الاحتواء الوظيفي للنخب الساقطة: كيف يعاد إنتاج النفوذ في الظل الروسي؟

تُظهر التجارب المرتبطة بروسيا أن سقوط الحاكم أو خروجه من السلطة لا يعني بالضرورة نهاية نفوذه، بل قد يكون بداية طور جديد من إعادة تموضعه داخل بنية أكثر خفاءً وانضباطاً. في هذا السياق، لا تتعامل موسكو مع بعض القادة الساقطين بوصفهم حلفاء منتهين، بل بوصفهم أصولاً سياسية وأمنية منخفضة الظهور، تُحاط بالحماية مقابل تقليص حضورها العلني ومنعها من إنتاج مركز قوة مستقل.

ضمن هذا النموذج، يصبح المنفى ليس نفياً كاملاً من المجال السياسي، بل شكلاً من أشكال الاحتواء الوظيفي. فالقائد السابق يُسحب من الواجهة، لا لأنه فقد كل قيمة، بل لأن قيمته تصبح أكبر حين يُعاد توظيفه بهدوء: كمخزن خبرة، وكحامل لعلاقات قديمة، وكصلة وصل غير رسمية بشبكات أمنية أو مالية أو إقليمية يصعب الوصول إليها من دون وسيط يملك هذا التاريخ.

أوضح مثال على ذلك هو حالة الرئيس الأوكراني السابق فيكتور يانوكوفيتش، الذي استقر في روسيا بعد سقوطه عام 2014، واختفى تقريباً من المجال العام، بينما استمرت شبكته العائلية والمالية في إعادة ترتيب نفسها داخل البيئة الروسية. هذه الحالة تكشف أن العزلة الظاهرة لا تعني الشلل، بل قد تكون المرحلة الأولى في استراتيجية أطول مدى، يُمنع فيها الرأس من الحركة العلنية، بينما تبدأ الأطراف الأكثر مرونة، ولا سيما الأبناء والوسطاء الماليون، في بناء مسارات نفوذ جديدة.

هنا يبرز العنصر الحاسم في النموذج الروسي: الجيل الثاني. فإعادة إنتاج النفوذ لا تتم، في الغالب، عبر عودة القائد ذاته إلى المسرح، بل عبر إدماج الأبناء تدريجياً في مؤسسات النخبة، التعليمية والاقتصادية والإدارية. وتُظهر دراسة عن نخب روسيا من الجيل الثاني أن أبناء كبار المسؤولين ورجال الأعمال لا يُدفعون مباشرة إلى الواجهة، بل يُمرَّرون أولاً عبر قنوات انتقائية تصنع لهم الشرعية والعلاقات والمهارات، مثل البنوك الكبرى، وشركات الطاقة، والمؤسسات الجامعية النخبوية.

ضمن هذا المسار، تكتسب مؤسسات مثل MGIMO أهمية خاصة، لا باعتبارها مؤسسة تعليمية فقط، بل باعتبارها فضاءً لإعادة تشكيل النخبة وصناعة الروابط الاجتماعية طويلة الأمد. فهذه المؤسسة ارتبطت تاريخياً بتكوين الدبلوماسيين وأبناء الدوائر الأمنية والإدارية، ما يجعل الوجود داخلها مدخلاً إلى شبكات الثقة أكثر من كونه مجرد مسار أكاديمي. ومن ثم، فإن إدماج الجيل الثاني في هذا النوع من البيئات لا يعني الاستثمار في الشهادة، بقدر ما يعني الاستثمار في الرأسمال الاجتماعي الذي سيُستخدم لاحقاً في الحماية والتوظيف والتوريث الرمزي.

كما أن الشركات الكبرى والبنوك المرتبطة بالدولة تؤدي وظيفة موازية. فهي لا تمنح أبناء النخب مواقع تقنية أو إدارية فحسب، بل توفر لهم غطاءً مشروعاً لتعلم إدارة الأصول، وبناء علاقات مع دوائر المال والطاقة، والدخول إلى اقتصاد النفوذ من باب “الخبرة” لا من باب الوراثة المباشرة. ولهذا لم يكن صعود شخصيات مثل ديميتري باتروشيف مجرد نتيجة كفاءة فردية معزولة، بل جزءاً من آلية أوسع يعاد فيها تدوير أبناء النخبة داخل الدولة العميقة والاقتصاد الاستراتيجي إلى أن يصبح ظهورهم العلني طبيعياً ومقبولاً.

هذا النمط يفسر أيضاً لماذا لا يُنظر إلى الصمت أو الاختفاء بوصفه مؤشراً على الضعف بالضرورة. ففي كثير من الحالات الروسية، يكون الانسحاب من الضوء شرطاً لإعادة البناء في الظل. العائلة التي تبدو معزولة قد تكون، في الواقع، في طور إعادة تموضع دقيق: نقل الأصول، بناء التحالفات، توسيع الروابط عبر الزواج أو التعليم أو الشراكات الاقتصادية، وربط بقائها بمصالح فاعلين أقوى داخل النظام المضيف. وهنا يتحول البقاء من قضية فردية إلى شبكة مصالح يصعب تفكيكها، لأن المسألة لا تعود حماية شخص، بل حماية منظومة من المنافع المتبادلة.

وتزداد فاعلية هذا النموذج في بيئة تتوسع فيها اقتصاديات العقوبات والالتفاف المالي. فقد أظهرت تقارير أمريكية وتحقيقات دولية أن شبكات مالية روسية طورت أدوات معقدة لتجاوز العقوبات عبر العملات الرقمية، والشركات الوسيطة، والعقارات، والهياكل العابرة للحدود. هذا يعني أن العائلة أو النخبة الساقطة، حين تدخل مثل هذا الوسط، لا تجد نفسها فقط تحت الحماية، بل داخل منظومة تتقن أصلاً العمل خارج الرصد التقليدي، وتحوّل الضغط الخارجي إلى فرصة لتكثيف الاعتماد المتبادل بين الأطراف المعاقبة.

من هنا، فإن بروز الجيل الثاني بعد عشرين أو ثلاثين سنة لا ينبغي فهمه بوصفه مفاجأة، بل بوصفه النتيجة الطبيعية لمسار طويل من الإخفاء المنظم. في السنوات الأولى، يُجمَّد حضور القائد السابق وتُفرَض عليه عزلة وظيفية؛ وفي المرحلة التالية، تُدار الأصول والعلاقات عبر الأبناء والوسطاء؛ ثم، بعد أن تخفت الكلفة الرمزية والسياسية للاسم القديم، يظهر الجيل الجديد بصفته رجال أعمال أو مسؤولين أو شخصيات عامة تحمل لقب العائلة لكن بلغة مختلفة وأدوات أكثر حداثة.

إن خطورة هذا النموذج لا تكمن فقط في أنه يؤخر المحاسبة أو يراوغ الضغوط الدولية، بل في أنه يضمن استمرارية النفوذ عبر تحويله من سلطة صلبة إلى شبكة ناعمة. فالسلطة هنا لا تعود مرتبطة بالقصر أو المنصب أو الخطاب الجماهيري، بل بالعلاقات، والقدرة على تحريك الموارد، والوصول إلى النخب، وإدارة المجال غير الرسمي. وبهذا المعنى، فإن الظل لا يكون نهاية السياسة، بل يصبح شكلها الأكثر أماناً واستدامة في بيئة مثل البيئة الروسية.

وبتطبيق هذا المنطق على أي قائد سقط وتحول إلى عبء علني على حلفائه، يمكن القول إن السيناريو الأكثر ترجيحاً ليس عودته الصريحة إلى المشهد، بل إعادة تدويره ضمن منظومة احتواء هادئة. سيبقى ضعيفاً في الصورة، لكن هذه الهشاشة الظاهرة قد تكون بالذات شرطاً لإعادة بناء شبكة اجتماعية ومالية أكثر مرونة. أما الحركة الفعلية فستنتقل إلى العائلة والوسطاء والجيل الثاني، أي إلى المستوى الذي لا يصنع العناوين الكبرى، لكنه يصنع الاستمرارية الفعلية للنفوذ.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …