آمال وشيرين: عندما يصبح استهداف الصحافة سياسة والإفلات من العقاب قانوناً

ليست قضية آمال خليل مجرد مأساة صحافية أخرى تُضاف إلى سجل الحرب، بل هي لحظة اختبار حاسمة لمعنى القانون الدولي نفسه: هل يبقى نظاماً ملزِماً يحمي المدنيين والصحافيين، أم يتحول إلى لغة أخلاقية جميلة تُهزم عند أول مواجهة مع القوة العارية؟

قُتلت آمال خليل أثناء أداء عملها الصحافي في بلدة الطيري، ليس بـ”نيران طائشة”، بل بعملية ملاحقة وإعدام مركبّة. فوفقاً للمعطيات الميدانية، لاحقت الطائرات الإسرائيلية آمال وزميلتها زينب فرج، واستهدفت سيارتهما أولاً. وحين تمكنت الصحافيتان من النجاة واللجوء للاحتماء داخل منزل مجاور، عاد الطيران الحربي الإسرائيلي بعد أقل من ساعتين ليقصف المنزل المأهول ويسويه بالأرض فوق رأسيهما. لم يكتفِ القاتل بذلك، بل عرقل وصول الصليب الأحمر اللبناني وفرق الإنقاذ لساعات طويلة، وترك آمال تنزف تحت الركام حتى أسلمت الروح.

جريمة الملاحقة: الإعدام على مرحلتين

تكمن الخطورة الاستثنائية في هذه القضية في التفاصيل المرعبة للاستهداف. إن ملاحقة صحافية بعد نجاتها من الغارة الأولى، وقصف المنزل الذي التجأت إليه، ثم استخدام القوة لمنع المسعفين من الوصول إليها لسبع ساعات متواصلة، ينسف أي ادعاء إسرائيلي بـ”الخطأ” أو “الأضرار الجانبية”. هذا تسلسل عملياتي يثبت “سبق الإصرار والترصد”، وهو تعريف قانوني حرفي لـ”جريمة الحرب” بموجب القانون الدولي الإنساني الذي يمنح الصحافيين حماية مدنية مطلقة.

إسرائيل تحاول تسويق ما تسميه “الخط الأصفر” كمنطقة عازلة مفروضة من طرف واحد، وتتعامل معه بوصفه “منطقة قتل حر”. لكن القوة العسكرية لا تملك حق إعادة تعريف القانون الدولي على هواها، ولا حق إسقاط الصفة المدنية عن الصحافي لمجرد أنه دخل منطقة تريد إخفاء فظائعها فيها. قبول العالم بهذا المنطق يعني شرعنة قيام أي دولة بصناعة “خطوطها” الخاصة، لتقتل من يعبرها، ثم تطالب الضحية بتبرير وجودها.

بين آمال وشيرين: الرصاصة ذاتها، والسردية ذاتها

لا يمكن قراءة استشهاد آمال خليل بمعزل عن اغتيال أيقونة الصحافة شيرين أبو عاقلة في مخيم جنين عام 2022. الصورتان تتطابقان بشكل مخيف: صحافية ترتدي درعاً وخوذة واضحين، تتواجد في الميدان لنقل الحقيقة، فتستقر رصاصة أو قذيفة إسرائيلية في جسدها لتسكت صوتها للأبد.

أحدثت قضية شيرين زلزالاً عاطفياً وسياسياً عالمياً لأن شيرين لم تكن مجرد مراسلة، بل كانت صوت الذاكرة الفلسطينية وصورتها الموثوقة طوال ربع قرن. إعدام شيرين كان اغتيالاً مرئياً ومباشراً كشف زيف الرواية الإسرائيلية التي حاولت في البداية اتهام “مسلحين فلسطينيين” بقتلها، قبل أن تعترف لاحقاً بمسؤوليتها دون أن تحاسب جندياً واحداً.

واليوم، تأتي قضية آمال خليل لتؤكد أن ما حدث لشيرين لم يكن “خطأً مهنياً” أو “حادثاً عرضياً”، بل هو نهج وسياسة عسكرية متعمّدة ومدروسة تعتمدها إسرائيل لاغتيال شهود العيان. فكما أفلت قاتل شيرين من العقاب بفضل التواطؤ السياسي والحصانة الغربية، تُختبر اليوم آليات العدالة الدولية مجدداً في دماء آمال. القاتل الذي لم يُحاسب على رصاصة جنين، هو نفسه الذي قصف منزل الطيري مرتين وترك ضحيته تحت الركام.

ما تكشفه آمال

صحيح أن النقاش المهني حول “إدارة المخاطر” وقرار المؤسسات الإعلامية بالدخول إلى مناطق الاشتباك هو نقاش مشروع، إلا أنه لا يجوز أن يتحول إلى بديل عن المحاكمة القانونية والأخلاقية للقاتل.

قضية آمال خليل ليست حادثة فردية معزولة، بل مرآة لمعادلة كاملة: إما أن يثبت القانون الدولي أنه أعلى من الوقائع التي تفرضها القوة، وإما أن يعترف العالم بأن الإفلات من العقاب هو القانون الحقيقي السائد. آمال وشيرين ليستا مجرد ضحيتين لغارة أو قنص؛ إنهما قضية مبدئية تقول إن الحق في الشهادة على الجريمة يجب ألا يُعاقب بالموت تحت الركام بلا عدالة، وإن قتل الصحافي ليس “أثراً جانبياً” للحرب، بل هو اغتيال للحقيقة مع سبق الإصرار والترصد

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …