلاق للمضيق، فإن الاقتصاد الصيني سيكون الخاسر الأكبر ضمن ما يُعرف بـ “فخ هرمز”، حيث ستؤدي الأزمة إلى قطع شريان الطاقة المباشر وتعطيل “المصنع العالمي”.

الانكشاف العسكري الصيني

على الرغم من التحديث المستمر لجيش التحرير الشعبي، تظل قدرة الصين على إبراز قوتها البحرية وتأمين الممرات في الشرق الأوسط محدودة للغاية مقارنة بالولايات المتحدة. لا تملك بكين شبكة قواعد عسكرية واسعة أو أساطيل قادرة على فرض حماية مسلحة لخطوط الإمداد عبر المحيط الهندي وصولاً إلى الخليج، وتكتفي بقاعدة لوجستية وحيدة في جيبوتي. يُثبت هذا الواقع عملياً أن الصين تفتقر إلى البنية التحتية والتحالفات العسكرية اللازمة لتحدي الهيمنة الأمريكية، وتعتبر عاجزة عن التدخل المباشر لكسر أي حصار محتمل في المضيق.

الرسالة الجيوسياسية للخليج

تهدف هذه الديناميكية إلى إيصال رسالة واضحة لدول الخليج مفادها أن النفوذ الصيني المتصاعد في الشرق الأوسط هو نفوذ اقتصادي وتجاري بحت. فرغم كون بكين شريكاً استراتيجياً ومشترياً موثوقاً للنفط، إلا أنها غير قادرة على لعب دور الضامن الأمني أو توفير مظلة حماية بحرية بديلة للأسلحة والأساطيل الغربية. تسعى واشنطن عبر إبراز هذا التباين إلى تذكير حلفائها بأن التحالف الأمني مع الولايات المتحدة يظل أمراً حيوياً لا يمكن تعويضه بشراكات اقتصادية صينية وقت الأزمات الوجودية.

الدبلوماسية كبديل للقوة

لتفادي إثبات هذا العجز العسكري، تتجنب الصين الانجرار إلى مواجهات مسلحة في المنطقة وتلجأ بدلاً من ذلك إلى الدبلوماسية، كما ظهر في رعايتها لاتفاق المصالحة بين السعودية وإيران لتهدئة التوترات. كما تستثمر بكين في مشاريع بنية تحتية لتجاوز مضيق هرمز، مثل خط أنابيب “حبشان-الفجيرة” في الإمارات لتصدير النفط بعيداً عن المضيق. تعمل الصين أيضاً على تنويع مصادر طاقتها عبر تعزيز الواردات من دول أخرى وتقوية خطوط الأنابيب البرية لتقليل الاعتماد المطلق على الممرات البحرية المعرضة للحصار

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

من المخدرات إلى الأصول الرقمية: النيابة العامة التمييزية تعيد هندسة الأمن المالي اللبناني

لم تعد معركة مكافحة تبييض الأموال في لبنان مجرد ملاحقات قضائية تقليدية، بل تحولت إلى …