صناعة الموت النظيف على كوب “مياه”: الملاحقة بين دور الكلمة وسُمّ المختبرات

إن أخطر عمليات الاغتيال هي تلك التي لا نعرف عنها شيئاً حتى اليوم، تلك الجرائم التي دُفن ضحاياها وسط دموع عائلاتهم الذين ظنوا أن “القدر” كان السبب، بينما كانت أصابع المخابرات هي من تدير المشهد خلف الستار. تظل هذه العمليات تذكيراً بأن الطب الشرعي هو خط الدفاع الأخير أمام “الإرهاب الدولتي” المنظم، وهو إرهاب يتجاوز استهداف القادة العسكريين ليصل إلى ملاحقة الكلمة والوعي، كما تجلى في مسيرة الصحافية آمال خليل، التي حملت مهنتها كرسالة مقدسة لا تقبل المساومة. لقد واجهت آمال ملاحقة شرسة وعنيفة بسبب إصرارها على ممارسة دورها الصحفي بشرف، وهو ما قادها بوعي ذاتي وإيمان شخصي عميق إلى إجراء مقابلة مع شخصيات بوزن خالد مشعل، دون طلب أو توجيه من أحد، بل تلبية لنداء المهنة الذي كان يملي عليها كشف الحقائق في أحلك الظروف. ورغم الضغوط الهائلة والعبارات المثبطة التي كانت تلاحقها من كل جانب، مثل “ما هي هذه المهنة التي اخترتها؟” و”أليس لديك أهل ليخرجوكي من هذا المدار الخطر؟”، إلا أنها لم تصغِ لتلك النداءات التي كانت تحاول ثنيها عن مدارها؛ فقد كانت تدرك أن الموت قد يأتي للإنسان لأي سبب عابر وفي أي مكان، لكنها فضلت الموت لمهنتها وفاءً لشرف الكلمة، بدلاً من الموت على هامش الحياة.

وفي هذا العالم الذي تتقمص فيه المخابرات دور القدر، لم يعد احتكار “الموت الصامت” حكراً على القوى العظمى أو الموساد الذي برع في استخدام السموم البيولوجية كما في حالة وديع حداد، أو المواد المشلة للعضلات كما في قضية محمود المبحوح؛ بل إن هذه الإمكانيات في الملاحقة والتعقب باتت اليوم موجودة، وبشكل أكثر تطوراً، لدى قوى المقاومة وعلى رأسها حزب الله. إن القدرة على استنساخ الأدوات المخابراتية وتحويلها إلى “سلاح أبيض” استخباراتي ليس مجرد احتمال، بل هو واقع يفرض نفسه في صراع الأدمغة، حيث يمكن للحزب ببساطة أن يتبنى استراتيجيات تعتمد على الدقة المتناهية والنفس الطويل. هذا السلاح الأبيض، الذي لا يترك رصاصة أو شظية، يعتمد على اختراق الدوائر الأكثر خصوصية للهدف المفصلي، وملاحقته في تفاصيل حياته اليومية البسيطة، حتى في “فنجان قهوته”. فالملاحقة هنا لا تعني المطاردة الصاخبة، بل هي الظل الذي يرافق الهدف بانتظار اللحظة التي يتحول فيها “الروتين اليومي” إلى فخ مميت، حيث تُمزج الخبرة الميدانية بالتقنيات الكيميائية والبيولوجية المتقدمة لإنتاج موت “نظيف” قانونياً وطبياً، لكنه سياسي بامتياز في توقيته ونتائجه.

إن استنساخ هذه الأدوات يعني أن المقاومة لم تعد تكتفي بالصواريخ العابرة للحدود، بل باتت تمتلك القدرة على العبور إلى عمق الأمان الشخصي للعدو، محولةً كل ما يحيط بالهدف المفصلي إلى أداة اغتيال محتملة، تماماً كما طورت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية أسلحة السهام الثلجية. إنها مدرسة موازية في “القتل الصامت” تجعل من ملاحقة الهدف عملية استنزاف نفسي قبل أن تكون جسدية، وتثبت أن صراع الظلال قد وصل إلى مرحلة يمكن فيها لـ “رشفة قهوة” أن تنهي صراعاً طويلاً دون ضجيج. وفي نهاية المطاف، يبقى استهداف أصحاب الوعي مثل آمال خليل محاولة يائسة لكسر هذا المدار، لكن الإيمان بالمهنة واستعداد الشرفاء للموت في سبيلها، يظل هو الثغرة الوحيدة التي لا يمكن للمخابرات، مهما بلغت قوتها أو استنسخت من أدوات صامتة، أن تغلقها أو تسيطر عليها.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

تلفيق واقع واحد …. عقل مجنِد مريض

هدية الى سيمون كشر، فادي سعد، وربيع الشاعر وعموم العوائل   ليس خيالاً مريضا حبيب يونس… …