التعميم رقم 945 / ص 1 تاريخ 30 آذار 2026 الصادر عن وزير المالية بخصوص العقارات غير الممسوحة اعاد الامور الى نصابها القانوني الصحيح

بقلم عبده جميل غصوب*

لا يكفي ان ننتقد الادارة عندما تخطىء، بل يجب ايضا شكرها عندما تصّوب الاخطاء، وهذا ما حصل فعلا عندما اصدر وزير المالية بتاريخ 30 آذار 2026 تعميما جديدا، عدّل بموجبه التعميم رقم 609/ ص تاريخ 25/2/2026، فأعاد الامور الى نصــابها القــــانونــــــي الصحيح بخصوص

 ” المشاعات “، اذ ورد فيه ” ان الاراضي المهملة الواقعة خارج النطاق البلدي ، لا يجوز قيدها باسم افراد او بلديات الا استنادا الى سند قانوني صريح ومشروع وذلك حفاظا على المصلحة العامة وصونا لاملاك الدولة من اي استيلاء غير مشروع، ولا سيما في ضوء ما ورد من معلومات عن محاولات يقوم بها البعض للاستيلاء على مشاعات الدولة بصورة غير قانونية “. كما ورد فيــــه

ان المشاعات العائدة لاهالي القرى او للبلديات الواقعة ضمن النطاق البلدي، فتبقى خاضعة للنظام القانوني الخاص بها، وتُقيّد في محاضر التحديد والتحرير وفقا للاصول المرعية الاجراء وعلى اساس طبيعتها القانونية “.

ولكن السؤال يبقى مطروحا عما اذا كان هذا التعميم كافيا لتوضيح المذكرة الصادرة عن وزير المالية بتاريخ 21 كانون الاول 2015 والقرار رقم 1216 / 1 الصادر بذات التاريخ الذي أثار ردود فعل عديدة في ذلك الوقت [1]  وما زال ، بالرغم من ان القرار 1216 /1 اعتبر في بنده الثالث ” ان المناطق المتواجدة ضمن نطاق حكومة جبل لبنان القديم لا تشتمل على املاك الدولة ” ؟

لا بد بادىء ذي بدء من التطرق بصورة موجزة الى ان المذكرة رقم 4863 /  ص 1 السابق ذكرها تضمنت الطلب الى مندوبي دائرة املاك الدولة الخاصة المكلفين حضور التحديد الوجاهي في المناطق التي تجري فيها اعمال تحرير وتحديد العقارات والطلب الى المسّاح المكلف تنفيذ اعمال التحرير والتحديد، تسجيل عقارات الدولة وفقا للانواع التالية:

1 ـ العقارات الخاصة من النوعين ( ملك ، اميري ) وهي تتكون من مجموعتين:

أ ـ المجموعة الاولى: العقارات الخاصة العائدة لمختلف الوزارات الخ.

ب ـ المجموعة الثانية، وتشمل : جميع العقارات التي لم يجرِ تثبيتها متروكة مرفقة من جهة، والتي لا تستوفي شروط مرور الزمن للتملك بوضع اليد بالاستعمال من جهة أخرى.

2 ـ العقارات المتروكة المرفقة ( المشاعات ):

وهي العقارات التي تخص الدولة وتكون ملكيتها للجمهورية اللبنانية ولكن منتفع بها لعموم اهالي البلدة.

واضافت المذكرة انه يتوجب على المندوب بالنسبة لهذه العقارات، التأكد من تدوين الامور التالية على محضر التحرير والتحديد.

أ ـ النوع الشرعي: متروك مرفق.

ب ـ الملكية: ملك الجمهورية اللبنانية.

ج ـ عدم تدوين العبارات الخاطئة والتي كانت ترد سابقا ملكا لعموم اهالي البلدة، او مشاعا لعموم اهالي البلدة الخ.

لا بد هنا من التطرق الى الاشكاليات قبل الاجابة عما اذا كانت المشكلة قد وجدت حّلا لها سواء في القرار 1216/1 ام في التعميم الاخير رقم 945 / ص 1.

اولا: الاشكاليات المطروحة من جهة الاراضي المتروكة المرفقة التي سببها التعميم رقم 609/ص تاريخ 25/2/2026

هذه الاشكالية تبرز في المذكرة رقم 4863 / ص 1، التي تضمنت انه يجب ان تسجل على اسم الدولة العقارات المتروكة المرفقة ( المشاعات )، وهي العقارات التي تخص الدولة وتكون ملكيتها للجمهورية اللبنانية ولكن منتفع بها لعموم اهالي البلدة.

هذا المضمون يناقض صريح المادة 7 من قانون الملكية العقارية المعدلة بالقانون رقم 47/71 تاريخ 24/6/1971، الذي ميّز بين العقارات المتروكة المرفقة الواقعة خارج النطاق البلدي وتلك الواقعة داخل هذا النطاق، فالاولى تخص الدولة ويكون عليها لاحدى الجماعات حق استعمال محددة ميزاته ومداه بالعادات المحلية وبالانظمة الادارية؛ والثانية تكون ملكا خاصا للبلديات ويكون عليها لاحدى الجماعات حق استعمال، كما هو وارد بالنسبة للاولى، ولكن يعود للبلديات الغاء او تعديل حق الاستعمال على بعض اقسام هذه العقارات مع المحافظة على حقوق الغير.

الاشكالية كانت قائمة هنا في ان المذكرة رقم 4863 / ص 1 لم تتناول سوى الفئة الاولى من هذه العقارات وهي العقارات المتروكة المرفقة ( المشاعات ) التي تخص الدولة، ولم تتناول تلك العائدة للبلديات متجاهلة في ذلك صريح المادة 7 اعلاه.

ولكن هذه الاشكالية ازيلت نهائيا بالتعميم الاخير  رقم 945 / ص 1 الذي نص صراحة ” ان المشاعات العائدة لاهالي القرى وللبلديات ( والمقصود حق الاستعمال ) الواقعة ضمن النطاق البلدي، تبقى خاضعة للنظام القانوني الخاص بها وتقيد في محاضر التحديد والتحرير وفقا للاصول المرعية الاجراء وعلى اساس طبيعتها القانونية.

فتكون الادارة قد أبلت بلاء حسناً وازالت هذه الاشكالية، التي لا يجب ذكرها بتاتا منذ تاريخ صدور التعميم رقم 945 / ص 1 ، تاريخ آذار 2026، لان التعميم المذكور اعاد الامور الى نصابها القانوني الصحيح، مع الاشارة الى ان مذكرة 4863 / ص 1 هي في توصيفها القانوني الصحيح تعميم ؛ والتعميم يمكن تعديله بتعميم آخر، ولا ضرورة ان يكون التعديل صريحا ومباشرا، بل يمكن ان يكون ضمنيا ، عندما يتعارض مضموم التعميم القديم مع مضمون التعميم الجديد [2].

ثانيا: الاشكالية المطروحة من جهة الاراضي الملك التي سببتها المذكرة رقم 4863 / ص 1 تاريخ 21 كانون الاول 2015:

الاشكالية التي اثيرت في حينه تناولت عدم استثناء الاراضي التي كانت واقعة ضمن نطاق حكومة جبل لبنان القديم من المذكرة رقم 4863 / ص 1 ، فأتى القرار رقم 1216 / 1 ، تاريخ 21 كانون الاول 2015 يزيل هذا الاشكال، فنّص في البند الثالث منه عن “ اعتبار المناطق المتواجدة ضمن نطاق حكومة جبل لبنان القديم لا تشتمل على املاك الدولة “.

ولمعرفة ما اذا كان هــــذا الاشــــكال قد أزيل فعلا، ندلي بالآتي: نصّت المادة 5 ملكية عقارية ان

 ” العقارات ( الملك ) هي العقارات الكائنة داخل مناطق الاماكن المبنية كما هي ( اي المناطق ) محددة اداريا والتي يجري عليها حق الملكية المطلقة، باستثناء العقارات الواقعة في اراضي حكومة جبل لبنان السابقة المستقلة، فانها ( اي هذه العقارات المستثناة ) تبقى خاضعة لاحكام العرف والعوائد المحلية “.

فجميع الاراضي هي اذن من النوع الاميري باستثناء الاراضي التي مُلكت تمليكا صحيحا والاراضي الواقعة داخل مناطق الاماكن المبنية، كما هي محددة اداريا، والاراضي الواقعة في متصرفية جبل لبنان، فانها من نـــــوع الاراضي الملك ما لم تكن من نــــوع آخر كالاراضي الموات او المتروكة

المرفقة [3].

يتضح من نص المادة 5 من قانون الملكية ان الاراضي الواقعة خارج اراضي متصرفية جبل لبنان، لا تكون من النوع الملك الا اذا تحقق شرطان:

الاول: ان تكون الاراضي واقعة ضمن الاماكن المبنية؛ والثاني : ان تكون الادارة قد حددت اداريا هذه المناطق المبنية.

ولكن تعتبر من نوع الملك، بدون ان يتوافر اي شرط من الشرطين المذكورين اعلاه، الاراضي الواقعة في حكومة جبل لبنان السابقة المستقلة، اي في متصرفية جبل لبنان المستقلة، لان المادة 5 من قانون الملكية قد ابقتها خاضعة لاحكام العرف والعوائد المحلية ؛ وهذه العوائد المحلية قد جعلت منذ القدم ، من اراضي جبل لبنان، اراض ٍملك لان لبنان بقي حتى بعد الفتح العثماني يتمتع بشبه استقلال ذاتي، فلم تطبق فيه الاقطاعية العسكرية، فظلّت اراضيه من النوع الملك؛ وهذا ما قرره القضاء مكتفيا بتعليل مقتضب هو بالواقع اعلان لحقيقة راهنة [4].

اما اراضي جبل لبنان القديم فهي التي حددتها المادة 3 من بروتوكول 9 حزيران 1861، والذي حلّ محله بروتوكول 6 ايلول 1864، على الوجه الاتي:

يقسم جبل لبنان الى سبع قائمقاميات :

 الاولى تشمل على الكورة مع الجهة التحتية والاراضي المجاورة الآهلة باقوام على مذهب الروم، باستثناء قصبة القلمون.

الثانية: تشمل من شمالي لبنان، على جبة بشري والزاوية وبلاد البترون. 

الثالثة: تشتمل من الشمال، على بلاد جبيل وجبّة المنيطرة والفتوح وكسروان الاصلي حتى نهر الكلب

الرابعة: تشتمل على زحلة وضواحيها.

الخامسة: تشمل على المتن مع ساحل النصارى واراضي القاطع وصليما.

السادسة: تبتدىء من جنوبي طريق الشام حتى جزين. 

السابعة: تشتمل على جزين واقليم التفاح “.

ويظن البعض ان الاراضي البيضاء او السبعية الواقعة في قضاء الكورة هي من النوع الاميري لانه كان عليها ان تؤدي الى حكام لبنان الغابرين بعض حاصلاتها بمقدار السبع، الا انها بالواقع اراض ملك [5]. وقد جرى مسحها اثناء عمليات التحديد والتحرير باعتبارها ارض ملك.

 

ثالثا: في الخلاصة

يمكننا الجزم بان القرار رقم 1216 / 1 تاريخ 21 كانون الاول 2015، قد ازال في بنده الثالث الاشكالية الناشئة عن المذكرة رقم 4863 / ص 1، تاريخ 21 كانون الاول 2015 عندما استثنى العقارات الواقعة ” ضمن نطاق حكومة جبل لبنان القديم ” من املاك الدولة ؛ كما ازال التعميم الاخير رقم 945 / ص 1 تاريخ 30 آذار 2026 الاشكال الذي سببه التعميم رقم 609 / ص تاريخ 25/2/2026 والناشىء عن سوء تطبيق المادة 7 ملكية عقارية [6]  فاستثنى المشاعات الواقعة ضمن النطاق البلدي من املاك الدولة وابقاها خاضعة ” للنظام القانوني الخاص بها “، اي مسجلة على ملكية البلديات وعائد حق استعمالها لاهالي القرى والبلديات الواقعة ضمن نطاقها.

هكذا يكون الاشكالان الوحيدان قد ازيلا ، فلا يسعنا سوى تدوين شكرنا العميق لاهتمام وزارة المالية، خصوصا مديرية الشؤون العقارية بشخص مديرها العام السيدة جويس عقل التي اعطت مثالا يحتذى للموظف الرصين الذي يعمل لخدمة الادارة والوطن.

كما ندعو ابناء الوطن القلقين على ” المشاعات ” ان يطمئنوا الى الوضع الراهن بخصوص الاشكالين اعلاه، متمنين ان تجد سائر الاشكاليات العقارية حلولا لها ، على ان يحدث ذلك في الاطار القانوني الصحيح بعيدا عن التجاوزات السياسية والطائفية، مشددين على وجوب تقيد السادة القضاة العقاريين والمساحين وسائر المولجين باعمال المسح بالمناقبية المهنية والامانة العلمية ، فتستقيم الامور حتما.

في 10/4/2026

عبده جميل غصوب                                                                

  * دكتور في الحقوق، بروفسور لدى كليات الحقوق، محام بالاستئناف، مستشار قانوني في الامارات العربية المتحدة ـ دبي، خبير قانوني دولي معتمد لدى عدة منظمات قانونية دولية.

[1]  راجع الوكالة الوطنية للاعلام ، 9 ايلول 2016، المؤتمر الصحفي الذي عقده الوزير السابق سليم جريصاتي والنائب سيمون ابي رميا والمؤتمر الصحفي الذي عقده النائب السابق فارس سعيد في 18 ايلول 2016.

[2] راجع في ذلك، عبده جميل غصوب، المدخل الى العلوم القانونية، المنشورات الحقوقية ـ صادر ، الطبعة الاولى 2018، ص 203.

[3] راجع في ذلك، جان باز، القانون العقاري اللبناني، مكتبة لبنان، 1968، ص 29.

[4] تمييز، 8 حزيران 1953، النشرة القضائية، 1953، ص 698 ، مذكور في مؤلف جان باز، السابق ذكره ، ص 44، حاشية رقم (1)، وقد ورد فيه ” بما ان العقار موضوع الدعوى واقع في اراضي جبل لبنان، فهو من نوع الملك “.

[5] امين مشحور، مجموعة النصوص القانونية الخاصة بالتشريع العقاري، 1945، ص 18، مذكور في مؤلف جان باز، السابق ذكره، ص 45، حاشية رقم (1).

[6]  راجع مقالنا، المنشور في “صادر ليكس ” بعنوان ” قراءة قانونية لتعميم وزير المالية المتعلق بقيد العقارات غير الممسوحة والمشاعات حول التعميم رقم 609/ص تاريخ 25/2/2026.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

سياسات الإخضاع.. بين جُرم الترهيب، سيف القانون، وإرادة عدم الانصياع

تستمدُّ الأنظمة والشخصيات السلطوية وجودها من وهمٍ يُدعى “القدرة على كسر الجميع”، حيث تتحول الممارسات …