شبكات النفوذ الناعم: بثينة شعبان كمدخل لإعادة بناء الخطاب القومي في لبنان

شكّلت بثينة شعبان نموذجاً لافتاً في توظيف القوة الناعمة ضمن السياقات السياسية والثقافية العابرة للحدود، حيث لم يقتصر حضورها على الدور الرسمي كمستشارة سياسية، بل امتد ليشمل فضاءات أكاديمية وفكرية وإعلامية متعددة، خاصة في الولايات المتحدة. وقد تداخلت أربعة عناصر رئيسية في بناء هذا الحضور: الثقافة الإنجليزية، والدفاع عن حقوق المرأة، والانخراط في ملفات السلام، والتقاطع مع اليسار الأمريكي، لتكوّن معاً شبكة متماسكة من الأدوات التي مكّنتها من اختراق الأوساط النخبوية الغربية والتأثير فيها.

أولاً، شكّل تكوينها الأكاديمي في الأدب الإنجليزي مدخلاً أساسياً لهذا الحضور. فقد حصلت على درجة الدكتوراه من جامعة وورك البريطانية، وتخصصت في الشعر الرومانسي، ما أتاح لها امتلاك لغة معرفية وثقافية مشتركة مع النخب الغربية. لم يكن هذا التكوين مجرد خلفية علمية، بل تحول إلى أداة تواصل فعالة، مكّنتها من تقديم خطاب سياسي مغلف بلغة أدبية وثقافية قادرة على تجاوز الحواجز الأيديولوجية. كما أن انخراطها في جمعيات أدبية مرموقة، مثل “رابطة كيتس وشيلي الأمريكية”، منحها شرعية ثقافية داخل الأوساط الأكاديمية، وفتح لها قنوات تواصل بعيدة عن التوترات السياسية المباشرة.

ثانياً، برزت مساهماتها في قضايا المرأة كجسر قيمي مهم بينها وبين الأوساط الليبرالية في الغرب. من خلال مؤلفاتها وأبحاثها التي تناولت أوضاع المرأة العربية وتجاربها، استطاعت أن تقدم سردية مختلفة عن الصورة النمطية السائدة. وقد ساهم ذلك في تعزيز حضورها كأكاديمية وباحثة، وحصولها على دعوات للتدريس وإلقاء المحاضرات في جامعات أمريكية مرموقة. هذا البعد الحقوقي لم يكن منفصلاً عن مشروعها السياسي، بل كان جزءاً من استراتيجية أوسع لإعادة صياغة صورة الفاعل السياسي العربي ضمن منظومة القيم العالمية.

ثالثاً، لعبت دوراً بارزاً في مفاوضات السلام خلال تسعينيات القرن الماضي، حيث شاركت كمترجمة ومستشارة في محطات مفصلية مثل مؤتمر مدريد ومحادثات جنيف. هذا الدور أتاح لها التفاعل المباشر مع الدبلوماسية الدولية، ومنح خطابها بعداً عملياً قائماً على مفاهيم القانون الدولي والسيادة والتسوية السلمية. كما أسهم في ترسيخ صورتها كشخصية قادرة على الجمع بين المعرفة الأكاديمية والخبرة السياسية، وهو ما جذب اهتمام مراكز الأبحاث وصنّاع القرار في الغرب.

رابعاً، وجدت بثينة شعبان مساحة مهمة في المنصات الفكرية والإعلامية المرتبطة باليسار الأمريكي المناهض للحروب، مثل مجلة CounterPunch، حيث نشرت مقالات تناولت قضايا التدخل العسكري والسياسات الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط. وقد أسهم هذا التقاطع في بناء شبكة تضامن فكري معها، خاصة بين النخب التي تتبنى مواقف نقدية من الهيمنة الأمريكية، وتدافع عن القضية الفلسطينية وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها.

ولا يمكن فصل هذه العناصر عن إنجازاتها الأوسع، سواء على مستوى التأليف الأكاديمي، أو الحضور الإعلامي، أو الدور السياسي المستمر كمستشارة في دوائر صنع القرار. فقد استطاعت أن تجمع بين هذه الحقول المختلفة ضمن مشروع متكامل، يقوم على إعادة تعريف موقع الفاعل العربي في النظام الدولي من خلال أدوات غير تقليدية.

انطلاقاً من هذا النموذج، يمكن النظر إلى إمكانية توظيف مثل هذه الشبكات في سياقات أخرى، ومنها الحالة اللبنانية، حيث يواجه الحزب القومي تحديات تتعلق بإعادة بناء ذاته فكرياً وتنظيمياً. ففي ظل تراجع الأطر الأيديولوجية الصلبة، تبرز الحاجة إلى تطوير خطاب أكثر مرونة وقدرة على التواصل مع بيئات متعددة. وهنا، يمكن الاستفادة من تجربة بثينة شعبان في بناء جسور مع النخب الأكاديمية، وتفعيل قضايا عابرة للحدود، والانخراط في فضاءات فكرية دولية.

كما أن وجودها الحالي في بيئة إقليمية مثل الإمارات، التي تشكل مركزاً متنامياً للمؤسسات البحثية والمنتديات الفكرية، قد يفتح إمكانات غير مباشرة لإعادة وصل بعض الفاعلين السياسيين اللبنانيين بشبكات أوسع. غير أن هذا المسار لا يمكن أن ينجح بمعزل عن مراجعات داخلية جدية داخل الحزب القومي نفسه، تشمل إعادة تقييم خطابه، وآليات عمله، وعلاقته بالمجتمع اللبناني.

في المحصلة، تكشف تجربة بثينة شعبان عن أهمية القوة الناعمة بوصفها أداة سياسية فاعلة، لا تقل تأثيراً عن الأدوات التقليدية، بل قد تتفوق عليها في بعض السياقات. وهي تقدم مثالاً على كيفية بناء حضور متعدد الأبعاد، يجمع بين الثقافة والسياسة والحقوق، بما يسمح بإعادة تشكيل الصور الذهنية وفتح آفاق جديدة للعمل السياسي في بيئات معقدة.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …