في عالم صناعة القرار، هناك صراع صامت ومرير يدور خلف الكواليس؛ طرفاه ليسا مجرد باحثين وصحفيين، بل هما رؤيتان متصادمتان لإدارة الحقيقة. هذا الصراع الذي واجهته مديرة التحرير منذ اليوم الأول لعملها، لم يكن مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل كان معركة “تكسير عظام” مهنية. حاولت فيها المؤسسات الأكاديمية واللوبيات الصناعية الكبرى تجريد الصحافة من أنيابها ومن شبكة علاقاتها الحيوية، لتحويل السلطة الرابعة إلى مجرد صدى لبيانات الشركات.
تشليح العلاقات وتكتيكات الغرف السوداء
منذ اللحظة الأولى التي وضعت فيها مديرة التحرير يدها على ملفات حساسة، واجهت حرباً ممنهجة لعزلها عن شبكة مصادرها عبر ما يُعرف بـ “التلاعب الجماهيري المزيف” (Astroturfing). تعتمد هذه الاستراتيجية على تمويل الشركات الكبرى لمراكز أبحاث وكراسي علمية في جامعات مرموقة، لتظهر كجهات أكاديمية مستقلة تسحب البساط من تحت الصحفيين. كان المخطط خبيثاً، واعتمد على التقليل من شأن العمل الصحفي بوصفه سطحياً، لإقناع المصادر بأن المكان الطبيعي للمعلومة هو المختبر وليس المانشيت الصحفي.
الهدف الفعلي كان تحويل الصحافة إلى مجرد ناقل لبيانات مفلترة سلفاً، وعزل الصحفيين عن دوائر صنع القرار. أظهرت دراسات نقدية في مجال الاتصال الاستراتيجي أن أكثر من نصف البيانات الصحفية العلمية التي تصدرها اللوبيات الصناعية تُصاغ في غرف العلاقات العامة، لتوجيه أصحاب القرار نحو الأكاديميين الموالين بدلاً من الصحفيين الباحثين عن الحقيقة.
مختبر طرابلس (2011-2015): حين تتحول “صحافة الحلول” إلى ساحة صراع
لم تكن هذه الاستراتيجيات مجرد نظريات، بل تجسدت بوضوح في تجربة ميدانية مريرة في طرابلس بين عامي 2011 و2015. بدأت القصة بمحاولة رائدة لكسر نمط التغطية التقليدي لصراع (جبل محسن وباب التبانة)، عبر تبني “صحافة البيانات” و”صحافة الحلول” بالتعاون مع شادي نشابة. كان الهدف تقديم مقاربة علمية تُخرج المدينة من عنق زجاجة العنف، لكن هذا التميز هو ما استنفر “الغرف السوداء”.
تجلت محاولات “تشليح العلاقات” عندما تدخلت مكاتب جامعية للتواصل مع “صديق شخصي” تعرفت عليه مديرة التحرير عبر نشاط مدني مشترك، في محاولة للالتفاف على الفريق الأصلي. وتطورت الأمور لاستخدام منصات إعلامية مثل (OTV) عبر وسطاء كجاد أبو جودة، لاستضافته وخلط علاقات شادي الذي كان مرشحا على الانتخابات، في فترة متازمة بين تيار المستقبل والتيار الوطني الحر: ففشل ! قبل هذه المرحلة، بدأت مشاريع مديرة التحرير وشادي نشابة في طرابلس ومناطق أخرى تواجه تدهوراً مقصوداً. لولا صلابة كارول معلوف، التي ورغم محاولات التضليل لتقليل الضوء على الفريق الأساسي، كشفت بغير قصد أو بفعل الصدام المهني حجم الضغوط الممارسة. لقد أظهرت تجربة كارول معلوف وليا بارودي في ذلك السياق كيف يتم استبدال الجهد الميداني الحقيقي بوجوه أخرى يسهل التحكم في مساراتها، مما فضح آليات الإقصاء الممنهج التي تُمارس ضد الصحفيين الذين يمتلكون “الداتا” والحلول الحقيقية. ربحت ليا جائرة واكتسبت مديرة التحرير مديرة نابغة وفوق ذلك: زوجها عمر الخطاب !
الاحتكار المعرفي والاحتواء التنظيمي
في قطاعات استراتيجية، يُمارس استعلاء تقني من قبل “حراس البوابة”. هؤلاء يعتقدون أن السياسات العامة يجب أن تُطبخ في غرف مغلقة، مستخدمين التعقيد العلمي كستار دخاني. تتجلى هنا ظاهرة “الاحتواء التنظيمي” (Regulatory Capture)، حيث تنجح القوى الكبرى في السيطرة على الهيئات المكلفة بمراقبتها، وتصبح الصحافة هي الجهة الوحيدة المستقلة القادرة على كشف الصفقات المشبوهة. واجهت مديرة التحرير وفريقها ادعاءات بأن الإعلام يفسد المفاوضات، لكن الممارسة كشفت أن هذا الإقصاء يهدف فقط لحماية الخصخصة المقنعة للموارد العامة.
شلل التحليل وصناعة الشك الأكاديمي
لعل أخطر ما واجهته الصحافة هو “تسليح” العملية الأكاديمية (Weaponizing Academia) لخلق “شلل التحليل”. كما وثّق كتاب “تجار الشك”، تلجأ القوى الكبرى لتمويل أبحاث مضادة بهدف التشكيك في الحقائق. هذا هو جوهر “المماطلة الأكاديمية” (Academic Slow-play)؛ فبينما تحترق الملفات الميدانية في طرابلس أو غيرها، يختبئ هؤلاء خلف عباءة “الحاجة لمزيد من الدراسات” لتأخير أي تحرك فعلي، مستخدمين رصانة البحث العلمي كترس لتأجيل الضغط الشعبي.
الترهيب القانوني والصحافة كقوة مضادة
إلى جانب العزل الأكاديمي، يترافق هذا الصراع مع استخدام “الدعاوى القضائية الاستراتيجية ضد المشاركة العامة” (SLAPP)، لاستنزاف الصحفيين مالياً ونفسياً. في مواجهة هذا الترهيب، يبرز دور الصحافة كعدو طبيعي للتباطؤ المتعمد، فهي:
-
حادة: في قدرتها على قطع خيوط التضليل الممنهج وتفكيك شبكات المصالح.
-
سريعة: في نشر الحقيقة في اللحظة التي يُراد فيها دفنها باللجان العلمية.
-
نافذة: عبر مخاطبة الجمهور بلغة مباشرة تجرد المصطلحات المعقدة من غموضها المتعمد.