مستقبل رفعت عيد وخارطة تموضع الطائفة العلوية بعد التطورات السورية: قراءة في الأبعاد القانونية والمسارات الاستشرافية

أحدث الانهيار المتسارع للنظام السوري السابق أواخر عام 2024 وبدايات عام 2025 هزة ارتدادية واسعة النطاق تجاوزت الحدود السورية لتطال توازنات القوى والشخصيات المرتبطة بها في دول الجوار، وعلى رأسها لبنان. وفي قلب هذه التحولات الجيوسياسية الحادة، برز مجدداً اسم رفعت عيد، الأمين العام للحزب العربي الديمقراطي اللبناني، كشخصية يتقاطع في ملفها البعد الجغرافي والأمني مع مأزق قضائي معقد ومستقبل طائفة تجد نفسها اليوم في مخاض إعادة تعريف دورها وجودياً وسياسياً في منطقة الشرق الأوسط.


أولاً: واقع رفعت عيد الحالي والمأزق القانوني في لبنان

بعد ما يقرب من عقد من الاستقرار النسبي في الساحل السوري تحت كنف حماية النظام السابق، فرضت التغيرات الميدانية الأخيرة على رفعت عيد مغادرة الأراضي السورية على نحو عاجل. وتشير تقارير إعلامية متقاطعة إلى أنه تسلل عبر ممرات غير شرعية إلى منطقة عكار في شمال لبنان، وتحديداً في بلدة “حكر الضاهري” الحدودية، حيث يعيش حالياً حالة من التخفي التام والتوجس الأمني والابتعاد عن وسائل الاتصال الحديثة خوفاً من تعقبه وتوقيفه.

تأتي هذه العودة الاضطرارية في ظل ملف قضائي لبناني ثقيل يلاحق عيد منذ عام 2014؛ إذ صدر بحقه قرار اتّهامي عسكري غيابي بالإعدام من قِبل قاضي التحقيق العسكري الأول رياض أبو غيدا، وذلك لاتهامه بالضلوع المباشر في تفجيري مسجدي التقوى والسلام في طرابلس عام 2013، اللذين أسفرا عن مقتل وجرح المئات. وتضاف إلى هذا الملف تهم أخرى تتعلق بقيادة فصائل مسلحة غير قانونية في جولات الاقتتال التاريخية بين منطقتي جبل محسن وباب التبانة، وتهديد شعبة المعلومات التابعة لقوى الأمن الداخلي، فضلاً عن تهريب مطلوبين آخرين إلى سوريا بتسهيل من والده الراحل النائب السابق علي عيد، الذي طُوي ملفه الشخصي بوفاته بينما بقيت تبعاته القانونية والسياسية تطارد العائلة والحزب.


ثانياً: الفرضية الاستشرافية لسيناريو “موسكو” وعوائقها اللوجستية والسياسية

في محاولة لاستشراف المخارج الممكنة لرفعت عيد، تداولت بعض الأوساط السياسية فرضية معقدة تفترض إمكانية التحاقه برئيس النظام السوري السابق بشار الأسد في منفاه بروسيا، والعمل معه بشكل مشترك على إعادة تنظيم وتموضع الطائفة العلوية عابرةً للحدود بين سوريا ولبنان. إلا أن التحليل الهادئ والواقعي لعوامل هذه الصورة الاستشرافية يظهر ضعف قابليتها للتحقق في ظل تضافر عوائق لوجستية وسياسية كبرى:

  1. معضلة الوصول الجغرافي: تمثل مغادرة عيد للأراضي اللبنانية العقبة الأكثر تعقيداً؛ نظراً لكونه مطلوباً محلياً ومدرجاً على قوائم الإنتربول الدولي، مما يجعل سفره بالطرق الرسمية مستحيلاً. كما أن روسيا، التي توصي رعاياها بتجنب السفر إلى لبنان بسبب الأوضاع الأمنية، قد تجد في منحه حق اللجوء إحراجاً دبلوماسياً يتعارض مع رغبتها الحالية في صياغة علاقات مستقرة مع الحكومة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع.

  2. عزلة الأسد وتراجع رمزيته: لم يعد بشار الأسد، المقيم في روسيا منذ ديسمبر 2024 تحت تدابير أمنية صارمة، يملك الأدوات التنفيذية لتفعيل حركات سياسية أو عسكرية؛ لاسيما في ظل مطالبة السلطات السورية الجديدة لموسكو بتسليمه، ورغبة الكرملين في تجميد نشاطه السياسي لضمان مصالحها الاستراتيجية في دمشق وحفظ توازن ديونها التي تتراوح بين 20 إلى 23 مليار دولار.


ثالثاً: الأبعاد الثلاثة لإعادة تموضع الطائفة العلوية

عند تفكيك المشهد الحالي للطائفة العلوية، نجد أن التطورات الفعلية تسير في مسارات تتجاوز منطق القيادات التقليدية السابقة (الأسد وعيد)، وتتوزع على ثلاثة أبعاد رئيسية:

البعد الأول: التحول من “مفهوم السلطة” إلى “الأقلية السياسية الشريكة”

عقب انهيار النظام الحاكم، شهدت الطائفة العلوية مخاضاً داخلياً لإعادة تعريف دورها بعيداً عن صبغة الاستبداد أو الارتباط الدائم بالنظام السابق. وتجلى هذا التحول بوضوح في المبادرة السياسية التي أطلقها “المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر” بقيادة الشيخ غزال غزال في ربيع عام 2025؛ حيث أعلن المجلس صراحةً انتقال الطائفة من موقع “الشريك في السلطة” إلى موقع “الشريك في الدولة والمواطنة”. وطالب البيان بالعدالة الانتقالية، واللامركزية الموسعة، رافضاً منطق الانتقام الطائفي مع الدعوة لوضع آليات حماية دولية لمدنيي منطقة الساحل السوري لمنع أي تطهير عرقي ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات عبر الهيئات القضائية الدولية.

البعد الثاني: مأسسة الروابط العابرة للحدود (سوريا – لبنان)

تاريخياً، كان الحزب العربي الديمقراطي في جبل محسن بطرابلس أداة لوصل علويي لبنان بالنظام السوري أمنياً وعسكرياً، غير أن المتغيرات الراهنة تفيد بأن علويي سوريا يبذلون جهوداً حثيثة لتطوير أطر تنظيمية مدنية مستقلة (مثل “المجلس السياسي لغرب ووسط سوريا” المؤسس في أغسطس 2025) بهدف توحيد الخطاب الاجتماعي والسياسي ومخاطبة القوى الدولية الفاعلة. وتسعى هذه الهياكل الجديدة بصورة واضحة إلى فك الارتباط برموز الحقبة الماضية، مؤكدةً في بياناتها الرسمية أن تمثيل الطائفة يجب أن يقوم على مطالب حقوقية ودستورية لا على ولاءات شخصية ضيقة تفرضها أطراف خارجية أو قيادات تقليدية مثل رفعت عيد.

البعد الثالث: توظيف واستثمار الورقة الروسية

تحرص موسكو على الاحتفاظ بالرموز السياسية السابقة للأقليات، بما في ذلك بشار الأسد، ليس كحلفاء فاعلين، بل كأوراق ضغط تفاوضية صامتة في اللعبة الدبلوماسية الدولية الحالية والمستقبلية. ومع تقارب روسيا التدريجي مع الحكومة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع، يبقى الملف الأمني للأقليات وحمايتهم أحد قنوات التفاوض الأساسية لضمان مصالح روسيا الحيوية في منشآتها العسكرية كقاعدة حميميم ومرفأ طرطوس.


رابعاً: السيناريو الأكثر واقعية للمرحلة القادمة (2025 – 2026)

بالنظر إلى تقييم الفرص والعقبات الجيوسياسية، فإن احتمال تحقق الصورة الاستشرافية القاضية بتشكيل محور مشترك بين الأسد وعيد في روسيا لا يتعدى 20% إلى 25%. وبديلاً عن ذلك، يتوقع أن تتشكل ملامح المرحلة القادمة وفق مسارات عملية أكثر واقعية:

  • تطوير إطار علوي مستقل: يستمر الشارع العلوي في سوريا والمهجر في الالتفاف حول قيادات دينية وسياسية بديلة تطالب بحلول فيدرالية أو لامركزية موسعة، وتسعى للحصول على ضمانات دولية مباشرة بمعزل عن عائلة الأسد.

  • إبقاء الأسد ورقة ضغط صامتة: تواصل روسيا تقديم الحماية اللوجستية لبشار الأسد في موسكو كورقة مناورة مع دمشق والمجتمع الدولي، دون السماح له بتنفيذ نشاطات سياسية ملموسة.

  • بقاء عيد في دائرة التخفي: يرجح بقاء رفعت عيد متوارياً في ريف عكار شمالي لبنان، معتمداً على اتصالات وقنوات سرية غير مباشرة مع بعض الرموز في الداخل السوري، بينما يبقى عاجزاً عن التواجد العلني في جبل محسن أو مغادرة لبنان جراء الضغوط القضائية المستمرة.

  • التفاوض الرسمي على ضمانات الأقليات: تجري صياغة مستقبل وحقوق الأقليات عبر قنوات تفاوضية رسمية تجمع الحكومة السورية الجديدة (الشرع) بروسيا والأمم المتحدة والقوى الإقليمية الفاعلة، بالاستناد إلى مبادئ حماية حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية واللامركزية الإدارية.

وبناءً على هذه المعطيات المتداخلة، تظل الطروحات المرتبطة بعودة نشاط الرموز السابقة للواجهة رهينة قراءات سياسية تتجاوز الواقع العملي المباشر. وستبقى الأيام المقبلة مرهونة بمدى فاعلية الإجراءات القضائية، أو بنجاح جهود التخفي في تأمين مخرج مؤقت لشخصية لا تزال تشكل جزءاً من ذاكرة الصراعات الأمنية المعقدة في شمال لبنان.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …