كنيسة “البيت” لا كنيسة “المسرح”: عن صرخة الشباب في وادي “الأنومي”

يعيش الشاب المعاصر اليوم في وادٍ سحيق من “الأنومي” (Anomie)، محاصراً بين هشاشة اقتصادية طاحنة وضغوط مهنية تتسم بالقسوة والمادية المفرطة. وسط هذا التشتت الناتج عن إيقاع الحياة الحديثة، يبحث الشاب عن “مضاد حيوي” لغربته عبر اللجوء إلى المؤسسة الدينية، باحثاً عن بيت معنوي يوفر له الطمأنينة. لا مال . لا عمل. فقط عبارة احبك مسامح لا تخاف . نفكر معا. انت طفل دائما تغني ان لم تعودوا كالاطفال. لكنه يصطدم بواقع مؤسساتي يزيد من عزلته، مما يحول خروجه من الكنيسة من فعل “تمرد” إلى رحلة “هروب” نحو مساحات أكثر صدقاً.

الانفصال عن الواقع المعاش والتنظير المجرد
تكمن المعضلة الأولى في الهوة الشاسعة بين إيقاع الشباب اليوم وبين القيادات الهرمية للمؤسسة الدينية. غالباً ما لا تعيش هذه القيادات التفاصيل اليومية الخانقة ولا التحديات المباشرة التي يواجهها جيل غارق في البطالة والديون والعزلة. هذا الانفصال يجعل خطاب الكنيسة يبدو نخبوياً ونظرياً بحتاً؛ حيث يُطالَب الشاب المنهك بالتركيز على طقوس مجردة وتعاليم بعيدة عن همومه، دون أن يجد استجابة عملية لأزماته أو حتى “إصغاءً حقيقياً” لآلامه المباشرة.

الكنيسة كسلطة رقابية وتسخيف الألم (الضابط غير الحر)
في الوقت الذي يبحث فيه الشباب عن مساحة آمنة لاحتضان ضعفهم ومخاوفهم، يجدون أن الكنيسة تتحول من “ملجأ” إلى كيان رقابي صارم يطلب “الامتثال” والشروط المسبقة. وعندما يمر الشاب بأزمات نفسية (كالاكتئاب) أو أزمات فكرية (كأسئلة الشك والبحث عن معنى)، فإنه يخشى مشاركة أفكاره خوفاً من الأحكام المسبقة والإقصاء. وبدلاً من أن تكون الكنيسة “عائلة” أو “جماعة إفخارستية” حقيقية تتقبل الضعف البشري وتعالج الخطأ بالاحتضان، تتحول إلى سلطة تفرض قوالب سلوكية وفكرية جامدة. هذا “الضبط غير الحر” يقتل عفوية الإيمان، ويولد لدى الشباب شعوراً مركباً بالذنب والاغتراب.

وما يعمق هذا الجرح ويسرّع من وتيرة الهجرة الصامتة، هو لجوء المؤسسة إلى استهلاك “الكلام المثالي” عن المسيح كمسكنات وعظية جاهزة. فحين يصرخ الشاب تحت وطأة قهره المادي أو النفسي، يُواجه بخطاب “يسخّف وجعه” ويطالبه باحتمال الألم كضريبة روحية مجردة، ما يفرغ الألم من واقعه ويبعد الإنسان أكثر عن فكرة “الشفاء” الحقيقي الذي يتطلب تفكيكاً لمسببات هذا الوجع. والأخطر من ذلك سوسيولوجياً، أن هذا النهج في التسطيح يحول الكنيسة—بوعي أو بدونه—إلى أداة لـ “تحجيم الوجع” لصالح السلطة السياسية. فبدلاً من أن تكون الكنيسة صوتاً نبوياً يواجه الظلم الهيكلي أو الفساد الذي أفرز هشاشة الشباب، تعمل عبر هذا الخطاب المثالي على امتصاص نقمة المقهورين وتخدير وعيهم، محولة إياهم إلى رعايا مطيعين يبحثون عن عزاء أخروي. هكذا، تُفرّغ التجربة الإيمانية من دورها التحرري، وتصبح المؤسسة مجرد ترس يخدم استقرار النظام السياسي القائم على حساب جراح الناس.

أزمة الثقة والبحث عن بدائل خارج أسوار المؤسسة
تنعكس أزمات الشباب النفسية—التي تغذيها حالة “الأنومي” وضجيج مواقع التواصل الاجتماعي—في بحثهم المستمر عن المعنى والقدوة الصادقة. غير أن التباينات الواضحة بين الخطاب الديني المثالي والمجرد وبين تصرفات بعض التراتبيات المؤسسية التي قد تعيد إنتاج التراتبية الاجتماعية لصالح الأقوى والأغنى، تفقد المؤسسة مصداقيتها.

يتفاقم هذا الشعور بالنفور عندما يلمس الشاب تهميشاً متعمداً لأسئلته وقلقه الوجودي. في عصر أصبح فيه الوصول إلى المعرفة متاحاً، لم يعد الشاب يقبل الإجابات الجاهزة أو السلطوية التي تتهرب من مواجهة تعقيدات العلم والألم. وعندما يتم إسكاته أو الاستخفاف بشكوكه، تسقط هيبة المؤسسة بالكامل في عينيه؛ إذ لا يعود يرى فيها “فعل خلاص جماعي”، بل يعتبرها امتداداً للنفاق الاجتماعي. هذا الانكسار يدفع الشباب نحو الانسحاب للبحث عن “الروحانية اللامذهبية” أو الانتماء لتجمعات بديلة توفر لهم ما عجزت عنه الكنيسة: مساحة للاعتراف بوجودهم كأفراد مرئيين، مسموعين، ومقبولين.

المسامحة والتسامح: الاحتضان في كنف الأبوة المطلقة
هذه المساحة التي يبحثون عنها بشغف—ليكونوا مرئيين ومقبولين—لا يمكن أن تتأسس إلا على قيمتي “المسامحة والتسامح”. في عالم رأسمالي شرس يقيّم الإنسان وفقاً لإنتاجيته ونجاحه، وفي مجتمع استعراضي لا يرحم الفشل أو الضعف، يحتاج الشاب بشدة إلى “بيت” لا يحاكمه على زلاته، بل يغفرها. إن غياب التسامح داخل المؤسسة، وتحولها إلى “ديوان للمحاسبة الأخلاقية”، يحرم الشاب من تجربة المحبة غير المشروطة التي هي جوهر الخلاص.

الشاب المنهك والمثقل بالأنومي لا يحتاج إلى قاضٍ يذكره بنواقصه، بل إلى مساحة روحية تغمره بالمغفرة وتمنحه فرصة للبدء من جديد. هنا تحديداً، تبرز الحاجة الماسة إلى العاطفة الصادقة والاحتضان الدافئ المتمسك بـ “الأبوة المطلقة”. هذه الأبوة لا تعني “السلطة البطريركية” التي تقمع الإرادة وتفرض الطاعة العمياء، بل هي الأبوة الإنجيلية المجردة؛ أبوة تشبه حضن الأب للابن الضال، التي تنتظر بلهفة، وتركض نحو المتعبين لتفتح ذراعيها دون أن تسأل عن حجم الخطيئة أو تستجوب عن سبب الغياب.

في زمن الجفاف العاطفي والتسليع الشامل، يبحث الشاب عن هذه العاطفة المجانية التي تهمس له: “أنت مرغوب لأنك ابني، لا لأنك مثالي”. إن هذا الاحتضان الأبوي، المشبع بالحنان والمجرد من ديناميكيات السلطة، هو الترياق الوحيد القادر على تذويب صقيع الاغتراب. الكنيسة التي لا تسامح هشاشة أبنائها، ولا تتسع لعاطفة الأبوة المطلقة، تساهم في مضاعفة تيههم. حينها فقط، بالمسامحة والاحتضان، يترمم جرح الروح، ويتحول الدين من منظومة عقوبات إلى مساحة شفاء.

في نهاية المطاف، لن يعود الشباب إلى المؤسسة لأنها أصبحت “أكثر حداثة” في أدواتها أو “نجومية” في منصاتها، بل سيعودون عندما تتحول الكنيسة من “جهاز رقابي يطلب الخضوع ويحمي السلطة” إلى “بيت حقيقي”. بيت يمنح الإنسان شعوراً بأنه مرئي ومقبول في أقصى لحظات انكساره، ويقف معه في مواجهة آلامه بشجاعة، متسلحاً بمسامحة وأبوة تذيب قسوة العالم، وتستعيد للإيمان نبضه الحي.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

»أرماندو كورتشيو« الإيطالي يمنح جمال سند السويدي الدكتوراه الفخرية تقديراً لمسيرته الفكرية والعلمية

منح معهد »أرماندو كورتشيو« الأكاديمي الإيطالي (Istituto Armando Curcio)، يوم الاثنين 12 أكتوبر 2026، برئاسة …