هندسة السمعة الشمالية: كيف تحوّل المطلوب بالإعدام إلى “حبكة في النسيج الطرابلسي” وفزاعة الأسد إلى “حارس للمدينة”؟

يبدو أن مستشاري العلاقات العامة لفلول النظام السوري السابق في لبنان قد قرروا الانتقال بحملة “إعادة التسويق” (Rebranding) من مرحلة التجميل البسيط إلى مرحلة “الواقع الافتراضي الكلي”. فلم يعد الهدف مجرد تبرئة رفعت عيد من تهم الإرهاب وتفجير المساجد، بل تحويله بلمسة سحرية تسويقية إلى “أيقونة تراثية طرابلسية” لا تكتمل هوية المدينة بدونها، بالتزامن مع تشغيل “ماكينة الرعب الوجداني” لتهويل الخصوم بظلال دمشق الغائبة.

تتجلى هذه الموجة الجديدة من “الهندسة الاجتماعية الساخرة” في تكتيكات طريفة تعيد كتابة التاريخ والجغرافيا، وتصوّر الهارب في ريف عكار كأنه حارس الهيكل الطرابلسي ومفتاح أمانه.


أولاً: سيمفونية “النسيج الطرابلسي”.. كيف ندمج ذئباً في غزل السجاد؟

من أقوى المقطوعات الكوميدية التي تعزفها الماكينة الإعلامية للفلول حالياً هي مقولة أن “رفعت عيد جزء لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي الطرابلسي”.

من الناحية التسويقية، يتطلب هذا الادعاء قدراً هائلاً من الجرأة؛ فنحن نتحدث عن شخص مطلوب للقضاء اللبناني بتهمة التخطيط لتفجير مسجدي “التقوى والسلام” في قلب طرابلس وسط المصلين. لكن في “كتالوج” العلاقات العامة الجديد، يجري تصوير تلك الأحداث الدامية كأنها “مجرد خلاف بسيط بين جيران في لحظة تخلٍ”، أو “سوء تفاهم لوجستي جرى تضخيمه قضائياً”.

تحاول البروباغندا الجديدة رسم صورة لرفعت عيد بوصفه “ابن البلد الوديع” الذي يحنّ إلى أكل “حلاوة الجبن” في أسواق طرابلس القديمة، ويتوق للمشي في شوارعها كأي مواطن صالح يساهم في حركة الإنتاج المحلي. وتذهب الدعاية إلى حد الإيحاء بأن غيابه عن المدينة قد تسبب في “ثلمة عاطفية وثقافية” في وجدان طرابلس، كأن المدينة التي دمرت مساجدها تبكي شوقاً لعودة مهندس تلك اللحظات العصيبة ليُكمل نسيجها الاجتماعي!


ثانياً: فوبيا الشمال.. “طرابلس مخيفة جداً بدوننا!”

بالتوازي مع نغمة “النسيج الوديع”، تحرص الفلول على استخدام تكتيك “التخويف الوقائي” من التوجه إلى طرابلس أو الاستثمار فيها. تروّج الماكينة الدعائية لخطاب أسود يصور الفيحاء كأنها غابة من الفوضى الخلاقة، وبؤرة مغلقة للتطرف لا يمكن لغريب أن يدخلها دون أن يواجه مصيراً غامضاً.

والرسالة الضمنية خلف هذا التهويل هي: “طرابلس مدينة غير آمنة، ولن يضبط أمنها أو يعيد إليها التوازن إلا عودة رفعت عيد وسلاحه ليكون صمام الأمان الوحيد”. هكذا، يتحول المطلوب للعدالة بقرار اتهامي بالإعدام إلى “الضامن الوحيد للأمن القومي الشمالي”، وتصبح المدينة التي تنبض بالحياة اليومية أسيرة في مخيلة الطباخين السياسيين لسيناريوهات الرعب، الذين يحاولون إقناع الناس بأن مفاتيح أمن الشمال لا تزال ضائعة في غرف التخفي في عكار.


ثالثاً: فزّاعة “الرئيس يسجل الأسماء”.. سينما الرعب الاستخباراتية

لأن الكبتاغون والبخور الأرثوذكسي قد لا يكفيان لفرض الهيبة، يصر مستشارو الفلول على إبقاء فزّاعة “الرئيس” حية وجاهزة للاستخدام عند اللزوم.

فرغم أن بشار الأسد يراقب الشتاء الروسي من نافذة في ضواحي موسكو، إلا أن خطوط الدفاع الإعلامي للفلول في الشمال تحاول إقناع الخصوم بأن “الرئيس لم يرحل، بل هو في خلوة تأملية قصيرة”. يهمس مروجو الفكرة في الصالونات السياسية قائلين: “لا تذهبوا بعيداً في خصومتكم، فالرئيس يمتلك دفتراً قديماً يسجل فيه الأسماء، وعيناه الاستخباراتيتان لا تزالان ترصدان جبل محسن وأزقة طرابلس. وما غيابه إلا غمامة صيف، وحين يقرر العودة، سيبدأ بمحاسبة كل من ظن أن النفوذ قد انتهى”.

تحولت هذه التهديدات إلى ما يشبه قصص الأطفال المرعبة؛ حيث يُستحضر غياب الأسد كورقة ابتزاز نفسي لترهيب الأخصام المحليين، ومنعهم من اتخاذ أي خطوات جريئة لتفكيك ما تبقى من خلايا النفوذ القديم، كأن شبح الماضي قادر على إدارة شؤون الحاضر بالريموت كنترول من صقيع سيبيريا.

تبدو محاولات الفلول لتصوير رفعت عيد كـ “خيط ذهبي في النسيج الطرابلسي” أو استخدام فزّاعة “شبح الأسد” أشبه بعرض مسرحي هزلي يعاد عرضه أمام مقاعد فارغة؛ فطرابلس التي نفضت غبار جولات الاقتتال وأعادت بناء مساجدها وتميزت بحيويتها الاقتصادية والاجتماعية، تجاوزت عملياً زمن “الرسائل الأمنية المتفجرة”.

وفي المحصلة، تظل الكوميديا السوداء لهذه البروباغندا عاجزة عن تغيير الواقع العنيد: رفعت عيد يقبع في غرفة معزولة في عكار، يخشى صوت دراجة نارية عابرة ظناً منها أنها دورية لقوى الأمن الداخلي، في حين تواصل طرابلس حياكة نسيجها الحقيقي الخالي من السلاح والمفخخات، تاركة الفلول يبنون قصوراً من الأوهام في فضاء العلاقات العامة الافتراضي.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

تلفيق واقع واحد …. عقل مجنِد مريض

هدية الى سيمون كشر، فادي سعد، وربيع الشاعر وعموم العوائل   ليس خيالاً مريضا حبيب يونس… …