أحدث السقوط المتسارع للنظام السوري السابق أواخر عام 2024 وبدايات عام 2025 هزة ارتدادية واسعة النطاق تجاوزت الحدود السورية لتطال توازنات القوى والشخصيات المرتبطة بها في دول الجوار، وعلى رأسها لبنان. وفي قلب هذه التحولات الجيوسياسية الحادة، برز مجدداً اسم رفعت عيد، الأمين العام للحزب العربي الديمقراطي اللبناني، كشخصية يتقاطع في ملفها البعد الجغرافي والأمني مع مأزق قضائي معقد ومستقبل طائفة تجد نفسها اليوم في مخاض إعادة تعريف دورها وجودياً وسياسياً في منطقة الشرق الأوسط.
وفي ظل عزلته الميدانية والسياسية الحالية، تبرز في القراءات التحليلية تساؤلات حول طبيعة الأوراق البديلة التي يمكن أن يرتكز عليها لفتح قنوات اتصال مع القوى الدولية المؤثرة، وتحديداً روسيا. ومن بين هذه الفرضيات المطروحة، تبرز إمكانية محاولته الاستفادة من الخصوصية الجغرافية والسياسية للطائفة الرومية الأرثوذكسية في طرابلس والشمال اللبناني، نظراً للروابط التاريخية والروحية العميقة التي تجمع هذه الطائفة بروسيا، ومركز ثقلها الأكاديمي والروحي المتمثل في “البلمند”.
أولاً: واقع رفعت عيد ومأزقه القانوني والديمغرافي في شمال لبنان
بعد ما يقرب من عقد من الاستقرار النسبي في الساحل السوري تحت كنف حماية النظام السابق، فرضت التغيرات الميدانية الأخيرة على رفعت عيد مغادرة الأراضي السورية على نحو عاجل. وتشير تقارير إعلامية متقاطعة إلى أنه تسلل عبر ممرات غير شرعية إلى منطقة عكار في شمال لبنان، وتحديداً في بلدة “حكر الضاهري” الحدودية، حيث يعيش حالياً حالة من التخفي التام والتوجس الأمني والابتعاد عن وسائل الاتصال الحديثة خوفاً من تعقبه وتوقيفه، محاطاً بنطاق ضيق للغاية لا يتعدى 3 إلى 5 مساعدين مقربين.
يعيش عيد هذا اللجوء الاضطراري في بيئة شمالية معقدة ديمغرافياً؛ حيث تتوزع الطائفة العلوية في لبنان (والتي يُقدر تعدادها الإجمالي بنحو 115,000 نسمة) بنسبة 60% في طرابلس وجبل محسن (نحو 69,000 نسمة)، و38% في عكار وقراها (نحو 43,700 نسمة)، بينما يتوزع الـ 2% المتبقون في مناطق لبنانية أخرى.
ويأتي هذا التخفي في ظل ملف قضائي لبناني ثقيل يلاحق عيد منذ عام 2014؛ إذ صدر بحقه قرار اتّهامي عسكري غيابي بالإعدام من قِبل قاضي التحقيق العسكري الأول رياض أبو غيدا، لاتهامه بالضلوع المباشر في تفجيري مسجدي التقوى والسلام في طرابلس عام 2013. وتضاف إلى هذا الملف تهم أخرى تتعلق بقيادة فصائل مسلحة في جولات الاقتتال التاريخية بين منطقتي جبل محسن وباب التبانة، وتهديد شعبة المعلومات، فضلاً عن تهريب مطلوبين آخرين إلى سوريا بتسهيل من والده الراحل النائب السابق علي عيد.
ثانياً: الفرضية الأرثوذكسية وامتدادات “البلمند” نحو روسيا
في سياق بحثه عن طوق نجاة، تطرح بعض القراءات فرضية محاولة عيد استثمار العلاقات الوثيقة التي تربط الأوساط الأرثوذكسية في شمال لبنان بموسكو. وتتشارك الطائفتان العلوية والأرثوذكسية في الشمال جغرافية سياسية معقدة؛ حيث تعيشان كأقليتين متجاورتين في محيط ذي غالبية سنية. ومن الناحية التاريخية، شهدت العقود الماضية تقاطعات سياسية غير مباشرة بين شرائح من الطائفتين، لاسيما عبر الانخراط المشترك في أحزاب علمانية مثل الحزب السوري القومي الاجتماعي، أو من خلال تلاقي المصالح السياسية تحت مظلة تحالفات “8 آذار” المؤيدة لدمشق.
من هذا المنطلق، يرى بعض المحللين أن رفعت عيد قد يحاول استثمار هذه الشبكة من العلاقات المحلية، والبحث عن قنوات تواصل مع الجانب الروسي عبر صرح دير سيدة البلمند البطريركي وجامعته في الكورة، الذي يمثل الرمزية الأكاديمية والروحية الأبرز لبطريركية أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس. وتحتفظ الكنيسة الأنطاكية، وصرح البلمند على وجه الخصوص، بعلاقات تاريخية وثقافية وطيدة مع الكنيسة الأرثوذكسية الروسية ومع الهيئات الدبلوماسية والثقافية التابعة لموسكو في بيروت، وتبرز معالم هذه العلاقة في مظاهر متعددة:
-
التبادل الأكاديمي والروحي: زيارات دورية لوفود روسية دينية وأكاديمية ودبلوماسية لجامعة البلمند ومعهد اللاهوت.
-
الدبلوماسية الثقافية الروسية: تركيز موسكو على دعم المؤسسات الأرثوذكسية كجزء من قوتها الناعمة وسياساتها التقليدية في المشرق.
-
الفعاليات المشتركة: مثل أنشطة جوقة جبل لبنان للروم الأرثوذكس، والصلوات المشتركة بالطقس البيزنطي الأرثوذكسي باللغة العربية.
من الناحية النظرية، يدرك رفعت عيد أن صرح البلمند يمثل نقطة جذب أساسية للدبلوماسية الروسية في لبنان. لذا، فإن محاولة الاقتراب من الدوائر المحيطة بهذا الصرح، أو الاستعانة بشخصيات قريبة منه، قد تمثل وسيلة غير مباشرة للوصول إلى مراكز القرار الروسي المعنية بملفات الشرق الأوسط وشمال لبنان.
ثالثاً: آليات الاستفادة المفترضة من “تحالف الأقليات”
إذا حاول رفعت عيد تفعيل هذا المسار، فمن المرجح أن ترتكز آلياته على ثلاثة مسارات أساسية:
-
الوساطة عبر شخصيات مستقلة: البحث عن وسطاء أرثوذكس من السياسيين السابقين أو رجال الأعمال الذين يجمعهم تعاون تجاري أو ثقافي مع مؤسسات روسية، ليكونوا قنوات اتصال بديلة تنقل رغبته في الحصول على مخرج أمني أو سياسي.
-
طرح سردية “المصير المشترك”: محاولة الترويج لخطاب سياسي يركز على “تحالف الأقليات” وحماية التعددية في شمال لبنان وسوريا بعد تحولات عام 2024، وهي سردية تتلاقى نظرياً مع المبررات التاريخية للتدخل الروسي في المنطقة لحماية الأقليات المشرقية.
-
التواصل مع المراكز الثقافية والجمعيات: محاولة فتح قنوات اتصال مع الجمعيات الروسية-اللبنانية المشتركة الناشطة في الشمال، والتي تضم نخباً أرثوذكسية من خريجي الجامعات الروسية، كمدخل للنقاش الدبلوماسي غير الرسمي.
رابعاً: العقبات الواقعية وحدود المناورة
على الرغم من الجاذبية النظرية لهذه الفرضية في أوساط قراءات “حلف الأقليات”، إلا أن التطبيق الفعلي يبدو محفوفاً بصعوبات بالغة تجعل من الصعب تحقيق نتائج ملموسة:
-
الحياد الصارم للمؤسسة الكنسية: تحرص بطريركية أنطاكية وإدارة جامعة البلمند على النأي التام بنفسها عن التجاذبات السياسية والصراعات العسكرية المحلية. ومن المستبعد تماماً أن تقبل هذه المؤسسات ربط اسمها أو تقديم أي شكل من أشكال الغطاء لشخصية تواجه اتهامات جنائية وأمنية كبرى كرفعت عيد، حرصاً على سلامة الطائفة وعلاقاتها التاريخية المتوازنة مع كافة المكونات اللبنانية، لاسيما في طرابلس ذات الغالبية السنية.
-
البراغماتية الروسية: تتعامل موسكو مع ملفات المنطقة بناءً على حسابات مصالح الدولة العليا والموازين الاستراتيجية، وليس عبر الاستجابة العاطفية لنداءات الأقليات. وتضع روسيا علاقاتها مع الحكومة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع ومع بيروت الرسمية كأولوية قصوى، ولن تخاطر بعلاقاتها الرسمية من أجل توفير غطاء لشخصية ملاحقة قضائياً بتهم الإرهاب.
-
الحساسية الأرثوذكسية الشمالية: تدرك الفعاليات الأرثوذكسية في الكورة وطرابلس أن أي محاولة للعب دور الوسيط لصالح أطراف أمنية متورطة في نزاعات طرابلس السابقة قد ترتد سلباً على أمن واستقرار مناطقهم، وتهدد السلم الأهلي الهش في الشمال. فالعيش المشترك مع المحيط السني يمثل ضرورة وجودية تتقدم على أي علاقات طارئة مع أطراف ملاحقة قضائياً.
خامساً: الأبعاد الثلاثة لإعادة تموضع الطائفة العلوية
يتزامن مأزق رفعت عيد مع حراك أوسع تعيشه الطائفة العلوية في سوريا لإعادة تعريف موقعها السياسي خارج عباءة الشخصيات التقليدية والعائلات الحاكمة السابقة، ويتوزع هذا الحراك على ثلاثة أبعاد رئيسية:
البعد الأول: التحول من “مفهوم السلطة” إلى “الأقلية الشريكة”
عقب انهيار النظام الحاكم، شهدت الطائفة العلوية مخاضاً داخلياً برز بوضوح في المبادرة السياسية التي أطلقها “المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر” بقيادة الشيخ غزال غزال في ربيع عام 2025؛ حيث أعلن المجلس صراحةً انتقال الطائفة من موقع “الشريك في السلطة” إلى موقع “الشريك في الدولة والمواطنة”. وطالب البيان بالعدالة الانتقالية، واللامركزية الموسعة، رافضاً منطق الانتقام الطائفي مع الدعوة لوضع آليات حماية دولية لمدنيي منطقة الساحل السوري لمنع أي تطهير عرقّي.
البعد الثاني: مأسسة الروابط المستقلة عابرة الحدود
تسعى الهياكل السياسية والاجتماعية الجديدة للعلويين (مثل “المجلس السياسي لغرب ووسط سوريا” الشامل لممثلي الساحل وحمص وحماة والمؤسس في أغسطس 2025) إلى صياغة خطاب مدني مستقل بعيد عن ارتباطات الماضي الاستبدادي. وقد عبرت هذه المجالس بوضوح عن رفضها لـ “أي وفود تمثيل مفروضة” تعيد إنتاج رموز عائلة الأسد أو رفعت عيد، مؤكدة أن تمثيل الطائفة يجب أن يرتكز على الحقوق الدستورية والتمثيل الجماعي لا على ولاءات فردية.
البعد الثالث: الموقف الروسي المتوازن
تتعامل موسكو مع الملف السوري ككيان سياسي جديد؛ فرغم احتفاظها ببشار الأسد في منفاه بموسكو كأداة ضغط دبلوماسية ورهينة سياسية صامتة (مع رفض تسليمه لحكومة الشرع)، إلا أنها ترفض تقديم لجوء أو رعاية لشخصيات ملاحقة مثل رفعت عيد لتجنب تقويض علاقاتها النامية مع السلطة الجديدة في دمشق وحرصاً على تفاهماتها الإقليمية والدولية.
سادساً: مقارنة المسارات والسيناريو الأكثر واقعية (2025 – 2026)
من خلال قراءة مقارنة للاحتمالات والمسارات المتاحة أمام رفعت عيد والطائفة العلوية، تتضح المعطيات التالية:
-
مسار القناة الأرثوذكسية (البلمند): احتمال ضئيل جداً لا يتعدى 5%؛ بسبب الصرامة الشديدة في الحياد الكنسي ورفض الغطاء للملاحقين قضائياً.
-
مسار التعاون مع بشار الأسد في موسكو: احتمال ضعيف بحدود 30%؛ نظراً لكون الأسد يعيش منفى سلبياً غير مفعل سياسياً وتحت قيود روسية مشددة.
-
مسار التمثيل المستقل عبر المجلس العلوي: احتمال مرتفع جداً يناهز 90%؛ كونه يحاكي التوجه الشعبي الفعلي للعلويين بالانفصال عن إرث الاستبداد والمطالبة بضمانات دستورية ضمن إطار الدولة السورية.
-
المسار اللبناني المباشر: احتمال متوسط بحدود 40%؛ ويتمثل في استمرار تخفي عيد في عكار أو انتقاله السري إلى مناطق نفوذ حليفة محلياً، مع بقاء مذكرات التوقيف سيفاً مصلتاً فوق رأسه.