بانوبتيكون الرعاية الطائفية: تحوير حقوق الإنسان، وعسكرة العلاقات، وسؤال تحرير العائلة المصغرة في لبنان

كيف يمكن لهذه النواة الأسرية الصغيرة أن تفك ارتباطها بشبكات الرعاية الطائفية والسياسية دون أن تقع في فخ العوز أو النبذ الكامل؟ هل تفكر بالاستقلال مع رفعت عيد، عن المناضلين؟ الذي يبيع نفسه بربطة خبز، يبيع غيره، بفتاته!

تقرير-المصير-شان-وحق – فردي!

تُعد دراسة البنى الاجتماعية والسياسية في المجتمعات التي تمر بأزمات بنيوية ممتدة مدخلاً أساسياً لفهم كيفية إعادة إنتاج أدوات السيطرة والهيمنة. وفي الحالة اللبنانية، يبرز نموذج تحليلي يتجاوز التفسيرات التقليدية للزبائنية السياسية، وهو ما يمكن تسميته بـ “بانوبتيكون الرعاية الطائفية” (The Sectarian Care Panopticon). هذا النظام يمثل شبكة رقابية واجتماعية شاملة، ترتكز على تفريغ مفهوم حقوق الإنسان من مضمونه القانوني والأخلاقي، وتحويله إلى أدوات للتخضيع والتبعية المستمرة من الطفولة إلى الرشد.

تبدأ دينامية هذا البانوبتيكون من خلال عملية تعمد فيها المنظومة الحاكمة إلى إبقاء حقوق الإنسان الأساسية—كالطبابة، والتعليم، والعمل، والمسكن—في حالة تعطل مستمر وغير محققة من قبل مؤسسات الدولة الرسمية. هذا الغياب الممنهج لشبكات الأمان الوطنية يتيح “للزعيم” أو سلطة الطائفة التدخل لسلخ هذه الحقوق عن صفتها كحقوق عالمية أصيلة ومجردة، وإعادة تقديمها بصفتها “مكرمات” أو “خدمات مشروطة” بالولاء السياسي والانتماء الطائفي. وبذلك، يتراجع الحق الإنساني من كونه سياقاً قانونياً يكفل كرامة الفرد، ليتحول إلى مجرد “بنية بقاء” (Survival Structure) يتطلب نيلها الخضوع لشروط السلطة الطائفية.

هذا التحوير البنيوي للحقوق ينعكس مباشرة على نواة المجتمع، وهي العائلة، التي واجهت تحولاً عميقاً حال دون اندماجها في الحياة المدنية. لم تعد العائلة مساحة خاصة للتنشئة الحرة والنمو الفردي، بل تحولت إلى مسرح للتجيش الطائفي المنظم ومصنع لإعادة إنتاج الهويات المغلقة. في هذا الفضاء الأسري، يتم بانتظام حرف الطموحات الفردية والإنسانية للأبناء عن أهدافها السامية—مثل الإبداع الحر، والتفكير النقدي، والمساهمة في بناء فضاء عام مشترك يتجاوز الانقسامات. وبدلاً من أن تسعى التنشئة إلى تمكين الفرد من تحقيق ذاته كعضو فاعل ومستقل، تُقزم طموحاته وتُوجه نحو مسارات مرسومة سلفاً تخدم البنية الطائفية.

يصبح التفوق الأكاديمي، أو النجاح المهني، أو الطموح الشخصي في هذا السياق أداة تُوظف لتعزيز موقع العائلة داخل الطائفة، أو وسيلة للحصول على حظوة لدى “الزعيم”، مما يفرغ طموح الإنسان من بعده الإنساني الأشمل ويحوله إلى آلية للارتقاء الزبائني الضيق. ومن خلال هذا الاحتواء للطاقات الكفوءة، يؤمن “الزعيم” شبكة أمان لحماية نفسه وإنهاء ملفات جرمية أو انتهاكات قد يكون اقترفها أو كان شريكاً فيها؛ إذ يُعاد توجيه هذه الكفاءات للدفاع عن مصالح المنظومة وتبرير تجاوزاتها قانونياً وإدارياً. وتتم هذه العملية عبر تشويه ممنهج للقيم الإنسانية والمهنية؛ إذ يُستخدم أقصى أنواع العنف الرمزي والمادي لتطويع المنظومة القيمية للفرد، حتى يصل إلى قناعة ذاتية بأنه “دُجّن” تماماً بفعل العنف والضغط المستمر، وأن التواطؤ هو الخيار الواقعي الوحيد المتاح للاستمرار.

ويقود هذا الضغط المتواصل إلى تفكيك الهوية الجوهرية للعائلة؛ حيث تفقد الأسرة صفتها الأصلية كملاذ للأمان العاطفي والدعم غير المشروط، وتتحول إلى مجرد وحدة وظيفية لتأمين القوت اليومي عبر قنوات التخضيع. وهنا تبرز أزمة الأدوار الجندرية العصرية؛ فبينما يطمح الثنائي الحديث (الزوج والزوجة) إلى التأسيس لعلاقة تشاركية متكافئة تتجاوز الأنماط التقليدية وتسمح بالنمو المهني والشخصي المستقل لكلا الطرفين، يصطدم هذا الطموح بمتطلبات “بانوبتيكون الرعاية”. يُجبر الرجل غالباً على إعادة إنتاج دور “المعيل الحمائي” المرتبط بالتبعية للزعيم لتأمين الخدمات، في حين تُحاصر المرأة داخل منظومة أحوال شخصية طائفية تحرمها من حقوقها القانونية المستقلة وتكرس تبعيتها الأسرية. هذا التشويه للأدوار الجندرية العصرية يحول دون تشكل عائلة متوازنة، ويعيد إنتاج علاقات القوة التقليدية داخل المنزل كإنعكاس لعلاقات القوة الطائفية في الخارج.

وتحت وطأة هذه الحاجة، تتحول العائلة إلى حلقة في سلسلة التخضيع المستمر لأجل “قوت اليوم”. فبسبب غياب البدائل المدنية، وقوانين الأحوال الشخصية التي تربط الفرد بالطائفة منذ الولادة وحتى الوفاة، أصبحت الأسرة مجبرة على أداء هذا الدور التجييشي لضمان بقائها المادي. وتحت وطأة الخوف من الجوع والنبذ، تحولت الأسرة داخلياً إلى ما يشبه “الخلية الرقابية” الذاتية؛ حيث يمارس الأهل دور الرقيب والمخضع للأبناء، قمعاً لأي تطلعات مستقلة قد تهدد تدفق المساعدات أو الخدمات التي تؤمنها الشبكة الطائفية.

وفي مرحلة التخضيع هذه، تبرز آلية فرز واختزال قاسية يمارسها “الزعيم”؛ حيث يُقيّم الفرد بعد تخضيعه بالكامل بكلفة حاجاته المادية فقط. يفقد الإنسان في نظر السلطة الطائفية قيمته كذات سياسية مستقلة أو كمواطن ذي إرادة حرة، ليتحول إلى بند حسابي في ميزانية السيطرة. يُسعّر الفرد بناءً على الحد الأدنى اللازم لإبقائه حياً ومطيعاً: كلفة علبة دواء، أو قسط مدرسي، أو فرصة عمل متدنية الأجر. هذا التقييم المادي للحاجات يمثل عملية تسليع كاملة لكرامة الإنسان، حيث يُحسب المقابل المادي لإخضاعه بدقة لضمان ألا يتجاوز السقف الذي يبقيه محتاجاً وتابعاً على الدوام.

وفي هذه البنية الحسابية، يجري إلغاء أي ارتباط بين الجهد والتعويض؛ فالمردود الذي يتلقاه الفرد لا يمثل إطلاقاً الراتب الذي يستحقه لقاء عمله الفعلي، ولا يعكس بأي حال من الأحوال مقابل كفاءته أو جدارته العلمية والمهنية. إن منح الفرد تعويضاً عادلاً يتناسب مع كفاءته الحقيقية يُعد خطراً جوهرياً على استقرار المنظومة، لأنه يمنحه مفتاح الاستقلال الاقتصادي والقدرة على التحرر من الحاجة. لذلك، يتعمد النظام فصل القيمة الإنتاجية للفرد عن مردوده المادي، مستبدلاً إياها بـ “معونة استتباع” محسوبة بدقة لتغطية العجز المباشر دون السماح بأي تراكم مالي قد يمهد لتأسيس خيارات مستقلة.

إن ما يكسبه “الزعيم” أو المنظومة الحاكمة من خلال هذه الآلية يتجاوز بكثير الكلفة المادية الضئيلة التي يقدمها لتأمين هذا القوت الأساسي. فالمعادلة النفعية هنا غير متكافئة إطلاقاً؛ إذ يرتكز النظام على “اقتصاد التخويف” (Economy of Fear)، حيث يستثمر الزعيم في إنتاج مشاعر القلق والتهديد الوجودي الدائم مقابل تقديم فتات خدماتي بسيط لا يمثل إلا جزءاً يسيراً من الثروة العامة المنهوبة، وهو ما يضمن استمرارية المنظومة دون الحاجة إلى بناء دولة حقيقية.

ولا تقتصر استمرارية هذا النظام على الرقابة السلبية، بل تستند إلى منظومة عقابية تتأرجح بين التعنيف النفسي والجسدي والفكري، وتعمل على تدمير الأفكار التحررية بالعنف البنيوي. يتغذى هذا الطيف العقابي من سياق لبناني “مختلط بالجند”، حيث تتداخل العسكرة والأمن الذاتي مع البنية الاجتماعية اليومية، وهو ما ينتج عنه آلية أساسية للسيطرة تتمثل في “حجز الحركة” بمفهوميها المادي والمعنوي. فمن الناحية المادية، يُحاصر الأفراد داخل كانتونات طائفية ومربعات أمنية مغلقة، ويُقيد تنقلهم أو قدرتهم على الهجرة والبحث عن بدائل خارج الفضاء الجغرافي الخاضع للمنظومة. ومن الناحية المعنوية، يُحجز حراكهم الاجتماعي والطبقي، ويُمنعون من الانتقال من حالة التبعية إلى حالة المواطنة المستقلة.

وعندما تفشل أدوات الضبط الذاتي والأسري في كبح التمرد، يلجأ النظام إلى سلاح العزل الاجتماعي والتخضيع، حيث يُضغط على العائلات ومحيطهم لعزل الأفراد المتمردين اجتماعياً لتجنب العقاب الجماعي. إن رهن مقومات حياة العائلة وجعلها مشروطة بالانصياع التام يمثل، في عمقه البنيوي والقانوني، شكلاً من أشكال الاتجار بالبشر؛ إذ تكتمل أركان هذا الاتجار سوسيولوجياً عندما يتم رهن مصير الأطفال وسلامة الزوجة وصحة الزوج كرهائن معيشية لانتزاع الصمت والولاء. ويتعدى هذا الرهن البعد الاقتصادي ليتأسس على منظومة عقاب خارجة عن القانون، لا تحتكم إلى تشريعات الدولة أو معايير مؤسساتية معلنة، بل تُدار بمعايير شخصية ومزاجية تفرضها الأجهزة الرديفة للزعيم.

وفي ظل غياب مرجعية قانونية ناظمة تضمن حقوق الأفراد، يتدرج هذا العقاب المزاجي سريعاً من التهميش الخدماتي والمالي المباشر ليصل إلى استخدام العنف المادي والمعنوي؛ بما في ذلك التشهير، والاستقطابات الطائفية الحادة لفرز المجتمع، وصولاً إلى التعنيف الجسدي أو التهديد بالاغتيال الفعلي والتصفية لمن يتجاوز الخطوط الحمراء المفروضة. وبناءً على ذلك، يتغير معيار العلاقة مع المواطن؛ فبدلاً من أن تُبنى العلاقة على أساس العقد الاجتماعي والمنظومة الحقوقية والقانونية للدولة، تتحول إلى علاقة فردية مباشرة وشخصية قائمة على الترهيب والعنف لا القانون.

يرتبط هذا النمط من العلاقات الفردية المباشرة ارتباطاً عضوياً بآليات المراقبة المستمرة وحجز الحركة؛ فلكي تضمن المنظومة بقاء هذه العلاقة الشخصية العنيفة خارج فضاء القانون، يتعين عليها فرض نظام رقابي لا يغفل عن سلوك الفرد اليومي أو خياراته الفكرية. وبما أن هذه العلاقة تفتقر إلى الاستقرار الذي يوفره القانون المؤسساتي، فإنها تظل هشة وقابلة للانكسار بمجرد محاولة الفرد الإفلات منها؛ وهنا يأتي دور “حجز الحركة” المادي والمعنوي ليكون الأداة التنفيذية لمنع الفرد من الهروب جغرافياً أو طبقياً. يُحرم المواطن من القدرة على التنقل بحرية نحو فضاءات لا تخضع لهيمنة الزعيم، ويُحظر عليه بناء تضامنات أفقية مع أفراد من خلفيات أخرى، مما يبقيه مقيداً في حيز جغرافي واقتصادي ضيق يسهل فيه رصده وإخضاعه. إن المراقبة وحجز الحركة هما الدرعان اللذان يحميان هذه العلاقة الفردية العنيفة من أي إمكانية للتحول إلى مواطنة مدنية مستقلة.

وأمام هذا الواقع الضاغط، يبرز سؤال جوهري وصعب حول مفهوم تحرير العائلة المصغرة (المؤلفة من زوج وزوجة وطفل) من منظومة التخضيع هذه. كيف يمكن لهذه النواة الأسرية الصغيرة أن تفك ارتباطها بشبكات الرعاية الطائفية والسياسية دون أن تقع في فخ العوز أو النبذ الكامل؟

إن غياب شبكات أمان اجتماعي وصحي مدنية ومستقلة، وغياب التعليم الرسمي الجيد وقوانين الأحوال الشخصية المدنية، يجعل من محاولة تحرير العائلة المصغرة الفردية مغامرة ذات تكلفة معيشية وجودية باهظة. ولكن، إذا لم يُطرح مفهوم التحرير هذا كأولوية بنيوية—من خلال بناء أطر تضامن اجتماعي واقتصادي عابرة للطوائف، والمطالبة بقوانين مدنية تحمي النواة الأسرية مباشرة من دون وسيط طائفي—فإن منظومة التخضيع والاتجار الممنهج بمصائر البشر ستستمر في إعادة إنتاج نفسها تلقائياً، وتوريث الخوف والتبعية من جيل إلى جيل، لتستمر هذه الحلقة المفرغة ممتدة إلى أبد الآبدين.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …