لا يمكن قراءة السجالات النقدية التي تقدمها الدكتورة بثينة شعبان في مؤلفها “مئة عام من الرواية النسائية العربية” بوصفها مجرد قراءات جمالية محايدة، بل هي مشروع فكري مصمم بعناية لتبرير بنية السلطوية العلمانية. تكمن المفارقة في شخصية شعبان؛ فهي الأكاديمية التي نالت الدكتوراه من جامعة “واريك” البريطانية ودرست تاريخ الكاتبات العربيات، لكنها تحولت إلى مستشارة سياسية وإعلامية لأقسى الأنظمة الأمنية في المشرق العربي. هذا التناقض بين “مفردات” التحرر النسوي الغربي و”واقعية” الاستخبارات السورية، جعل نقدها الأدبي يتحول إلى “سلاح ناعم” يُعيد قراءة التاريخ الأدبي لخدمة غايات أمنية تتعلق بـ “النسوية الدولتية”، وتفتيت التضامنات الأهلية، وترسيخ أطروحة “تحالف الأقليات”.
أولاً: الألاعيب اللغوية وهندسة الرسالة الأيديولوجية
بصفتها متخصصة في الأدب، لم تكن شعبان تقرأ النصوص فحسب، بل كانت “تهندسها” لغوياً. استخدمت شعبان تقنيات “البنيوية” و”التفكيكية” لتمرير رسائل سياسية مباشرة عبر:
-
اللعب بالكلمات والفونيمات: استخدمت جذوراً لغوية (مونيمات) توحي بـ “الخضوع الآمن” مثل (سـ، لـ، مـ) في مفردات “السلام”، “السكون”، و”الستر” لربط فكرة “الدير” بـ “أمن الدولة”. هي تصنع رابطاً شرطياً: الدير (العزلة) = حماية الدولة.
-
أثر التمركز (Primacy Effect): تعمدت وضع الرسائل الأيديولوجية الأكثر فجاجة في مقدمات الفصول، مستخدمة لغة تقريرية حازمة تجبر القارئ على تبني “الإطار الأمني” للنقاش قبل الغوص في تفاصيل الرواية.
-
جغرافيا النشر كأداة تواصل: اختيارها لنشر أفكارها بالإنجليزية في لندن (دار نشر نسوية بريطانية) لم يكن للثقافة، بل كان “استيلاءً على المنبر الغربي” لإضفاء شرعية دولية على خطابها، حيث تخاطب الغرب بلغة “الحقوق” وتخاطب الداخل بلغة “الأمن”.
ثانياً: رمزية الاسم “مادلين” وإسقاط “مارلين مونرو”
اختارت شعبان/الرواية اسم “مادلين” بعناية فائقة، وهو اسم يحمل رنيناً صوتياً (فونيمياً) يقترب بشكل لافت من “مارلين مونرو”. هذا الإسقاط ليس عفوياً، بل هو استعارة سياسية:
-
مارلين مونرو هي أيقونة التحرر الشكلي والجسدي التي انتهت بالانتحار والانهيار تحت وطأة ضغوط المجتمع والسياسة.
-
مادلين الرواية هي “مارلين مونرو المشرقية”؛ فكلاهما جسد “الأنوثة المستباحة” و”الضحية التي تنتهي بالعزلة أو التلاشي”. من خلال هذا الاسم، تُلمح شعبان إلى أن “التحرر الفردي” الذي لا تحميه “الدولة الأمنية” سينتهي حتماً بالفشل الوجودي أو الانتحار الاجتماعي، تماماً كما انتهت أيقونة الغرب مارلين. هي تبتز القارئ: “إذا أردتِ أن تكوني متحررة كمارلين مونرو، فمصيرك الانتحار أو الفناء، ما لم تختبئي في ديرنا (دولة الاستبداد)”.
ثالثاً: تفكيك النص.. نفاق البرجوازية وهتك الحجاب
في رواية “الحجاب المهتوك”، تُشرّح شعبان مسار مادلين:
-
النفاق البرجوازي: ولدت مادلين كابنة غير شرعية، وتموت والدتها، وتُنبذ في دير. ثم يستدعيها والدها (البرجوازي المنافق) لترث ثروته في خريف عمره. هذا التوظيف يخدم الخطاب اليساري للدولة لتشويه الطبقة السياسية القديمة وتبرير مصادرتها.
-
التمرد على الامتلاك: ترفض مادلين الزواج من “سامي” رغم العلاقة الجسدية، وهو ما يُعد ذروة التمرد. لكن شعبان توظف هذا التمرد لتقول: “إن الرجل (المثقف فياض، أو البرجوازي سامي) هو دائماً كائن خائن، والحماية الوحيدة هي الدولة”.
رابعاً: سوسيولوجيا التصفية.. كيف تقتل الدولة “المرأة السياسية”؟
استخدمت شعبان مادلين كنموذج لـ “التصفية الناعمة”:
-
تصفية المرأة المستقلة (مادلين): عبر نفيها إلى “صمت الدير”. التصفية هنا ليست بالقتل، بل بتحويلها إلى “أيقونة صامتة” تُمارس “السلام الروحي” (الخضوع). شعبان تُشرعن هذا الانسحاب بوصفه طهارة، لتقول لكل ناشطة: “اصمتي وتفرغي للعبادة أو العزلة، وسنسميكِ طاهرة”.
-
تصفية المرأة المؤممة (ليلى في “الباب المفتوح”): أما من تملك نشاطاً سياسياً كليلى، فتُصفّى عبر “التأميم”؛ أي دمج نشاطها في الاتحاد النسائي الحكومي لخدمة حروب الدولة، مما يلغي خصوصية قضايا المرأة.
خامساً: المقايضة الأمنية مع الغرب (الرسالة للإنجليز)
تُفاوض شعبان الغرب قائلة: “نحن نحمي نموذجكم من النساء (مادلين) الذي يشبه قيمكم. حامي هذا النموذج ليس الديمقراطية (التي ستأتي بالأصوليين وتدمر الأديرة)، بل هو قبضتنا الأمنية”. إنها مقايضة تقوم على “القيم مقابل الوجود”:
-
الطعم الأيديولوجي: نموذج امرأة علمانية متحررة ومساحات أقليتية آمنة.
-
الثمن السياسي: غض الطرف عن الاستبداد، عدم التدخل في حقوق الإنسان، وتصنيف النظام كشريك لا غنى عنه.