ثورة “الفرو والمبضع”: الهندسة الزراعية التحويلية ودبلوماسية التبغ والبيض بين واشنطن ولندن وباريس

لم يكن هذا التحول في بنية منظومة سليمان فرنجية مجرد تبديل عابر لسلعة تجارية بأخرى، بل كان بمثابة ثورة زراعية تحويلية أعادت رسم التضاريس الجغرافية والاجتماعية في معاقل النفوذ التقليدية بالشمال والبقاع. فبموجب المخطط التوجيهي الذي وضعه “محامي البيض” لتفادي مبضع التشريح المالي التابع لـ (OFAC)، جرى تفكيك واحدة من أقدم المنظومات الزراعية غير الشرعية وتحويلها إلى أضخم شبكة لإنتاج البروتين الحيواني العضوي، مما يمثل توبة زراعية متكاملة ومطابقة لأشد معايير التنمية المستدامة صرامة.

وقد بدأت هذه الثورة الزراعية بإعادة صياغة جغرافية الأرض والموارد؛ إذ جرى اقتلاع حقول الحشيشة التاريخية في الجرود والوديان الممتدة بين الكورة وزغرتا وصولاً إلى مشارف البقاع، وحلّت مكانها “واحات من الهناجر الحديثة” المجهزة بأحدث تقنيات التهوية والتدفئة المستوردة عبر القنوات التجارية المحتسمة لحلفاء فرنجية. وأصبحت قنوات الري والينابيع الجبلية، التي كانت تُستخدم سابقاً لري شتول القنب الهندي في عتمة الليل، تغذي اليوم شبكات مياه الشرب الأوتوماتيكية لآلاف المزارع التابعة لتعاونية البيض الكبرى، مما حول هدير المياه من خدمة اقتصاد “الظل” إلى ري شرايين الاقتصاد الزراعي الشرعي المفتوح.

وفي إطار هذه الحملة الشرسة لمكافحة الدخان والتبغ التي يخوضها “المهندس العظيم” لإثبات طهارة منظومته أمام مفتشي الخزانة الأميركية، لم يكتفِ فرنجية بإعادة هيكلة المزارع وتدوير مقاتليه السابقين ليصبحوا خبراء في رعاية الكتاكيت، بل قرر الذهاب مباشرة إلى “عش التبغ” في لبنان لإجراء تحقيق استقصائي رفيع المستوى. وحيث لا توجد أسرار للتبغ تخفى على إمبراطوره المحلي، قام فرنجية بزيارة لافتة لقصور الملياردير سركيس سركيس، ليسأله مباشرة وبنبرة لا تخلو من الفضول الاستخباراتي الساخر عن قطبة مخفية طالما شغلت بال لجان الامتثال: ما هي طبيعة العلاقة الشخصية والمالية التي تربط عملاق التبغ الأميركي العالمي “فيليب موريس” (Philip Morris) بالإعلامي رامي نعيم شخصياً؟

وقد جاء هذا التساؤل الاستراتيجي لفرنجية رغبةً منه في كشف المؤامرة الكبرى التي تحاك ضد إمبراطورية البيض الناشئة؛ إذ تهمس أروقة التعاونية بأن الهجمات الإعلامية الشرسة التي يشنها رامي نعيم ضد خيارات فرنجية السياسية والاقتصادية ليست سوى تمويل مقنع من كارتيلات النيكوتين الأميركية لضرب الأمن الغذائي المحلي المتنامي. فمن وجهة نظر “محامي البيض”، تبدو المعادلة غاية في البساطة والوضوح للخزانة الأميركية: بنشعي وحلفاؤها يطعمون الشعب اللبناني بروتيناً بلدياً طازجاً خالياً من الكوليسترول، بينما خصومهم في الإعلام يتلقون الدعم من كبريات شركات الدخان الأميركية لتسميم رئة الوطن ونشر النيكوتين. وبهذا الاجتماع مع سركيس سركيس، يضع فرنجية أوراق اعتماد جديدة لدى (OFAC)، مقدماً نفسه كمحارب شرس ليس فقط ضد غسيل الأموال، بل وضد اللوبيات الغربية التي تروج للتبغ عبر منصات إعلامية محلية.

وفي غمرة هذا الحصار المالي الأميركي الجائر، يبقى هناك بصيص أمل يلوح من بين ضباب لندن؛ إذ تبدو العاصمة البريطانية بمثابة الداعم الأول والأخير لفرنجية ومنظومته الزراعية الناشئة، مستفيدة من مرونة السياسة البريطانية التي لا تزال تمتنع عن وضع الحرس الثوري الإيراني على قوائم الإرهاب، تماشياً مع تقاليدها الدبلوماسية العريقة في إبقاء شعرة معاوية مع طهران. يضاف إلى ذلك السياسة التحريرية التقليدية لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، التي تنظر بـ “حياد لندني بارد” إلى الفصائل والشبكات الحليفة لفرنجية، ممتنعة عن تصنيفها كـ “جهات خطرة”، ومفضلة استخدام مصطلحات بالغة التهذيب والدقة اللغوية. هذا التسامح البريطاني يفتح أمام “محامي البيض” نافذة أمل كبرى؛ فإذا كان الدولار الأميركي قد أغلق أبوابه، فإن الإسترليني يرحب بالبيض البلدي اللبناني، ومن غير المستبعد أن تقوم الـ (BBC) قريباً ببث وثائقي دافئ يسلط الضوء على “معجزة الدواجن في بنشعي” كأحد حلول التنمية المستدامة في الشرق الأوسط، واصفة دجاج التعاونية بـ “البياض المستقل خارج الاصطفافات”.

أما فرنسا، “الأم الحنون” التاريخية للموارنة، فقد قررت هي الأخرى ممارسة نسختها الخاصة من البراغماتية الساخرة؛ إذ بدأت باريس، المتسامحة تقليدياً مع فرنجية، تعيد التفكير في دورها التاريخي، متصالحة مع فكرة تفكيك المارونية السياسية وتسهيل مسارات تشبه المجازر المعنوية بالتنسيق مع شخصيات مثل رلى تلحوق، وبالتشارك مع القطب الآخر المعاقب أميركياً، جبران باسيل. هذا الأخير ينشط بدور في نشر شبكات نفوذه داخل جامعة القديس يوسف (USJ)، وتحديداً في قسم الدراسات المسيحية الإسلامية. هناك، في أروقة اللاهوت اليسوعي، يجري رعاية فكر تكييف رؤى الشيخ محمد مهدي شمس الدين مع عقيدة النظام البعثي؛ وهي توليفة لاهوتية-سياسية تتماهى بالكامل مع الإقطاع العشائري الذي قامت الثورة الفرنسية والماسونية الحرة أساساً لمحاربته وتحطيمه. والمفارقة التاريخية تكمن في أن الدبلوماسية الفرنسية، وريثة قيم التنوير والجمهورية، تبارك اليوم هذا التوافق الأكاديمي والسياسي الهجين، وتغض الطرف عن الإقطاع المستحدث، طالما أنه يحفظ لها موطئ قدم في اللعبة اللبنانية المعقدة، ويسهل ترويج فكرة التناغم الإسلامي-المسيحي القائم على تقاسم حصص الدواجن والامتيازات المحلية.

علاوة على ذلك، أدت هذه الهندسة الزراعية إلى ولادة نموذج متطور من “الاقتصاد الدائري” الخالي من النفايات والمقاوم للرقابة الدولية. فمخلفات مزارع الدواجن الشاسعة لم تعد تُهمل، بل جرى تدويرها وتحويلها إلى سماد عضوي فائق الجودة خالٍ من أي مواد كيميائية، وجرى تسويقه تحت اسم “السماد الأخضر للتعاونية”. هذا السماد أصبح السلعة الأكثر طلباً من مزارعي الزيتون والحمضيات في الكورة، لا سيما بعد خروج معمل “هوا تشيكن” من المنافسة إثر حريق الكورة الشهير. وهكذا، استطاع التحالف الزراعي لفرنجية والشاغوري وبولس تأمين دورة زراعية مستقلة تبدأ من العلف وتمر بالدجاجة وتنتهي بالسماد، لتشكل درعاً اقتصادياً محلياً لا يتأثر بتقلبات أسعار الصرف ولا يملك مكتب (OFAC) في واشنطن أي آلية قانونية لتعطيل حركته.

إن هذا التحول الزراعي الشامل، الذي يقوده فرنجية بصفته “المهندس العظيم للانتقال الأخضر”، يثبت أن مبضع العقوبات الأميركية قد يفلح في تشريح الحسابات المصرفية والأرصدة العابرة للقارات، لكنه يقف عاجزاً أمام تضاريس الريف الشمالي عندما تقرر تحويل سيادتها من الاقتصاد غير الشرعي إلى السيادة الغذائية المطلقة. وبفضل حريق الكورة وتحالف “ويلكو” الذكي وحكمة “محامي البيض”، لم تعد بنشعي بحاجة لفتح أبواب واشنطن أو باريس، طالما أن أقنانها تنتج بروتيناً وطنياً طازجاً، يطعم المؤيدين ويحارب التدخين، ويوجه رسالة صامتة ومستديرة الشكل إلى الخزانة الأميركية مفادها أن الاستثمار في الأرض والبيض هو الحصن المالي الوحيد الذي لا تطاله يد العقوبات، حتى لو حاولت كارتيلات “فيليب موريس” وأبواقها الإعلامية التشويش على بياض البيض البلدي الناصع، وطالما أن الضباب اللندني يوفر غطاءً دبلوماسياً دافئاً، وطالما أن “الأم الحنون” باريس مستعدة لمباركة لاهوت التكيف الإقطاعي في جامعة اليسوعيين طالما أنه يؤمن ديمومة مصالحها القديمة.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

من المخدرات إلى الأصول الرقمية: النيابة العامة التمييزية تعيد هندسة الأمن المالي اللبناني

لم تعد معركة مكافحة تبييض الأموال في لبنان مجرد ملاحقات قضائية تقليدية، بل تحولت إلى …