على أنقاض المؤسسين: مأساة “الإحلال” المهني

 

“دبكة” فوق الأنقاض وصكوك براءة من “مقصلة” العقوبات. باختصار هذه اصبحت سياسة اللبنانية للارسال بعد ان تركت فريق دربته بنيو يورك تايمز  وطبعت صناعتها الاعلامية بلاعبين في دائرة العقوبات.

في مقالته الأخيرة “مراهقون يسرحون ويمرحون في LBCI”، رسم الكاتب نزار نمر لوحة قاتمة للإعلام اللبناني الذي يسقط في فخ “التريند” ويفقد هيبته المهنية عبر استخدام الذكاء الاصطناعي لتلميع صور مشوهة، أو تقديم “دبكة” لترامب على شاشة كانت يوماً ما توصف بالرصانة. لكن، إذا غصنا أبعد من “مراهقة” المنصات الرقمية، سنجد أن شخصية دونالد ترامب باتت تُستخدم في الكواليس الإعلامية اللبنانية كـ “طوق نجاة” أو “شهادة براءة” لشخصيات تخشى أن يبتلعها ثقب العقوبات الأسود.

كيف تهاوت أعمدة المهنية في القناة لصالح “التريند” والذكاء الاصطناعي، سوال يبرز وجه آخر لهذه النكسة الإعلامية، ليس عبر “المراهقين” هذه المرة، بل عبر وصوليين . نتحدث هنا عن ماريو عبود، الذي لم يكن انتقاله من قناة “آسيا” (المعاقبة سياسياً) إلى “LBCI” مجرد “نقلة مهنية”، بل كانت عملية “غسل سمعة” سياسية، تمت حرفياً على أنقاض الزملاء المؤسسين لجريدة الاخبار ومبدعين في عالم الترفيه والاعلام! 

الهروب من “آسيا” والتنكر لباسيل

لقد حاول ماريو عبود، عبر خطابه الأخير بين برنامج جدل وبين البودكاست الذي يقوم به وهو من انتاج رونالد عجوري،  ومديحه المبالغ فيه لدونالد ترامب، ومحاولة استمالة فريقه، أن يبني جداراً عازلاً بينه وبين “شبح” العقوبات الذي يلاحق قناة “آسيا” التي عمل فيها، ويلاحق حليفه السابق جبران باسيل. هذا المديح لترامب ليس “قراءة سياسية”، بل هو “صك براءة” يقدمه عبود للإدارة الأميركية، (عزيزي مغلط بالعنوان  فلا جوزيفين زغيب دخلها ولا صديقتها هي من لها علاقة بالادارة وليس السفارة) محاولاً إقناعها بأنه غادر ضفة “المعاقبين” نهائياً، ليركب موجة “الواقعية السياسية” الجديدة التي تمجد القوي وتطبع مع فكرة “الاستقواء بالخارج”.

على أنقاض المؤسسين: مأساة “الإحلال” المهني

لكن الأخطر في عودة عبود إلى LBCI أنها لم تأتِ لتعزيز الكادر، بل جاءت بعد عملية “تطهير” ممنهجة طردت أصحاب الخبرة والمؤسسين لصحيفة الأخبار الذين بنوا صدقية لعقود. هؤلاء الذين دمر لهم رصيدهم المهني – الى حين- لم يكونوا يفتقرون للكفاءة، بل كانوا “عقبة” أمام التحول الجديد للقناة نحو أجندة “الذكاء الاصطناعي المضلل” و”تبييض صورة الاحتلال” الذي انتقدته مقالة نمر. 

عبود، ومن خلال موقعه الجديد، يسوق لنفسه كـ “منقذ”، بينما هو في الحقيقة يشغل حيزاً أُخلي قسراً من زملاء دفعوا ثمن رصانتهم. إنه “إحلال” للأكثر طواعية بدلاً من الأكثر كفاءة. لا باس ! تدمر نفسك على الشاشة فالموضوع ماريو صخم ! متعلق بعقيدة الجيش بمكان ، متعلق بملفات لا علاقة لك به وسعيت اليها! 

مفارقة “آمال خليل”: بين العقاب الفعلي والهروب الانتهازي

يتضح هذا السياق أكثر عند مقارنة سلوك عبود بما تتعرض له الصحافية آمال خليل. فبينما تُعاقب آمال خليل وتُهدد لأنها ترفض التخلي عن ثوابتها المهنية والوطنية في مواجهة الاحتلال، نجد عبود يهرب من “شبهة” العمل في قناة معاقبة (آسيا) عبر الارتماء في حضن “الأجندة الترامبية”. والانتقال هذا اعلاميا لا يقرا بسذاجة عزيزي وهو غير منفصل عن تضليل معلومات مرّ بالعراق وصب في طوفان الاقصى وبينهما معلومات مغلوطة الى حماس وتقدير عسكري مغلوط! الشبكة التي احتليتها ! وليست لك! مذنبة!

هذا التباين يفسر كل شيء: آمال خليل تمثل الصحافة التي تدفع الثمن، وماريو عبود يمثل “الإعلامي” الذي يقبض الثمن عبر تسويق نفسه كبديل “آمن” ومطواع. أبدا!! إن الهجوم الممنهج على أصوات مثل آمال خليل، وتغييب المؤسسين الرصينين في LBCI، هو الذي سمح ببروز هذه النماذج التي تبرر عملها السابق بمديح “الجلاد” الحالي.

القناة تحت الاختبار: هل سقطت LBCI كلياً؟

ما يجب فهمه هو أن ماريو عبود ليس حالة معزولة، بل هو جزء من “إعادة هيكلة” شاملة تخضع لها LBCI. القناة التي كانت تدعي “الحياد”، باتت اليوم تخضع بالكامل لأجندة تضحي بالواقع من أجل “التريند” وبالمؤسسين من أجل “المسوقين”. سيستعملهم ترامب ! وسيصعقهم الامين (كلهم)

لقد أصبح لزاماً على القناة، لكي تحافظ على وجودها في ظل موازين القوى الجديدة، أن تخضع لهذا المسار: التخلص من الخبرات التي تملك “ضميراً مهنياً”، واستبدالها بوجوه مستعدة للمديح العلني لترامب (لإبعاد العقوبات) والتعاون مع “الذباب الإلكتروني” (لتحقيق المشاهدات).

 
ماريو عبود لا يمارس الصحافة اليوم، لم يمارسها يوماً ، المعارف الحكمية تعرف كيف بعثر عمل مضني لمديرة التحرير متعلق بعقيدة الجيش اللبناني ، الدمج والتسريح والتاهيل ! حتى تفكيك  مفهوم الجسد في احدى المحاضرات للتحضير لبث الترفيه في الضاحية (يستحقون والله) بل يمارس “فن البقاء” على جثث زملائه المهنية. إن “دبكة ترامب” التي سخر منها نزار نمر، يرقصها عبود ببراعة أكبر خلف الميكروفون، محاولاً إيهامنا بأن انتقاله من “آسيا” إلى “LBCI” هو انتصار مهني، بينما هو في الحقيقة “هروب كبير” من استحقاقات المواقف، وبحث عن أمان شخصي تحت ركام مؤسسة إعلامية كانت يوماً عظيمة، فباتت اليوم مسرحاً لـ “المراهقين” والانتهازيين.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

تلفيق واقع واحد …. عقل مجنِد مريض

هدية الى سيمون كشر، فادي سعد، وربيع الشاعر وعموم العوائل   ليس خيالاً مريضا حبيب يونس… …