شَبَقٌ في مَعْبَدِ ابْنِ سِينَا

جَسدٌ حريريٌّ يرقصُ،

يتموّجُ كالحريرِ تحتَ يديكَ،
أقصى فنٍّ، أقصى حِراكْ.
يعرفُ اللذةَ في كلِّ مَسامٍ وتنهيدةٍ، يعصرُ الشّبقَ بذكاءْ،
لكنّهُ لا يحتاجُها كقيدٍ عابرْ؛
يحتاجُ ما هو أعمقْ.. يحتاجُ روحاً يثمرُ بها،
يلتحمُ بها ليُخصبَ الوجودَ بماءِ الغيبِ، لا بطينِ الفناءْ.

يرنو إليكَ ويفرّ، يبحثُ عن تلكَ العاطفةِ، أعمقَ من صدرٍ، أعمقَ من جزيئاتْ،
عاطفةٍ لا تُفتتُ الروحَ طيناً، ولا تسجنُها في حدودِ المادّةِ والمماتْ؛
فما عادَ تفتيتُ الروحِ يُلبي الظمأْ، ولا تشتيتُ وجدِها يروي عطشاً.

يهربُ منك كدوارِ الشبقِ الصّاعدِ، ويعودُ ليلتحمَ بكَ،
فـ “الناسُ نيامٌ” في غفلةِ أجسادِهم،
“فإذا ماتوا” في لوعتِنا واشتعالِنا الحريريّ.. “تنَبّهوا!”
نموتُ معاً في غمرةِ الجسدِ لنصحوَ في حقيقةِ الروحْ.

أنتَ كلُّ شغفي، لا تكملُني لتشدّني إلى الأرضِ،
بل تبثُّ فيَّ سرَّ الانعتاقْ،
ورحمٌ مشتاقٌ لبللِكَ الروحيّ، ينتظرُ مطرَ سماكْ،
ليثمرَ خلوداً لا فناءً.
إليكِ أهربُ من جسدي، أهربُ من ثقلِ ماديّتي،
مستسلماً لجاذبيّةٍ لا تُرتطمُ بالأرضِ،
بل ترفعُنا.. كأنّنا نكتشفُ علمَ الأسرارِ الخفيّة،
حينها.. “وغَدَتْ تُغرّدُ فوقَ ذروةِ شاهقْ،
والعِلمُ يرفعُ كلَّ مَن لم يُرفعْ.”

وهناك.. عندَ مُنتهى الشاهقْ،
بينَ شهقةِ الجنسِ والسكينةِ الباذخةْ،
تستريحُ على ثديٍ.. مَرَّ عليهِ عِشقٌ قديمْ،
عشيقٌ سابقٌ داَعَبَ الحريرَ والتقطَ اللذةَ العابرةْ،
لكنّهُ.. لم يعرفِ الروحْ!
لم يعرفْ كيفَ يُميّزُ الروحَ الشاخصةَ بينَ روحي،
وبينَ ماديّتِهِ الغارقةِ في طينِ الأرضْ..
تلك الأرضِ التي أُعيدُها مع كلِّ شهقةٍ إلى خالقِها بأنوثتي الصّارخةْ،
لا بصحنِ زَيتِهِ المستعارِ من رحيقِ عطرٍ باردْ.

رجلٌ لم يدركْ كيفَ يتلقى ندى الرغبةِ،
توقّفَ خائفاً عندَ عتبةِ الولوجِ،
وخشيَ أن يقذفَ سرَّ نُطفتِهِ..
فحملَ هوَ عبءَ خَوفِهِ، وعُقْمِهِ، وذَنْبِهِ،
ثقلاً يرتسمُ حزناً وغماً على مَلامحِ ماديّتِه العاجزةِ،
كأنّهُ المادّةُ في هبوطِها وقيدِها الهاوي؛
لقد “عَلِقَتْ بِهَا ثَاءُ الثَّقِيلِ فَأَصْبَحَتْ
بَيْنَ المَعَالِمِ وَالطلُولِ الخُضَّعِ”.

أما روحي أنا.. فقد أفلتتْ من ذاكَ الثقيلِ وقيدِهِ،
وظلّتِ الروحُ تحتَ الجلدِ بكرًا تنتظرُكَ،
لم يمسسْها قبلكَ واهمْ.

والروحُ تداعبُكَ الآنْ..
تداعبُ عُنقاً لا يعرفُ أيُّ عِطرٍ يجبُ أن يختالَ سَمْعُهُ بهِ،
ولا كيفَ تُمرَّرُ لمسةٌ..
فقطْ لمسةٌ واحدةٌ، تتركُ أصابعَها حرّاقةً بالرَّوحِ وترحلْ،
لتعيدَ للإثارةِ ذلكَ المعنى السماويَّ.. الذي فُقِدَ طويلاً على الأرضْ.

أتبكي؟
أهو ذوبانُ طينِكَ تحتَ مَطري الروحيّ، أم شبقُ اليقظةِ التي هزّتْ أركانَ سكونِكَ؟
تأمَّلْ لوعتَكَ الآنْ..
فرُبَّ امرأةٍ تشدُّ رجلاً برغبتِهِ الماديّةِ الضيّقة، تُكبّلُهُ بشهوتِهِ وتشدُّ حركتَهُ حَبواً إلى الترابْ،

وامرأةٍ أخرى.. تفتحُ مغاليقَ رغبتِكَ على اتّساعِ المدى،
تُوقدُ فيكَ الجمرَ الغافي، ثمَّ تتركُكَ مَنهوباً لخيالِكَ المشتعلِ.. لتختارْ؛
تتركُكَ تختارُ بكاملِ طوعِكَ:
أن تقتربَ مهزوزاً، لتنزعَ عن قدمِها حذاءَها الحريريَّ ببطءٍ وتلذّذْ،
تُمررُ الجلدَ والحريرَ بينَ أنامِلِكَ المرتجفةِ،
كأنّكَ طفلٌ يكتشفُ للمرةِ الأولى جَسدَ الرغبةِ.. يداعبُ شهوةَ اللعبِ والامتلاكِ الشقيّ.

أنا تلكَ المرأةُ.. التي تضبطُ أوتارَ روحِكَ وتوقظُ النبضَ المغتربَ في مداراتِ خلودِهِ؛
تلكَ الروحُ التي ما إنْ ضُبِطَتْ على نغمتي الوجوديّةِ والجسديّةِ الحارة، تذكَّرَتْ عهدَها السّمائيَّ الأوّل، فغدتْ:
“تَبْكِي إِذَا ذَكَرَتْ عُهُوداً بِالحِمَى
بِمَدَامِعٍ تَهْمِي وَلَمْ تَتَقَطَّعِ”.

أعودُ بكَ إلى رقصاتٍ لم أصممها بعدُ،
تبللُني بسائلِكَ الروحيّ، لأخترعَ جديدًا منكُ.
كأنّكَ ضابطُ إيقاعٍ يمررُ شبقَهُ في كلِّ عرقٍ،
يقودُ هذا الجسدَ الحريريَّ الذي ملَّ تكرارَ لذّتِهِ الفانية،
لا يريدُ أن يفكرْ، يريدُ أن يذوبَ بك،
تحت شتاءِ استحمامٍ لا أريدُه أن ينتهي،
رقصةٌ قنبلةٌ على مسرحِ الوجودِ،
تُشظّي المادّةَ، وتُعرّي الروحَ الحريريّة،
وانفجرتْ بك.. متنبّهةً من نومِها الطويلْ.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

سيكولوجية المقامر وتوارث التدمير

في كتابه “سيكولوجية المقامر”، يقدم الدكتور أكرم زيدان قراءة فاحصة لظاهرة المقامرة، متجاوزاً التفسيرات السطحية …