نساء “الأخبار”: حارسات “شريان الجنوب” في مواجهة سقوط أحجار الدومينو

في المشهد الإعلامي اللبناني المتفجر، يبرز نموذج نساء جريدة “الأخبار” كحالة استثنائية؛ هنّ اللواتي يجمعن بين “الحنان الإنساني” والاحتواء، وبين “المحافظة” بمعناها الأخلاقي الرصين والمتفهم للآخر. هنّ “الأجنحة الحامية” التي أتقنت فن الكلمة، وحوّلت غرفة الأخبار إلى مساحة للتلاقي رغم أشد الاختلافات الأيديولوجية. 

داخل هذا الصرح، كانت هناك “قاعدة ذهبية” غير قابلة للكسر: العداء المطلق للعدو الصهيوني ورفض التعامل معه تحت أي مسمى. هذا الثابت كان المظلة التي سمحت بوجود تنوع فكري هائل؛ ففي أروقتها، كان يُطرح السعي نحو “الدستور العلماني” كضرورة للدولة، وتُناقش “ولاية الفقيه” بعين نقدية، بل وتمتد “الحشرية المعرفية” لسبر أغوار الرؤى الدينية، من فهم لنسخ القرآن إلى فلسفة النبوة والمسيح ومفهوم الشهادة. كل ذلك كان يتم برقيّ إنساني لم يفسد للود قضية.

وفي سياق هذه المسؤولية الأخلاقية، برزت مواقف مديرة التحرير التي خاضت سجالات فكرية عميقة مع مسؤولي “حزب الله” حول “أخلاقيات الصراع”. كانت تجادل بصلابة ضد منطق “القتل للهوية” أو الانجرار لعمل عدائي بدافع “لذة الفعل” أو كردات فعل عشوائية كما حصل في تجارب عربية أخرى. كانت الرؤية واضحة: المقاومة فعل وعي وأخلاق، وليست مجرد انفجار غريزي. استعملوا ورقة العداوة لاسرائيل بشكل استراتيجي ! لم ينصاعوا!

اليوم، يواجه هذا النسيج هجمة شرسة، تَمثّلت في استهداف الزميلة “آمال خليل”. إن ما تعرضت له آمال من ملاحقة من قبل طائرات العدو في الجنوب هو “جريمة حرب” موصوفة، استهدفت ملاحقة الكلمة لمنعها من الصدور. لم تتخيل امال هذه الملاحقة . ولم تهذي . كانت مباشرة اكثر من غيرها . لانها هي واجهت اسرائيل بشكل مباشر. كما تريدون تتولى التعامل معكم اسرائيل. آمال، التي تُعد شرياناً أساسياً ومؤسساً في الجريدة، بدأت مسيرتها بإصرار مهني لافت؛ فبينما كان البعض يغرق في اليأس، كانت هي فرد مهم من فريق مراسلي المناطق التي تتولى التنسيق مع  راجانا حامية في “فريق المناطق” وتتلقف الفرص التدريبية والإدارية لتثبت حضورها ككادر لا يُستغنى عنه.

لكن هذا الاستهداف لآمال خليل ليس مجرد حادث ميداني؛ إنه سقوط لحجر “الدومينو” الذي قد يؤذن بتصعيد غير مسبوق. فالمراقبون يرون أن إسرائيل، التي استغلت ثغرات إستراتيجية وإدارية — لحزب الله منها تاسيس الميادين الذي يعبق ببيئة تسهل حركة اسرائيل اذ مؤسس الميادين عمّق خرق صفوف إعلامية من قبل عملاء سابقين محكومين — بذلك استطاعت اسرائيل أن تجعل الحزب “يمدّ لها شبكة التفجير” بين المناطق. بعد سقوط آمال: 

الآن بدءت الحرب العشوائية بكل لبنان ! ان لم يسلم حزب الله سلاحه

إن وقف إطلاق النار الذي يُحيّد “الضاحية” حالياً، لم يمنع العدو من محاولة فتح “أقوى نار” عبر استهداف آمال خليل، لقطع الشريان الأساسي الذي يربط “القضية” (الجنوب) بـ”المنطقة الأساس” (المركز). والخشية الكبرى تكمن في أن يؤدي غياب هذا النفس الأصيل إلى إفراغ الساحة لفرق عمل وتوجهات هجينة، لا تختلف في جوهرها عن “مصيبة” التوجهات الشعبوية التي تمثلها نماذج مثل “بولا يعقوبيان”. بولا في وضع لا يحسد عليه . تواصلي مع كارول معلوف.  لا غنى عنها في هذه المرحلة لاسباب ناقشيها معها .  

نحن أمام كارثة بيروتية بامتياز إذا ما استمر هذا التآكل. فإذا لم يُحسم ملف السلاح والسيادة بشكل يحمي الداخل، فإن مشهد “بيروت بالنار العشوائية” قد ينتقل إلى كل مكان. نساء “الأخبار” اليوم، بما يمثلنه من وعي وصمود، يقفن في خط الدفاع الأخير عن مهنة تُذبح وعن وطن يترنح بين مطرقة العدو وسندان الأخطاء الإستراتيجية الكبرى.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …