لا يمكن فهم النقد الأدبي بوصفه نشاطاً جمالياً معزولاً عن موازين القوى، ولا سيما عندما يصدر عن فاعلين أساسيين في مطبخ القرار السياسي والأيديولوجي لأنظمة حكم شمولية وعقائدية. يمثل كتاب “مئة عام من الرواية النسائية العربية” للدكتورة بثينة شعبان نموذجاً تطبيقياً وتأصيلياً جلياً لما يمكن تسميته بـ “النسوية الدولتية العلمانية” (State-Sponsored Feminism).
تكمن المفارقة الأساسية في شخصية شعبان نفسها؛ فهي الأكاديمية ذات التكوين الغربي الليبرالي التي تلقت تعليمها العالي في بريطانيا وحصلت على دبلوم ودكتوراه في الأدب الإنجليزي من جامعة واريك العريقة، وكتبت أطروحتها وأبحاثها الأولى حول قضايا التحرر النسوي وتاريخ الكاتبات العربيات (مثل كتابها الشهير بالإنجليزية Both Right and Left Handed الصادر في لندن عام 1988 عن دار نشر نسوية بريطانية). لكن هذه الأكاديمية سرعان ما تحولت إلى بوق أيديولوجي ومستشارة سياسية وإعلامية لأقسى الأنظمة الأمنية والعسكرية في المشرق العربي؛ إذ عملت مترجمة خاصة ومستشارة للرئيس حافظ الأسد في لقاءاته الدولية الحساسة (مثل قمة جنيف مع الرئيس الأمريكي بيل كلينتون عام 2000)، ثم وزيرة للمغتربين، وصولاً إلى موقع المستشارة السياسية والإعلامية للرئيس بشار الأسد.
هذا التناقض الوجودي بين مفردات التحرر النسوي الغربي (Vocabulary) والواقعية السياسية لمنظومة الاستخبارات (Realpolitik)، ينعكس بشكل جلي في نقدها الأدبي. فالنقد هنا يتحول إلى “سلاح ناعم” يُعيد قراءة التاريخ الأدبي النسوي لخدمة غايات سياسية وأمنية محددة. وتبرز قراءتها لشخصية “مادلين” في رواية “الحجاب المهتوك” للكاتبة اللبنانية هند سلامة (الصادرة عام 1953) كأداة نقدية مُحمّلة بأبعاد استراتيجية تهدف إلى تفتيت البنى التقليدية، وإدارة الاستقطاب المجتمعي، وتمرير عقيدة “تحالف الأقليات”، وتصفية الفاعلية السياسية المستقلة للمرأة.
أولاً: النص الأدبي الموظَّف: تفكيك قصة “مادلين” واقتباساتها
تعتبر الكاتبة اللبنانية هند سلامة من رائدات الكتابة النسوية اللواتي تجرأن على اقتحام التابوهات الاجتماعية في منتصف القرن العشرين. وفي روايتها “الحجاب المهتوك”، يحمل العنوان دلالة رمزية مزدوجة: فهو يشير إلى هتك الحجاب بالمعنى المادي والجسدي، وفي الوقت ذاته التعرية الأخلاقية لـ “حجاب النفاق” الذي تتستر خلفه البرجوازية العربية المحافظة.
في الفصل الثالث من كتابها الذي يحمل عنوان “البحث عن المساواة” (الصفحتان 80 و81)، تُشرّح بثينة شعبان البناء الدرامي ومسار شخصية “مادلين” بوصفها ضحية ومتمردة في آن واحد على شروط المجتمع الأبوي التقليدي:
1. خلفية مادلين العائلية ونشأتها ونفاق الطبقة البرجوازية
تبدأ مأساة مادلين من ولادتها غير الشرعية؛ إذ يرفض والدها البرجوازي “هاني” (الذي يمثل البرجوازية التقليدية الجبانة والمهووسة بالفوارق الطبقية والقيود الاجتماعية الأبوية) الزواج من والدتها “لميا” وهي حامل بها، مفضلاً الامتثال للقيم العائلية ليتزوج من ابنة عمه التي يصنفها المجتمع بأنها “شريفة”. تموت الأم أثناء الولادة، وتُنقل مادلين الرضيعة لتربيتها داخل دير مسيحي كمنبوذة اجتماعيّاً لا يعترف بها القانون أو العائلة.
ولكن في خريف عمره، وبسبب عدم إنجابه أطفالاً من زوجته “الشرعية” وغياب الوريث الذكر، يبحث هاني عن ابنته غير الشرعية مادلين ويترك لها ثروته الهائلة، مما ينقلها فجأة من حياة الدير والعزلة إلى قمة طبقة المجتمع المخملي اللبناني. ويكشف هذا التحول كيف توظف هذه الطبقة مفاهيم الشرف بانتهازية لتأمين مصالحها وإرثها المالي عند غياب البديل الذكوري.
اقتباس من الصفحة 80-81:
«ومادلين نفسها هي نتيجة علاقة كهذه، لأن والدها رفض الزواج من عشيقته. وتموت والدتها في الولادة وتؤخذ مادلين إلى الدير… يصل هاني ليعلن خطته للزواج من ابنة عمه “الشريفة” متخلياً عن لميا الحامل بابنه. ويعطيها هاني بعض المال ولا يراها ثانية، ولكن بما أنه لم يرزق أطفالاً من زوجته، فهو يبحث في خريف العمر عن ابنته غير الشرعية مادلين، ويترك لها ثروته.»
2. دخولها المجتمع المخملي وموقفها من العلاقات والزواج
بعد حصولها على الإرث، تنضم مادلين إلى مجتمع النخبة اللبناني مع ميوله للموضة و”الدارج” في الستينيات. وتظهر كشخصية واثقة تعيش وفق قناعاتها وتتحدى الأعراف الاجتماعية السائدة حول جسد المرأة وحريتها، متمردة على ثنائية “الشرف والملكية”:
-
رفضها الزواج التقليدي: قبل زواجها من حبيبها الشاعر “فياض”، كانت مادلين على علاقة مع ابن عمها “سامي” الذي لم تكن تحبه، ورفضت الزواج منه رغم ممارستها الجنس معه. هذا الرفض شكل صدمة للمفهوم الذكوري التقليدي للشرف الذي يرى في ممارسة الجنس حقاً يتبعه امتلاك كامل لجسد المرأة وروحها، وعجز ابن عمها والمجتمع الذكوري عن فهم كيف يمكن لها أن ترفض الزواج لـ “ستر العار” أو “إصلاح الخطأ”.
-
رؤيتها للعلاقة الجسدية: يوضح التحليل النقدي لشعبان أن مادلين ترى العلاقة الجسدية منفصلة عن امتلاك الروح، على عكس الرؤية الذكورية التي تفترض الامتلاك الكامل بمجرد حدوث العلاقة الجسدية.
اقتباس من الصفحة 80:
«فمادلين، مثلاً، وهي فتاة يافعة في الرواية، تجد نفسها وريثة ثروة اجتماعية هائلة تدفعها للانضمام فوراً إلى المجتمع المخملي اللبناني مع ميوله للموضة و”الدارج” في الستينات. وقبل زواجها من حبيبها الشاعر فياض، كانت لها علاقة مع ابن عم لها لا تحبه ولذلك ترفض الزواج منه. ولا يستطيع ابن عمها سامي أن يفهم كيف يمكن لها أن ترفض الزواج منه بعد أن مارست الجنس معه.»
اقتباس من الصفحة 80:
«لكن مادلين وريم في رواية كوليت خوري أيام معه يعتقدان أنهما حين تعطيان الرجل جسديهما بدلاً من روحيهما فهما تعطيانه الشيء الذي يعتبر ثانية بالنسبة لهما. لكن هذا لا يعبّر عن شعور الرجال طبعاً. ويفترض الرجال أنهم حين يخترقون جسد امرأة فقد “فتحوها” وامتلكوها جسداً وروحاً.»
3. زواجها من فياض والمؤامرة التي دمرت حياتها
تتزوج مادلين من حبيبها الشاعر “فياض”، الذي يمثل المثقف اليساري أو التقدمي المزعوم في تلك الحقبة، وتعيش معه علاقة حميمة. لكن هذا الاستقرار ينهار سريعاً بسبب سقوط قناع “المثقف التقدمي” عند أول اختبار؛ إذ تعرضت مادلين لمؤامرة (تشارك فيها أخت فياض) تتهمها بالخيانة مع ابن عمها سامي. يصدق الزوج الشائعات مباشرة دون التحقق مرتدّاً إلى جيناته الذكورية التقليدية، مما يكشف هشاشة ادعاءاته التقدمية وتأصله في المنظومة الأبوية. ينهار زواجهما وتجد مادلين نفسها مضطرة للفرار من هذا المجتمع الذي ظلمها، وتختار العودة واللجوء مجدداً إلى الدير الذي نشأت فيه هرباً من زيف وقسوة العلاقات الاجتماعية.
4. رفضها العودة وتحقيق السلام الداخلي
بعد فترة، تتضح الحقيقة لزوجها فياض بالصدفة، ويعرف أنها كانت بريئة تماماً من تهمة الزنا والخيانة. يبحث عنها ويذهب إلى الدير محاولاً استعادتها وطلب الصفح، لكن مادلين تظهر قوة وصلابة لافتة برفضها العودة إليه، معلنة أنها وجدت سلامها الداخلي بعيداً عن شروط المجتمع الأبوي.
اقتباس من الصفحة 81:
«وحين تتضح الحقيقة بالصادفة لزوجها يبدأ البحث عنها ويحاول كسبها ثانية لكنها ترفض ذلك. تقول له: “أخيراً وجدت السلام”.»
اقتباس من الصفحة 81 (دلالة الرفض في التحليل النقدي):
«وتشير هذه العبارة إلى رفض شديد لنسيج اجتماعي لم تستطع من خلاله أن ترتاح كامرأة.»
5. أثر قصة مادلين على الزوج (فياض)
تختتم الرواية بمراجعة ذاتية عميقة يجريها الزوج فياض عند مغادرته الدير، حيث يلقي نظرة أخيرة ويدرك مدى نبل مادلين وطهارتها مقارنة بالشرور والمؤامرات التي حيكت ضدها وضد زواجهما (والتي كانت شقيقته جزءاً منها).
اقتباس من الصفحة 81:
«وتتوضح رسالة الرواية من خلال ردة فعل فياض، وحين يلقي النظرة الأخيرة على الدير قبل أن يبدأ رحلة العودة، يغمغم لنفسه: “أيتها النساء، مهما تكن حياتكن، تظل بعضكن طاهرات ووفيات ومخلصات ورحيمات. أنتن مصدر العاطفة والحب والمودة والمآثر الجيدة. مع أن هناك بعضكن ممن يقوضن العلاقات ويضعفن السعادة الإنسانية”.»
ثانياً: تفكيك شخصية مادلين وسوسيولوجيا العجز المهني
بناءً على التحليل النقدي الذي تقترحه شعبان، يمكن تفكيك شخصية “مادلين” بشكل تفصيلي عبر الإجابة عن أربعة أسئلة تحدد بنيتها الدرائية:
-
مَنْ تكون؟ (الهوية والمنشأ): هي شخصية مركبة تلخص صراع الطبقات والمفاهيم الأخلاقية في مجتمع منتصف القرن العشرين. اجتماعياً هي ابنة علاقة غير شرعية ومنبوذة بدأت حياتها في الدير، وطبقياً تحولت فجأة إلى “وريثة خاملة/مستهلكة” (Idle Heiress) تتمتع بثروة والدها المفاجئة في صالونات المجتمع المخملي الاستهلاكي، بلا أي هوية مهنية أو فاعلية مؤسساتية.
-
ما هي خصالها؟ (السمات النفسية والوجدان): تتميز بالثقة العميقة بالنفس والانسجام الذاتي الموروث عن والدتها “لميا”، والاستقلالية العاطفية والجسدية عبر رفض منطق الامتلاك الذكوري والصدق مع الذات، والكرامة والأنفة الصارمة حيث تنسحب بكبرياء دون استجداء أو توسل، والسيادة الكاملة على القرار.
-
ماذا تعمل؟ (الفعل السلوكي والخيارات): عمل مادلين لا يتمثل في وظيفة مهنية أو عمل مادي، بل في “سلسلة من القرارات والخيارات السلوكية المصيرية”؛ تعمل على الرفض (رفض الزواج من سامي لستر العلاقة)، وتعمل على الاختيار الحر (الزواج من فياض بناءً على الحب)، وتعمل على الانسحاب الفوري (مغادرة الفضاء المشترك واللجوء للدير)، وتعمل على إعلان السلام الفردي (صدّ الزوج وإعلان خيارها النهائي).
-
كيف تسير وسط التناقضات؟ (آلية العبور والنجاة): تعيش مادلين بين منشئها غير الشرعي وثروتها الطائلة، وبين مجتمع مخملي منفتح ظاهرياً ومحكوم في العمق بقوانين “شرف” ذكورية متزمتة ومنافقة، وبين اقترانها بمثقف يدعي الحداثة وينهار عند أول إشاعة. تسير وسط ذلك عبر آلية “الانسحاب السيادي” (Sovereign Withdrawal) وتجنب المواجهة المباشرة، واستخدام الدير كدرع حماية وجودي ومنطقة عازلة تحمي كرامتها وجسدها.
لماذا قاد الغياب المهني مادلين إلى الدير؟
عند مقاطعة مادلين مع بطلات جيلها في كتاب بثينة شعبان، نكتشف فجوة هائلة في امتلاك أدوات “الفعل الاجتماعي والسياسي والإنتاجي”:
-
ليلى (الباب المفتوح): طالبة جامعة، ثم معلمة مدرسة، وممرضة متطوعة في المقاومة الشعبية بالسويس؛ تمتلك هوية مهنية ووطنية تمنحها صوتاً في الشارع وفضاءً عاماً.
-
لينا (أنا أحيا): طالبة جامعة تدرس الفلسفة وموظفة في شركة تجارية لتأمين استقلالها المالي؛ تمتلك أدوات الإنتاج الاقتصادي والفكر.
-
ريم (أيام معه): كاتبة وعازفة موسيقى وفنانة تنتمي للنخبة المثقفة؛ تملك منبراً ثقافياً وقوة ناعمة تعبر بها عن ذاتها وتهاجم بها ذكورية المجتمع.
أما مادلين، فليست صحافية، وليست محامية، وليست كاتبة، وليست طالبة جامعة. هي مجردة تماماً من وسائل الدفاع عن النفس عندما واجهت المؤامرة الذكورية. عجزها كضحية غير مؤسساتية جعلها لا تملك منصباً تكتب فيه لتدافع عن سمعتها، ولا تملك المعرفة القانونية لتقاضي من تآمروا عليها، ولا تملك نقابة أو اتحاداً نسائياً يدعمها.
سلاح مادلين الوحيد كان “المال الموروث”، والمال في مجتمع أبوي تقليدي لا يحمي شرف المرأة أو يمنحها الحصانة من الاغتيال المعنوي. لذلك، بمجرد أن سقط “حجاب” حمايتها الأسرية والزوجية، وجدت نفسها عارية تماماً في فضاء عام لا يرحم؛ ولم يكن أمامها من خيار للبقاء سوى الهروب العكسي إلى الفضاء قبل-الاجتماعي وهو الدير.
ثالثاً: سوسيولوجيا التفتيت المجتمعي وإدارة الاستقطاب (التحريض إيجاباً وسلباً)
خلف التعاطف اللفظي مع مادلين وتثمين تمردها، يكمن توظيف أيديولوجي ينسجم مع أساليب الأنظمة السلطوية في تفكيك المجتمع والسيطرة عليه من خلال استراتيجيتين رئيسيتين:
1. تفكيك التماسك الأهلي عبر “الهندسة الاجتماعية” (التحريض إيجاباً)
تخشى الأنظمة السلطوية بطبيعتها وجود كتل مجتمعية صلبة ومستقلة وقوية داخل المجتمع (مثل العائلة الممتدة، والروابط العشائرية والأهلية المحافظة، أو مؤسسات المجتمع المدني المستقلة)، لأن هذه البنى تمثل شبكات أمان وتضامن وتكافل قادرة على حماية الأفراد وتنظيمهم لمقاومة تغول السلطة السياسية والأجهزة الأمنية.
من خلال مديح بثينة شعبان للتمرد المطلق على الأسرة التقليدية والتحلل من ضوابط “الشرف” والمصاهرة المعتمدة مجتمعياً، وإعلان فضل “القطيعة البنيوية” مع المجتمع الأهلي على اعتبار أنه بيئة “غير قابلة للإصلاح”، يساهم خطابها في تفتيت المجتمع وتذريره (Social Atomization). الفرد (المرأة هنا) الذي ينسلخ عن بيئته الطبيعية وعائلته بدعوى التحرر، يفقد شبكة أمانه الأهلية العضوية، ويصبح فرداً معزولاً عاجزاً عن صياغة تضامن سياسي موحد لمطالبة السلطة بالحقوق والحريات، مما يجعله في نهاية المطاف خاضعاً بالكامل وتابعاً للدولة الأمنية بوصفها مصدر الحماية والمعاش الوحيد المتبقي له.
2. لعبة الخطاب المزدوج وإدارة الاستقطاب (التحريض سلباً)
تمارس النخبة الحاكمة خطاباً مزدوجاً بامتياز للاستهلاك الخارجي والضبط الداخلي:
-
نخبوياً وأكاديمياً: يتم بث هذه الأفكار التحررية الجريئة لإظهار الدولة بمظهر الحداثة والعلمانية والمدنية، والحصول على شرعية فكرية محلياً ودولياً، وتصدير صورة “التقدمية” للغرب بوصف النظام البديل الأوحد للظلامية والرجعية.
-
قمعياً وقانونياً: في المقابل، تحافظ الدولة في قوانينها الفعلية (مثل قوانين الأحوال الشخصية، الإرث، وقوانين العقوبات المتعلقة بجرائم الشرف تاريخياً) على البنية التقليدية المحافظة لإرضاء الفئات الدينية التقليدية وضمان عدم صدامها مع السلطة.
تستثمر السلطة في هذا الاستقطاب المفتعل؛ تترك المجتمع يتصارع داخلياً بين تيار حداثي وتيار تقليدي لتلعب هي دور “الحكم والمنقذ وصمام الأمان”. فتحمي الحداثيين من غضب المجتمع المحافظ، وتدعي حماية قيم المحافظين عبر أجهزتها الضبطية والقانونية. هذا الاستقطاب المدروس بعناية يُبقي المجتمع عاجزاً عن التوافق، ويعزز دور النظام بوصفه المنظم الوحيد للفوضى الاجتماعية الذي بدونه تندلع حرب قيمية أهلية.
رابعاً: رمزية الدير المشرقي وعقيدة “تحالف الأقليات”
يمثل الدير في تحليل شعبان لقصة مادلين ملاذاً آمناً ونقياً في مواجهة بيئة خارجية توصف بالقمع والنفاق. وتكتسب هذه الرمزية بعداً سياسياً مباشراً يتقاطع مع ركائز بقاء النظام السوري:
1. ترسيخ سردية “الأقليات الوجودية” (Minority Alliance)
نشأت الأحزاب العلمانية الشمولية (كحزب البعث والحزب السوري القومي الاجتماعي) مستقطبةً فئات واسعة من الأقليات الدينية والمذهبية في المشرق العربي، ليتحول “تحالف الأقليات” لاحقاً إلى أداة حكم بنيوية وأمنية.
من خلال تصوير الدير بوصفه الحصن الروحي والأخلاقي والملجأ الآمن الوحيد لمادلين في مواجهة مجتمع خارجي “منافق وفاسد”، يعيد الخطاب الأيديولوجي إنتاج عقيدة تحالف الأقليات. الرسالة السياسية الضمنية هنا تسير وفق السردية التقليدية للنظام: المجتمع العربي ذو الغالبية المسلمة هو مجتمع متخلف، قامع، ومنافٍ بطبيعته لحرية المرأة والإنسان، والأقليات الدينية (مثل المسيحيين ومؤسساتهم كالأديرة والرهبانيات) لا يمكنها البقاء والعيش بسلام إلا من خلال الاحتماء بـ “الدولة العلمانية الحامية” التي تضبط هذه الغالبية وتمنعها من الهيمنة وتدمير هذه الجزر الآمنة.
2. المفارقة الأمنية: الحماية اللفظية مقابل التدجين الفعلي للفضاء الكنسي
تكمن المفارقة الكبرى في أن هذه الأديرة والرهبانيات، التي يجري الاحتفاء برمزيتها الإنسانية والروحية في كتابات بثينة شعبان، خضعت في الواقع الفعلي لأقسى درجات الرقابة الأمنية والقمع الصامت:
-
نزع الاستقلالية الفكرية والسياسية: لم يُسمح للمؤسسة الكنسية أو الأديرة بأي هامش من الاستقلال الحقيقي أو إبداء الرأي النقدي تجاه سياسات الاستبداد أو الانتهاكات الحقوقية؛ وتعرضت كل الشخصيات الروحية المسيحية التي ناصرت حقوق الشعب أو طالبت بالتغيير الديمقراطي للتضييق الممنهج، التشويه، أو الإقصاء الفعلي والتهميش.
-
التوظيف المزدوج للمقدس: تُستخدم هذه الأديرة كواجهات سياحية وحضارية لإظهار التعددية الدينية للنظام وتسامحه أمام الوفود الأجنبية والرأي العام الدولي، بينما تُستخدم أمنياً لمراقبة نشاط الطائفة وضمان ولائها المطلق للخيار الأمني للسلطة، عبر تخويفها المستمر من “البعبع” الأصولي، مما يحوّل الخوف الوجودي للأقليات إلى ورقة سياسية طيعة تضمن الولاء المطلق للسلطة ووقوفها كخط دفاع عن بنية النظام القائم.
خامساً: أدلجة النقد وتقاطع القومية واليسار
تتقاطع القومية العربية (البعثية) واليسار (الاشتراكي الدولتي) في تحليل بثينة شعبان لشخصية مادلين ولجوئها إلى الرهبنة في الدير عبر علاقة مركبة، تكشف كيف يجري تطويع الأدوات الفكرية لخدمة سردية الاستبداد الأمني:
1. نقد “اليسار المستقل الزائف” (سقوط المثقف في شخصية فياض)
يُمثل الزوج “فياض” في الرواية نموذج الشاعر والمثقف اليساري التقدمي. ولكن عند أول اختبار قيمي وإشاعة طالت شرف زوجته، انهار هذا المثقف التقدمي وارتد سريعاً إلى العقلية الذكورية التقليدية.
تستخدم شعبان قصة مادلين لتقدم نقداً يسارياً ليسار عربي غير منضبط للدولة. الرسالة السياسية من وراء سقوط فياض هي: «إن المثقفين اليساريين والليبراليين المستقلين هم مجرد مدعين ومنافقين عند التطبيق العملي. اليسار الحقيقي والتقدمية الحقيقية التي تحمي المرأة لا توجد لدى الأفراد أو النخب المستقلة، بل توجد فقط في “الدولة العلمانية الحديثة ورعايتها الأمنية”». هذا التفكيك لشخصية فياض يهدف إلى سحب الشرعية الأخلاقية عن أي حراك يساري أو ليبرالي مستقل عن السلطة.
2. التوظيف اليساري لمناهضة البرجوازية (تصفية الحساب مع العهد القديم)
يظهر الفكر اليساري الاشتراكي بوضوح في طريقة نقد الطبقة التي ينتمي إليها والد مادلين (هاني) وابن عمها (سامي). يُصوّر التحليل الطبقة البرجوازية التقليدية (التي حكمت لبنان وسوريا قبل صعود الأنظمة العسكرية البعثية) على أنها طبقة فاسدة، انتهازية، تعامل المرأة كسلعة (صك ملكية) أو وسيلة لتوريث الثروة. مادلين هنا تُمثل “المضطهد الكادح والمنبوذ” الذي استغلته الرأسمالية والبرجوازية. التمرد هنا يُصبغ بصبغة يسارية ضد الإقطاع الرأسمالي التقليدي، مما يبرر تاريخياً صعود الأنظمة العسكرية اليسارية (البعثية) التي أطاحت بهذه الطبقات القديمة وصادرت أملاكها تحت شعار “الاشتراكية والتقدمية”.
3. “علمنة” الرهبنة وتحويلها إلى أداة رفض سياسي
في الفكر اليساري الماركسي الكلاسيكي، تُعتبر الرهبنة والاعتزال في الأديرة استسلاماً وسلبية و”أفيوناً للشعوب”، وتراها القومية العلمانية عائقاً أمام صهر المواطنين في هوية وطنية واحدة. ولكن بثينة شعبان تقوم بعملية “علمنة فكرية” للرهبنة (Secularization of Monasticism)؛ حيث تُقدَّم الرهبنة في تحليلها ليس كطقس ديني مسيحي للعبادة والتكفير، بل كـ “فعل احتجاج سياسي يساري صامت” وقطيعة كاملة مع المجتمع الرأسمالي البرجوازي الفاسد. من خلال هذا التفسير، يُعاد تعريف الرهبنة لتصبح شكلاً من أشكال “الرفض السلبي التقدمي”، مما يسمح للكاتبة اليسارية القومية بتمجيد الرهبنة دون أن تبدو متناقضة مع علمانيتها، لأنها جردت الرهبنة من معناها الديني الصرف وحولتها إلى أداة أيديولوجية لرفض المجتمع التقليدي.
سادساً: جدلية “المطابقة والمخالفة” وتصفية المرأة السياسية
اختيار شعبان لشخصية “مادلين” بالذات كـ “شخصية متخلّية/منسحبة”، وربطها بالبطلات الأخريات، هو اختيار سياسي مخطط له لإرسال رسالة “تهديد وابتزاز وجودي” موجهة إلى “القريب” (حلفاء النظام من علمانيين، يساريين، وأقليات) قبل “البعيد” (الخصوم المفترضين من الأغلبية المحافظة). تضع شعبان مادلين في مقارنة ومطابقة بنيوية مع بطلات جيلها، لتصنع منها النموذج التحذيري الأبرز عبر آلية “جدلية المطابقة والمخالفة” (Correspondence and Contrast):
مصفوفة المقارنة البنيوية بين البطلات
وجه المقارنة |
البطلات الأخريات (ليلى، ريم، لينا) |
مادلين (الشخصية المتخلية) |
المطابقة (التشابه) |
يرفضن زيف المجتمع البرجوازي، ويهتكن حجاب النفاق التقليدي، ويصطدمن بذكورية الشريك المدعي للتقدمية. |
تتطابق معهن تماماً في رفض المنظومة الأبوية، والوقوع ضحية لنفاق الشريك والمجتمع. |
المخالفة (الاختلاف) |
يخترن المواجهة النشطة الفعالة:– ليلى تندمج في المقاومة الوطنية والشارع.– ريم ولينا تواجهان في حيز المدينة الحديثة ويرفضن الانسحاب. |
تختار التخلي والانسحاب المطلق:– تتخلى عن ثروتها، زواجها، ومجتمعها المخملي.– تنسحب بصمت كامل إلى جدران الدير المعزولة. |
من خلال هذه الجدلية، تُثبت شعبان لقارئها أن أي محاولة للتمرد الفردي خارج مظلة حماية ورعاية “الدولة الأمنية العلمانية” لن تنتهي بالثورة أو التغيير، بل ستنتهي حتماً بالانكسار والانسحاب الطوعي نحو الصمت والموت الاجتماعي. ومن هنا تظهر مستويات تصفية الفاعلية السياسية للمرأة:
1. التصفية الأولى: نموذج “مادلين” – النفي إلى صمت الدير (تصفية الاحتجاج المستقل)
تُقدّم شعبان مادلين كنموذج للمرأة التي تُدمر حياتها وتُغتال سمعتها مجتمعياً بمجرد خروجها عن طاعة المنظومة بشكل مستقل. تصفية هذه المرأة سياسياً لا تحدث بالقتل المادي، بل بـ “النفي الطوعي إلى الصمت”؛ حيث يُشرعن ذهابها إلى الدير وصمتها المطلق وتخليها عن حقوقها بوصفه “طهارة وسلاماً روحياً”.
تُجمّل الكاتبة انسحاب مادلين وصمتها الكامل داخل الدير على أنه “انتصار وطهارة واعتزال سيادي”، وتتجنب تسميته باسمه الحقيقي وهو “الهزيمة والاقصاء والاستسلام”. السلطة لا تخشى التمرد إذا كان تمرداً صامتاً ومنسحباً، لأن “الصمت الصوفي” والاعتزال الروحي يُبقيان الساحة السياسية والمجال العام فارغين تماماً للسلطة لتفعل فيهما ما تشاء. الصمت هنا هو آلية لتفريغ الشحنة الاحتجاجية وتحييدها، وخصخصة المعاناة ومنع تسييس المظالم الفردية حتى لا تتحول إلى قضايا سياسية عامة تجمع الناس وتوحدهم في مطالب مشتركة ضد النظام.
2. التصفية الثانية: نموذج “ليلى” – تأميم الصوت وحصره في الخدمة القومية (تصفية القضايا النسوية لصالح الدولة)
على النقيض من مادلين، تمتلك البطلة “ليلى” في رواية “الباب المفتوح” نشاطاً سياسياً ووطنياً فاعلاً. لكن بثينة شعبان والمنظومة الأيديولوجية تشرعن هذا النشاط فقط عندما يتم “تأميمه وتصفيته”؛ إذ يُسمح به فقط عندما يُجيّر بالكامل لخدمة معارك الدولة القومية العسكرية (مقاومة الإنجليز في السويس، التطوع في الجيش الشعبي).
بالمقابل، يجري إلغاء وتصفية أي نضال سياسي نسوي يخص حقوق المرأة كفرد (مثل القوانين المدنية للأحوال الشخصية، مناهضة العنف المنزلي، حقوق المواطنة الكاملة)؛ ويُحظر أي تمرد سياسي مستقل يخرج عن وصاية أطر الدولة، ليتحول التمرد الفاعل بدوره إلى مجرد تعبئة شعبية مروضة لخدمة النظام الحاكم، ومدمجة بالكامل في “الاتحاد النسائي العام” التابع للحزب الحاكم.
النتيجة النهائية للمطابقة والمخالفة: في كلتا الحالتين، يجري تصفية الفاعلية السياسية المستقلة للمرأة بالكامل. فإما أن تكون المرأة صامتة ومنعزلة في ديرها (مادلين)، أو تكون صوتاً مكرراً ومؤمماً لشعارات الحزب والدولة (ليلى). وفي الحالتين، يظل الفضاء السياسي والقرار الفعلي حكراً على الأجهزة الأمنية والنخبة الحاكمة. صمت مادلين (المواطن) وعزلتها هما الشرط الأساسي الذي يسمح للمثقف الأمني باحتكار الكلام بالنيابة عنها صانعاً لها صوتاً بديلاً مستعاراً يناسب البروباغندا الحكومية.
3. رسالة التهديد لـ “القريب” قبل “البعيد”
تستعمل بثينة شعبان مصفوفة البطلات كأداة تهديد مبطن ورعب وجودي لـ “القريب” (النخب اليسارية، العلمانية، الأقليات، وحلفاء النظام) الذين قد تراودهم أنفسهم بالخروج عن طاعة المنظومة الأمنية:
-
تهديد “القريب” المثقف واليساري (عبر نموذج فياض): شعبان تقول لحلفائها من اليساريين والليبراليين المستقلين: «أنتم دون رعاية دولتنا الأمنية العلمانية ضعفاء، منافقون، وسترتدون حتماً إلى رجعيتكم وتخلفكم الاجتماعي والقبلي عند أول اختبار. لا قيمة لثقافتكم أو تقدميتكم خارج أطر دولتنا ونقاباتنا المرخصة».
-
تهديد “القريب” من الأقليات والعلمانيين (عبر نموذج مادلين والتخلي): الرسالة هنا: «إذا حاولتم التمرد، أو طالبتم بحريات فردية وديمقراطية حقيقية تُفكك قبضتنا الأمنية، فإن هذا المجتمع المحافظ المحيط بكم سيلتهمكم، وسيدنس شرفكم، وسيقضي عليكم؛ ولن تجدوا مكاناً للنجاة سوى الانسحاب والصمت التام في أديرتكم زاهدين في الحياة السياسية. أمنكم وحريتكم مشروطان بالخضوع المطلق لحمايتنا الأمنية».
سابعاً: المقايضة الأمنية الموجهة للغرب (الرسالة للإنجليز)
تضعنا هذه السجالات في قلب “المقايضة السلطوية العلمانية” (Secular Authoritarian Bargain) أو ما يمكن تسميته بـ “صفقة الحماية الأمنية” التي تفاوض بها بثينة شعبان الإنجليز والغرب عموماً، مستغلةً خلفيتها الأكاديمية ونشاطها الدولي لتمرير الرسائل التالية:
1. تفكيك “الوصاية الاستعمارية البريطانية” ومواجهة التمركز الأوروبي (Eurocentrism)
تخاطب شعبان الفكر الاستشراقي والنسوية الغربية التي صوّرت دائماً المرأة العربية ككائن مستسلم يقبع في “الحريم” بانتظار “المستعمر الأبيض والتحضر الغربي” لينقذها. تقول للإنجليز عبر مادلين: «إن ريادة التحرر والتمرد النسوي ولدت محلياً في بلادنا وبقلم كاتبة عربية (هند سلامة) منذ عام 1953، في وقت كان فيه الاستعمار البريطاني والفرنسي يلفظ أنفاسه الأخيرة في المنطقة. مادلين تمارس حريتها الجسدية، ترث، وترفض منطق الملكية الذكورية، وتختار عزلتها بكامل إرادتها السيادية. النسوية العربية لا تحتاج لنسخ النموذج الغربي المستورد؛ بل هي نسوية منغرسة في صصل صراعنا الطبقي المحلي؛ ونحن لا نحتاج إلى حمائية كولونيالية لتعلمنا كيف نتحرر». وبذلك تضع شعبان حداً للاستعلاء الأكاديمي النسوي البريطاني تجاه قضايا النساء في الشرق.
2. الابتزاز السياسي والجيوسياسي وصناعة سردية “صمام الأمان”
تاريخياً، استخدمت بريطانيا وفرنسا ملف “حماية الأقليات الدينية” (لا سيما المسيحيين) كذريعة وتأشيرة مرور للتدخل العسكري والسياسي في شؤون المشرق العربي منذ القرن التاسع عشر. والدير في قصة مادلين يُقدّم كحيز طاهر وآمن حماه النظام والدولة العلمانية. ترسل شعبان عبر هذا التحليل رسالة ابتزاز واضحة لصنّاع القرار في لندن والغرب مفادها:
«إن دولتنا العلمانية والقبضة الأمنية التي نمارسها هي الضمانة الوحيدة لحماية هذه الكنائس والأديرة وهذه القيم التقدمية والتحررية التي تشبه قيمكم. إذا حاولتم (كبريطانيا وغرب) دعم حركات التغيير السياسي أو الديمقراطية وحقوق الإنسان في منطقتنا، فإنكم ستفتحون الباب للأغلبية الإسلامية الرجعية لتسحق نساءً مثل مادلين وتدمر هذه الأديرة وتنهي التعددية. خياركم الوحيد لدعم الاستقرار وحماية الأقليات هو قبول حكمنا السلطوي، وغض الطرف عن غياب الديمقراطية، وتصنيف النظام كشريك لا غنى عنه».
3. مفارقة الحامي المستبد: الديكتاتورية كحارس فعلي لليبرالية
تُقدّم شعبان للإنجليز معادلة المقايضة الصادمة: إن الحامي الفعلي لنموذجكم النسائي المفضل (المتحرر، العلماني، المتمرد على الدين والتقاليد) في الشرق ليس الديمقراطية أو صناديق الاقتراع، بل هو “الدولة الأمنية/المخابراتية” ورعايتها العسكرية. وتفترض المفاوضة الحقائق التالية أمام الغرب:
-
صناديق الاقتراع عدو للمرأة الحرة: لو جرت انتخابات ديمقراطية حرة في الشرق، فإن الغالبية المحافظة والتقليدية هي من ستصل إلى السلطة، وأول ما ستفعله هو سحق نموذج مادلين، وفرض الحجاب، وإغلاق الأديرة.
-
القبضة الأمنية هي الحارس: بناءً على ما سبق، فإن “القبضة الأمنية والمخابراتية للسلطة” هي وحدها القادرة على لجم هذا المجتمع المحافظ وحماية هذه المساحات التنويرية. نموذجكم من النساء وقيمكم لا يمكنه العيش والتنفس في الشرق إلا داخل “الصوبة الزجاجية” التي تحميها دباباتنا وأجهزتنا الأمنية. فإما أن تقبلوا بدكتاتوريتنا العلمانية كحارس لقيمكم، أو تسقطونا وتتحملوا وصول البديل الأصولي.
خاتمة تركيبة
تتكامل قراءة بثينة شعبان لشخصية “مادلين” مع موقعها السياسي لتكشف كيف يمكن توظيف الفكر النسوي وقضايا التحرر الإنساني لخدمة غايات سلطوية محضة. إن “استعمال” شخصية مادلين يخدم مأرباً متعدد الطبقات والأبعاد الأيديولوجية والسياسية صُمم بعناية ضمن آلة البروباغندا الناعمة للنظام الأمني:
-
اجتماعياً وهندسة سياسية: فكك التضامنات العائلية والأهلية المستقلة بذريعة الحداثة لضمان تذرير المجتمع وسهولة ضبطه أمنياً، وأدار استقطاباً قيمياً مصطنعاً يُبقي المجتمع عاجزاً عن التوافق، ويرسخ صورة السلطة كحكم و”صمام أمان” وحيد يمنع الفوضى والتوحش الاجتماعي.
-
فئوياً وأقلياتيّاً: وظف رمزية الدير والرهبنة كملجأ من وحشية وقسوة المحيط الاجتماعي ليرسخ سردية “تحالف الأقليات” ووجوب تكاتفها لحماية وجودها خلف جدار النظام الأمني، مشجعاً خيار الانسحاب والعزلة الروحية والصمت الفردي كبديل عن العمل السياسي المشترك والمطالبة بالحقوق في الفضاء العام، مما يُفرغ طاقة التمرد مجتمعياً ويحولها إلى خلاص فردي ذاتي لا يهدد بنية السلطة السياسية بشيء.
-
مهنياً ومؤسساتياً: استخدم التباين المهني وعجز مادلين كـ “وريثة خاملة منزوعة السلاح المهني” لشرعنة الوصاية المؤسساتية للدولة؛ مرسلاً رسالة مفادها أن لا حماية للتمرد إلا إذا كان مرخصاً ومؤطراً داخل مؤسسات الدولة ونقاباتها وحركاتها الرديفة (مثل الاتحاد العام النسائي)، مستخلصاً من عجز مادلين مبرراً لوجود النخبة الحاكمة في السلطة لتقوم بدور المحامي والصحافي بالنيابة عن الضحايا الصامتات.
-
خارجياً وجيوسياسياً: مارس عملية مفاوضة وابتزاز سياسي مع الغرب والإنجليز؛ مقدماً الحداثة الشكلية وحماية جزر التعايش الروحي كطعم أيديولوجي لانتزاع اعتراف دولي وشرعية سياسية بغض الطرف عن غياب الديمقراطية وحقوق الإنسان، وإقناع صانع القرار الغربي بأن القبضة العسكرية والمخابراتية هي الحارس الوحيد لقيمهم التنويرية وللأقليات في الشرق في وجه محيط عنيف ومحافظ.