ماريبيل الحكيّم: هندسة النبض في فضاء “لآخر دقة”.. رحلة بين سيكولوجيا الذات وروحانية الإيمان

في فضاء رقمي يغرق في ضجيج التكرار والاستهلاك البصري العابر، تقف تجربة الكاتبة والفنانة اللبنانية ماريبيل الحكيّم، عبر منصتها “لآخر دقة” (la.ekhir.da2a)،عبر انستاغرام، كظاهرة “أنطولوجية” تجمع بين الفلسفة الجمالية والتشريح النفسي والعمق الروحاني. إنها لا تقدم مجرد صفحة أدبية، بل تبني “صومعة رقمية” تعيد فيها صياغة مفهوم “الدقة” (Resolution)؛ فالمصطلح الذي يبدأ تقنياً ليشير إلى جودة الصورة، ينتهي عند ماريبيل ليكون معياراً لجودة النوايا ووضوح المشاعر وعمق الروابط الإنسانية. في عالمها، تصبح الصورة هي “المبتدأ” الوجودي الذي لا يكتمل معناه إلا بـ “خبر” الكلمة، حيث تبرع في فك شفرات الصمت وتحويل المشاهد الجامدة إلى نبضات حية تلامس أعمق نقاط الوعي البشري.

إن هذا التلاحم بين “ريشة الضوء” و”مذكرات القلم” ينبع من فلسفة “الاختزال” (Minimalism) (الاقتصاد اللغوي) التي تنتهجها ماريبيل كأداة تطهيرية؛ فهي تدرك نفسياً أن تكدس التفاصيل يطمس الجوهر، لذا تلجأ إلى تسليط الضوء على تفصيل صغير—نظرة، لمسة يد، أو انعكاس ضوء خافت—لتخلق مساحة من السكون الإجباري وسط صخب الحياة. هذا السكون ليس فراغاً، بل هو الفضاء النفسي الذي يتيح للإنسان سماع صوته الحقيقي. ومن هنا، تتبدى كتاباتها كأرشفة وجدانية للنقائص البشرية، فهي لا تبحث عن الكمال الزائف الذي تروّج له منصات التواصل، بل تحتفي بـ “الجمال المكسور”، وترى في العيوب والظلال ملامح حقيقية تجعلنا كائنات حية تتنفس الصدق، بعيداً عن أقنعة المثالية المصطنعة.

وعند الغوص في التشريح النفسي الذي تجريه ماريبيل للعلاقات الإنسانية، نجدها تضع يدها على مفهوم “الغربال الوجودي”. ففي مقولتها المؤثرة “مش كل مين بيحكي معنا بيكون حدّنا… والظروف بتفضح”، تتجلى رؤية سيكولوجية ناضجة لمفهوم “الارتباط الآمن” مقابل “الضجيج العابر”. هي تحلل الظروف لا بوصفها عوائق، بل بوصفها “مختبرات للحقائق” تكشف زيف الروابط الهشة. وتصنف البشر في وعيها إلى نوعين: “العابرون” الذين ينجذبون لبريق الشخصية اللحظي ثم يتبخرون مع أول غيمة، و”السند الحقيقي” الذين يمتلكون قدرة استثنائية على “الاحتواء”؛ أولئك الذين يأتون ليسمعوا الأنين الصامت قبل الكلمات المنطوقة. هذا التحليل يلامس حاجة الإنسان المعاصر إلى “الأمان العاطفي” في زمن يتسم بالسيولة وعدم الاستقرار.

ويتخذ هذا الفكر بعداً أكثر عمقاً حين يتقاطع مع الجوهر الروحاني والمسيحي، حيث تتحول نصوص ماريبيل إلى ما يشبه “صلوات وجدانية” صامتة. ففلسفة “الظروف التي تفضح” تجد صداها اللاهوتي في المبدأ الإنجيلي الذي يؤكد أن “ليس خفي إلا ويظهر، ولا مكتوم إلا ويُستعلن”، حيث تمثل المحن نار التمحيص التي تنقي القلوب وتكشف الذهب الخالص من الزيف. وفي خاطرتها “هيدا كمان حب”، تعيد ماريبيل تعريف “المحبة” من منظور مسيحي يتجاوز العاطفة السطحية إلى “الأغابي” (Agape)—الحب الباذل والصامت. فنداء الأم بـ “نور عيوني” واتصالها المتكرر، وانتظار الأب الصبور في السيارة، هي تجليات للحب الذي “لا يطلب ما لنفسه”، بل يجد كماله في الخدمة والاهتمام بالتفاصيل الصغيرة التي تشكل جوهر الحياة العائلية المقدسة.

إن استخدام ماريبيل للإلقاء الصوتي (Voiceover) يمنح نصوصها بعداً “حسياً” يقرب المسافة بين الكلمة والروح؛ فصوتها الدافئ يعمل كجسر لنقل الأفكار من حيز التفكير المجرد إلى حيز التجربة الحية. هي تدعو متابعيها ليكونوا “حقيقيين لآخر دقة”، وهي دعوة تحمل في طياتها تواضعاً مسيحياً يقر بالضعف البشري ولكنه يرجو القوة من الخالق. في عالم ماريبيل، القلب هو المركز، وكل نبضة هي فرصة للاستثمار في الذاكرة الأبدية. إنها مهندسة وجدان تبني عالمًا موازيًا يتسم بالأمان العاطفي والشفافية الروحية، مؤكدة أن الحقيقة لا تكمن في الرؤية الكلية للصورة، بل في تلك النقاط الصغيرة الصادقة التي تشكل ملامح من نحب، والتي تبقى صامدة في وجه العواصف، من أول نظرة وحتى “آخر دقة” في عمر القلب.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

سيكولوجية المقامر وتوارث التدمير

في كتابه “سيكولوجية المقامر”، يقدم الدكتور أكرم زيدان قراءة فاحصة لظاهرة المقامرة، متجاوزاً التفسيرات السطحية …