بين التحوط الجيوسياسي والهروب إلى الملاذ الخليجي: كيف تدفع مخاوف العقوبات المحلية، نعمة افرام نحو الاندماج في السوق السعودية؟

في المشهد السياسي والمالي اللبناني الراهن، لم يعد هاجس العقوبات الأميركية والدولية مقتصراً على القوى الحزبية المصنفة في خانة “المواجهة” أو حلفائها المباشرين؛ بل امتد ليشمل البيئة الاقتصادية ورجال الأعمال التقليديين الذين بنوا إمبراطورياتهم المالية على مدى عقود. وفي قلب هذا التحول الجيوسياسي، يبرز الحراك الاستثماري المتسارع للنائب ورجل الأعمال الكسرواني نعمة افرام، الذي يسعى بشكل حثيث لدمج منظومته الصناعية (مجموعة إنديفكو وباقي أذرعها الاستثمارية) في سوق التداول والمال بالمملكة العربية السعودية.

هذه “الهرولة” الاستراتيجية نحو الرياض، وإن كانت تُقدم في ظاهرها كخطوة توسعية ذكية ضمن “رؤية 2030″، إلا أنها تنطوي في عمقها على أبعاد دفاعية وقائية فرضتها مخاوف حقيقية من مقصلة العقوبات الأميركية التي باتت تحوم حول النخبة الاقتصادية اللبنانية بكافة تلويناتها. وهذا البعد الدفاعي يتكسّر بشكل واضح مع صدور تعيين الفريق فهد الدوسري سفيراً للمملكة العربية السعودية لدى لبنان في مايو 2026، خلفاً للسفير وليد البخاري.

الدوسري، الذي وُلد في مدينة الخرج عام 1961، هو شخصية تجمع بين الخبرة الأمنية السيادية والخبرة الدبلوماسية الميدانية، حيث شغل سابقاً منصب مدير عام المباحث العامة في السعودية برتبة فريق. دبلوماسياً، تنقّل بين محطات متعددة: بدأ عمله في القسم القنصلي في بانكوك (تايلند) ثم المنامة، قبل أن يُكلَّف قائماً بالأعمال في النيجر، ثم سفيراً في غينيا وسيراليون وأذربيجان والسنغال.

وجود امتداد لشبكة أعمال نعمة افرام في تايلند يبرز أهمية بانكوك في المسار الدبلوماسي للدوسري، حيث يمثل هذا الامتداد الآسيوي أحد الدوافع الخفية وراء تسريع اندماج افرام في السوق السعودية. التعيين السعودي في بيروت يأتي في مرحلة دقيقة تشهدها المنطقة، وسط اهتمام سعودي متواصل بالملف اللبناني وتطوراته السياسية والأمنية. هذا الحضور السعودي المتمثل في دبلوماسي ذي خلفية أمنية سيادية مثل الدوسري، يرسّخ “المظلة السيادية” التي يبحث افرام عنها، ويُعدّ إشارة واضحة للجدية السعودية في تعزيز العلاقات الاقتصادية مع لبنان ضمن معايير الامتثال الخليجي المعتمد دولياً.

بهذا السياق، تصبح “الهرولة” نحو الرياض ليست مجرد استجابة لمخاوف العقوبات فحسب، بل أيضاً استباقاً لبيئة جديدة من العلاقات السعودية-اللبنانية تُقاد بشخصيات تجمع بين الخبرة الأمنية والدبلوماسية، مما يعزز من قدرة افرام على تحصين منظومته الصناعية خلف الجدار السعودي الآمن.

أولاً: كسر “عزلة المنظومة العائلية” والبحث عن مظلة سيادية
تعتمد الإستراتيجية الأميركية في فرض العقوبات على استهداف الشركات العائلية والخاصة بسهولة؛ نظراً لغياب الشفافية المؤسساتية الكاملة وإمكانية ربط تدفقاتها المالية بشخصيات سياسية معينة. ومن هنا، يدرك نعمة افرام أن إبقاء منظومته الاقتصادية الضخمة أسيرة الصيغة اللبنانية الكلاسيكية يعرضها لخطر جسيم في حال تغيرت التوازنات السياسية أو تقاطعت مصالحه المحلية مع ملفات تخضع للرقابة الأميركية الصارمة.
الهرولة نحو سوق التداول السعودي (Tadawul) تمثل محاولة حاسمة لنقل أعماله من الإطار “العائلي اللبناني” المكشوف، إلى الإطار “المؤسساتي المساهم” الخاضع لقواعد الحوكمة والامتثال السعودية والدولية. إن إدراج أسهم شركاته في سوق مالي بحجم السوق السعودي يمنحه “مظلة سيادية” واقية؛ إذ يصعب على وزارة الخزانة الأميركية (OFAC) استهداف كيان اقتصادي مساهم مندمج في عصب الاقتصاد الخليجي، لما قد يسببه ذلك من تداعيات على السوق المالية الشريكة لواشنطن.

ثانياً: التحرر من فخ “اقتصاد الكاش” اللبناني
مع تفكك القطاع المصرفي اللبناني وتحول البلاد إلى اقتصاد نقدي (Cash Economy) غير مراقب دولياً، باتت جميع الشركات العاملة في لبنان تحت مجهر التدقيق الدولي بتهم تبييض الأموال والتهرب من العقوبات. هذا الواقع يمثل تهديداً وجودياً لمجموعة صناعية كبرى مثل مجموعة افرام التي تعتمد على الاستيراد والتصدير وحركة التحاويل الدولية.
الاندماج في السوق السعودية يتيح لافرام فصل الدورة المالية الأساسية لأعماله عن الواقع اللبناني المأزوم. فمن خلال قنوات الاستثمار والتداول في المملكة، يستطيع تأمين تدفقات مالية شرعية بالكامل، معترف بها دولياً، وخارجة عن شبهات “اقتصاد الكاش” اللبناني، مما يقطع الطريق استباقياً على أي تقارير أو وشايات قد ترفعها جهات منافسة إلى مراكز القرار في واشنطن لربط أعماله بملفات مشبوهة.

ثالثاً: الحصانة السياسية محلياً ورئاسياً
يطرح نعمة افرام نفسه كمرشح توافقي لرئاسة الجمهورية أو لرئاسة الحكومة، وهي مواقع تتطلب من يشغلها أن يكون متمتعاً برضا إقليمي ودولي وحصانة تامة من العقوبات.
في ظل التشنج الحالي الذي يضرب شبكتي جبران باسيل وسليمان فرنجية بسبب العقوبات والاتهامات بالفساد، يرى افرام أن بقاءه في المنطقة الرمادية قد يجعله بدوره عرضة للاستهداف، خصوصاً أن بعض القوى الإقليمية والدولية تطالب بغربلة شاملة للطبقة السياسية اللبنانية. الاندماج المالي في السعودية يرسل رسالة واضحة إلى واشنطن والداخل اللبناني مفادها: “أعمالي تخضع للامتثال الخليجي المعتمد دولياً”. هذه الخطوة تمنحه أوراق اعتماد سياسية إقليمية قوية وتضعه في موقع المتفوق على منافسيه المحليين في كسروان وخارجها الذين يغرقون في مآزق الحصار المالي.

رابعاً: الاستجابة لـ “الفيتو” الخليجي غير المباشر
تتبنى دول الخليج، ولا سيما السعودية، سياسة واضحة تقضي بعدم التعامل أو الاستثمار مع أي شخصية لبنانية تحوم حولها شبهات تسهيل مشاريع المحور الخاضع للعقوبات، أو تعتمد على تمويل رمادي. هذه المعادلة دفعت افرام إلى المسارعة لتقديم نموذج يمتثل بالكامل للمعايير السعودية الجديدة التي تبتعد عن “الليبرالية الاقتصادية الغربية المفروضة” وتتجه نحو حوكمة سيادية صارمة. الانضمام إلى سوق التداول هو بمثابة “شهادة حسن سلوك مالي” تضمن له عدم وضعه على أي قوائم سوداء خليجية أو أميركية قد تنهي طموحه السياسي والمالي بلحظة واحدة.

خامساً: إعادة تموضع ضمن سلاسل القيمة الإقليمية والتحول الصناعي
يأتي التوجه نحو السوق السعودية في سياق إعادة تشكيل سلاسل الإمداد الإقليمية بعد جائحة كورونا والحروب التجارية، حيث تسعى المملكة إلى توطين الصناعات ورفع مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي ضمن “رؤية 2030”. بالنسبة لمجموعة صناعية مثل “إنديفكو”، يتيح هذا التحول فرصة للاندماج في منظومة إنتاج أوسع تعتمد على الحوافز الضريبية، المناطق الاقتصادية الخاصة، والبنية التحتية اللوجستية المتقدمة. هذا الاندماج لا يقتصر على التوسع الجغرافي، بل يشمل إعادة هيكلة الإنتاج بما يتلاءم مع معايير الاستدامة وكفاءة الطاقة ومتطلبات المحتوى المحلي.

سادساً: الامتثال لمعايير ESG والحوكمة العالمية
في ظل تصاعد أهمية معايير البيئة والمجتمع والحوكمة (ESG)، أصبحت الشركات الكبرى مطالبة بإثبات التزامها بالشفافية والاستدامة. إدراج الشركات في سوق “تداول” يفرض عليها الإفصاح الدوري، التدقيق المالي المستقل، وتبني سياسات واضحة في إدارة المخاطر. هذا التحول يمنح مجموعة افرام قدرة على جذب استثمارات مؤسساتية وصناديق سيادية، ويقلل من الاعتماد على التمويل التقليدي أو الشبكات الشخصية المعرضة للضغوط السياسية.

سابعاً: البعد الرمزي في الاقتصاد السياسي اللبناني
تعكس هذه الخطوة انتقال جزء من البرجوازية الصناعية اللبنانية من نموذج “الاقتصاد الوطني المرتبط بالدولة” إلى نموذج “الاقتصاد العابر للحدود المرتبط بالأسواق الإقليمية”. هذا التحول قد يعيد تشكيل علاقة رجال الأعمال بالدولة اللبنانية، ويفتح نقاشاً حول مستقبل الاقتصاد المنتج ودور القطاع الخاص في إعادة الإعمار.

ثامناً: المخاطر الكامنة في الاعتماد على السوق الخليجية
رغم المزايا، فإن الاندماج في السوق السعودية يبقى مرتبطاً بتقلبات السياسات الاقتصادية الإقليمية وبمستوى المنافسة العالية داخل السوق. كما أن تغير أولويات “رؤية 2030” أو تشدد شروط التوطين قد يفرض تحديات إضافية على الشركات الأجنبية، بما فيها اللبنانية.

تاسعاً: انعكاسات على التوازنات الداخلية اللبنانية
قد يؤدي هذا المسار إلى تعميق الفجوة بين النخب الاقتصادية القادرة على تدويل أعمالها وتلك التي تبقى محصورة داخل الاقتصاد اللبناني المنهار. كما يعزز من موقع شخصيات مثل نعمة افرام في التوازنات السياسية الداخلية، من خلال تقديم نموذج اقتصادي ناجح مرتبط بالخارج.

عاشراً: البعد الاتصالي وصناعة الصورة
يمكن قراءة هذا التوجه كجزء من استراتيجية إعادة بناء الصورة العامة، حيث يتم تقديم الاندماج في السوق السعودية كدليل على الحداثة والامتثال والقدرة على التكيف مع الاقتصاد العالمي. هذا الخطاب يعزز الثقة داخلياً ويكسب شرعية خارجية لدى المستثمرين وصناع القرار.

خلاصة
إن اندفاع نعمة افرام نحو دمج أعماله في سوق التداول السعودي ليس مجرد مناورة تجارية لتحقيق أرباح إضافية؛ بل هو حتمية بقاء جيوسياسية. هي عملية هروب مدروسة من بيئة مالية لبنانية مأزومة نحو فضاء أكثر استقراراً وامتثالاً. من خلال هذه الخطوة، يسعى افرام إلى تحصين إمبراطوريته الاقتصادية وتعزيز موقعه السياسي، في مشهد إقليمي ودولي يعاد تشكيله على أسس جديدة من الحوكمة والامتثال والتكامل الاقتصادي.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …