الرسمة لبيا معوض

دليل الجريمة وسلاح القضية: عندما تُدار الأوطان بمنطق “ما بدي ياها!”

في دهاليز السياسة المنكوبة، حيث تلتقي فخامة المكاتب برداءة الأداء، يبدو أن هناك نظام تشغيل موحداً يُدير عقول بعض الأطراف السياسية. نظام لا يعترف بالقوانين، ولا بالمنطق، ولا حتى بالحد الأدنى من العقلانية. إنه نظام “الحرد العشائري” الذي يختصر أعقد الملفات الإنسانية والوطنية في عبارة واحدة تُردد بنبرة حاسمة وغاضبة: “ما بدي ياها!”.

تبدأ الحكاية من ملف جريمة محليّة غامضة. الجريمة لها خيوط، وأحد أهم هذه الخيوط هو شخص يملك الحقيقة، وله ابنة لا ناقة لها في السياسة ولا جمل. لكن العبقرية السياسية الفذة قررت أن الحل الأسرع لدفن الجريمة هو التخلص من هذه الفتاة.

يقف القطب السياسي الموقر، كأنه شيخ عشيرة في ديوان غاضب، يرفض عروساً فرضت عليه في زواج مرتب لم يعجبه، مكرراً بغطرسة: “ما بدي ياها.. كأنها عروس ما وافقت عليها، شيلوها من قدامي”. ولا يتوقف الأمر عند الرفض الإجرائي، بل يمتد إلى الرغبة في تعذيبها، وكسرها، وطردها من الحياة كلياً؛ ليس لأنها أذنبت، بل لمجرد أن مزاجه السلطوي قرر: “ما بدو ياها”. الروح البشرية والدليل القضائي هنا مجرد تفاصيل مزعجة في حفل زفاف سياسي فاشل يجب إلغاؤه بالقوة والترهيب.

هذه العقلية السريالية في التخلص من “ابنة الدليل” ليست مجرد سلوك معزول، بل هي ذاتها المنهجية التي تُدار بها كبرى الملفات الإقليمية والوطنية. خذوا على سبيل المثال طريقة معالجة قضية “سلاح حزب الله” في الخطاب السياسي السائد.

في عالم العقل والمنطق وبناء الدول، تدرك الأطراف أن معالجة مسألة بنيوية معقدة كوجود سلاح خارج إطار الشرعية تتطلب مساراً عقلانياً هادئاً وصعباً. مساراً يسمى “بناء الإقناع”، وهو عملية تراكمية تأخذ وقتاً طويلاً لبناء مؤسسات دولة قوية، قادرة، وجاذبة، تقدم بديلاً حقيقياً ومطمئناً للجميع، مما يجعل السلاح يفقد مبرر وجوده تدريجياً وبشكل بنيوي. هذا هو المسار العقلاني الذي يتجنبه السياسي المستعجل لأنه يتطلب عملاً حقيقياً.

بدلاً من ذلك، يهرب السياسي إلى العقلية العشائرية ذاتها. يقف على المنابر، نافخاً أوداجه، ليعالج الترسانة الصاروخية والتوازنات الإقليمية المعقدة بنفس أسلوب رفض “العروس”: “ما بدي ياه.. شيلوه!”.
يريد إلغاء واقع مركب بشحطة قلم أو بصرخة غاضبة في صالون سياسي، دون بذل أي جهد لبناء الدولة البديلة التي يمكنها استيعاب هذه الأزمات. يريد تفكيك السلاح بالشعارات، تماماً كما يريد التخلص من دليل الجريمة بتعذيب الفتاة وطردها؛ كلاهما في نظره مجرد عناصر مزعجة تعكر صفو “مزاجه” السياسي، والحل الأسهل هو شطبها من الوجود بقرار فوري.

وأمام هذا التماهي المضحك المبكي بين منطق التخلص من فتاة بريئة ومنطق إلغاء سلاح معقد بصيحات بائسة، يبرز السؤال الوجودي الكبير الذي يهرب منه الجميع:

لماذا ساهمتم بالجريمة بالأساس؟

لماذا شاركتم في طبخ هذا السمّ إذا كنتم لا تملكون القدرة على تجرعه؟ لماذا ساهمتم في بناء وتثبيت هذا النظام السياسي الهش والمليء بالثغرات الذي سمح بنمو السلاح وتغوله، ثم أتيتم اليوم لتصرخوا كالأطفال بـ “عدم الرغبة”؟ ولماذا شاركتم في صفقات الجريمة الأساسية وتغطيتها، لتجدوا أنفسكم اليوم مضطرين لملاحقة ابنة الشاهد للتخلص من خطيئتكم؟

إن إدارة الدول والأرواح بمنطق “العروس المرفوضة” و”الحرد” العشائري لا تلغي الجرائم ولا تفكك السلاح؛ بل تكشف فقط عن عمق الإفلاس الأخلاقي والسياسي لطغمة تظن أن الصراخ بعبارة “ما بدي ياها” كفيل بمحو الحقائق ودماء الأبرياء.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

تتويجاً لمسيرة الشفافية: «غربال» تطلق أضخم أرشيف رقمي للجريدة الرسمية اللبنانية كحجر زاوية في صرح المساءلة الوطنية

في لحظة فارقة تزامنت مع الاحتفاء باليوم العالمي للحق في الوصول إلى المعلومات، دشّنت مبادرة …