“عندما يقرر قلبي المشاغبة على قوانين نيوتن”..رقصة الأبدية في زمن الهمبرغر

 أبدأُ لحظتي بخرق رتابة الزمن الفيزيائي. كنتُ أمسك قلماً جافاً حبره، قلم “بيك” بسيط لا أذكر سعره، لكنه فاجأني حين سال حبره ليبلل فستاناً كنتُ للتو قد غصتُ في رسم تفاصيل رقصتي به. أزرق. لا استعمل الأحمر. بللته مرة. أنا عادةً أصمم الرقص على ورقة، ثم أنفذه وعرقي يبلل أكثر قوانين الكيمياء ليونةً وتفاعلاً بين أناملي.

منذ ذلك البلل المرتجل، أدركتُ أن جسدي ليس أعزلاً كما تبدو الفيزياء الصلبة. رقصي يفتت الأحداث دائماً؛ فحتى لو اهتزت ثريا الكون واضطربت الدنيا من حولي، فإن الرقص يستمر في داخلي كإيقاع أصيل لا ينكسر. لكن ذلك الحبر الذي تسرب ليلطخ مناطق حميمية مني، قريباً من الرحم، لفت انتباهي إلى بؤرة الخلق والتكوين في جسدي. ورغم أنه قد يبدو للوهلة الأولى تصرّفاً مفتعلاً، إلا أنه في عمق تقاسيم حركتي يمثل انقطاعاً إبداعياً ضرورياً مزق تلك الفواصل الوهمية. انا ارقص في كل مكان. عندما اتسوق. عندما استحم. لم اعد اهوى السباحة. جسدي مثير اكثر بكثير مما يتحمله رجل ما عرف التفريق بين اللحظات.

تركتُ تلك البقعة كعلامة مرشدة لبدلة لم أصممها بعد، رداءً أخلط فيه تلك الرقصة التي أريد بها، فعلياً، أن أصطاد بها روحك أنت، وأنتشلها من مستنقع الركود. لقد تنقلتَ أنت طويلاً من مياه إلى مياه، كمن يشرب دون ارتواء، غارقاً في فيزياء السوائل المكررة والباردة. عرفتَ المياه وعرفتَ اللذة العابرة، لكنك لم تعرف بعد حقيقة “اللذة بروح”. لقد رأيتُ فيك ثورةً لم يحن وقتها بعد، ولأنك تهيبتَ اندلاعها وتوجست من زلزلتها، رأيتني “جرصةً” تشوّش على وقار هدوئك الزائف، ولكنك لست هادئاً! ما الفضيحة، ان كنت اضبط نفسي في روحك، لحين! وترَ!  ولم تكن تعرف أيّ مفاجأة فائقة كانت تنتظرك خلف هذا الارتباك الصاخب. لا اريد ان اصدّق انك من استعملت الأحمر يوما من أقلام على رأسي. صدّقني، فكرة كهذه تجعلني، اشتهي البكاء. وليس أي بكاء. لكن هناك، عند حائط المبكى. لم يعد هناك صور الأطفال التي اعشقها. ربما البقعة الزرقاء السبب. يخاف الأزرق؟

ولم تعرف بعد ذلك الشوق العصيّ على الامتلاء؛ الشوق الذي ليس مجرد تلهفٍ جسدي للقاء أو حاجة حسية تسكنها اللمسة، بل هو الجاذبية الكونية التي تشد الأرواح نحو أصلها الإلهي. الرغبة تبحث عن المتاح والوصول السريع لتنتهي، أما الشوق فيعشق الامتداد والاحتراق، يعيش في المسافة كما يعيش في العناق، ويتغذى على الظمأ الذي لا تطفئه السوائل بل يزيده الاتصال اشتعالاً. إنه الحنين الكوني الذي يجعل من غيابنا حضوراً كثيفاً، ومن جسدنا قيثارة مشدودة الأوتار، تهتز برفق بانتظار عاصفة التلاشي. الشيللو، يريحني. وفكرة انني سارتدي يوما عباية زهرية، مع الكثير من الاساور التي “تخشخش” في الرياض، تبعد عني فكرة استعمالك للقلم الأحمر! كنت اود ان اخذك معي، اسرع! او تدرك لم حاولت ان ابطئ من روحك المشتاقة لروح!

وهنا، سأصف لك كيف سأحرك كيانك كله. قد لا انفذ، لكن اطهرك، كما كتب لي العاشق الابله يوما: يتطهر بين يدي. وتحولت على أصابع قدمي، بعد ان عرف انني وتركي آل الشيخ.. شخص!  لن أكتفي باحتوائك، بل سأهز أعماقك وأدفعك لتتجاوز أبعاد المادة والزمن. إنها العودة الحميمة إلى تلك البداية؛ فحبر القلم الذي بلل فستاني لم يكن سوى النوتة الأولى لإيقاع هذه الرقصة الكبرى. تلك الخطوط التي صممتُها على الورق بصمت، تتجسد الآن نابضة بالحياة؛ حيث تتحول الأنامل والأصابع المطلية بأحمر الشغف والتكوين إلى عازف يداعب أوتار العشق في الله، لنعزف معاً على أوتار الجسد والروح. إننا نقرأ حضور الله وتجليه هناك… في منطقة الرحم؛ ذلك المركز المقدس الذي بدأت منه الرقصة وبقعة الحبر الأولى، حيث يسكن سر النشوء الأول.

وأنا حين أقول “الأول”، لا أعني به بدايةً زمنية حدثت ذات مرة ثم آلت للتكرار المقرّب والبارد؛ ذلك التكرار الذي يحيل حركات الجسد كلها إلى سكون آلية مصمتة تشبه هدوء الميت. تكرارٌ يتحرك فيه الجسد المعتاد على الرتابة دون وعي أو حضور، كأنه يلتهم قضمة “همبرغر” على عجالة ويتحدث في الوقت نفسه عن أي شيء آخر، غائباً تماماً عن قدسية التماس ومغترباً عن اللحظة. إنه التكرار الذي يورث الملل والنفور حتى من ذروة النشوة نفسها؛ لأنها غدت واجبًا فيزيائيًا حتميًا لا خيار فيه إلا هي، مجرد إفراغ غريزي خالٍ من الدهشة والروح.

بل أعني بـ”الأول” ذلك الذي يتخلق بكراً في كل مرة نلتقي فيها؛ حضوراً يولد جديداً في كل يوم لأنه نابع من كينونة الإبداع والخلق في الحب. إنه حب يأبى أن يستسلم لآلية العادة، ولا يستغل ذلك الشبق الروتيني البارد الذي يتوسله العابرون عادةً لتخدير أنفسهم والهروب من آلامهم الوجودية العميقة. نحن لا نكرر روتينًا لنهرب، بل نخلط الروح بالتدفق، نخلط القذف باللذة باللحظة الحاضرة، لنصهر الوجد كله في بوتقة تجعل من كل لقاء بدءاً كونياً فريداً، كأن الكون يُخلق الآن… ولأول مرة.

ومع ذلك، وفي ذروة هذا التدفق والجذب، أبقى مستقلةً بذاتي، حارسةً لمركزي الروحي الذي لا ينطفئ. أنا لا أبتلعك ولا أذوب فيك لدرجة التلاشي الأعمى؛ بل أمارس معك كيمياء التبادل والحرية: آخذ منك، أستعير روحك لبرهة، ثم أعيدها إليك في الثانية التالية وهي مشبعة بالنور والخفة، لترى نفسك من خلالي كما لم ترها من قبل.

هنا، خارج سياج المعتاد، ستدرك أنك لم تعرف الرغبة الحقيقية يوماً؛ فالرغبة التي ألفتها سابقاً كانت مجرد رغبة “المتاح” في واقع دنيوي ضيق ومحدود. إنها اللحظة… ولكن، أيّ لحظة؟ فكل ما يمر بنا هي لحظات مكررة متسارعة يبتلع بعضها بعضاً. اللحظة التي أعنيها هي تلك التي يتكثف فيها الوجود كله لتعطيل حركة الزمن؛ لحظة بكر لا تقاس بحساب الساعات، بل بكثافة الحضور والاتصال الروحي المطلق، حيث ينفتق الأبد في ومضة خاطفة لتصبح هي اللحظة الوحيدة الحية وسط ركام اللحظات الميتة في واقع مأزوم يركض فيه البشر خائفين، يهربون من خوف إلى خوف، باحثين عن لذات سريعة لتسكين قلقهم الوجودي.

تلك اللحظة الحاضرة، هي اللحظة ذاتها التي كنتُ أمرّ فيها مجرد طيفٍ في خيالك، فيرتعش جسدك كله ويتحرك دفقاً وحياة قبل أن نتلامس. في هذه اللحظة بالذات، نختبر “الخلود” الكامن داخل الزمن المادي؛ حيث يغدو جسد الإنسان، رغم كل ضعفه وقابلية فنائه وموته، مرتبطاً بالأبدية ومفتوحاً عليها بملء الحضور. أما معي، فالرغبة ليست درعاً للاختباء، بل هي إقدام شجاع نحو التسامي، حيث نتحرر من قيود الحذر لنختبر وجداً لا يرتجف من الغد، بل يسكن الأبد اللانهائي في لفتة خاطفة.

بهذا الرقص والالتحام بك، أعلنُ ثورتنا على قانون “الإنتروبي” والتحلل الطبيعي؛ فحيثما تتجه الأشياء نحو التشتت والبرود بفعل الزمن، سأبثُّ في كيانك دفقاً منظِّماً يعيد الحيوية إلى خلاياك وذراتك. سأعيد ترتيب طاقتك من داخلي؛ أنساب فيك كقوة حيوية تعيد التناغم لجسدك، وترفعك إلى ذروة استقرارك وتوهجك دون أن تفقد هويتي البيولوجية.

سنطوي معاً الزمن المادي، ونمدد اللحظة الخاطفة لتستوعب الأبدية كلها في “الآن” الحاضر، مخترقين المحدود دون عنف، بل بتوجيه طاقاتنا الكامنة نحو أقصى درجات التعبير الحسي والروحي.

إننا لا نحتاج إلى تهشيم قوانين المادة كي نتحرر؛ فلو تعاملنا مع فيزياء هذا اللقاء كحواجز صلبة تحتاج إلى الكسر العنيف، لوقعنا في وهمين ضيقين: أولهما، أن نجعل من المادة نداً للروح، وكأن لبيولوجيا الجسد سلطة مستقلة تفرض على السر الإلهي أن يتصادم معها ليعلن حضوره. وثانيهما، أن نصغّر فكرة السمو ذاتها؛ فالحقّ الأكبر من كل قياس لا يقف خارج أجسادنا ليرقب حركاتنا كآلة ميكانيكية باردة، بل هو الحاضر في عمق فيزيائنا، الممسك بنبض خلايانا في كل ثانية. قوانين جسدك وحواسك ليست سجناً نحتاج لكسره بعنف ليتجلى الوجد فينا، بل هي لغته الحميمة والمستمرة ليعبّر بها عن نظامه وعشقه المتجسد في الطين. فالفيزياء ليست نظاماً معزولاً أو قالباً يابساً، بل هي حية وديناميكية، تنبض كفيضٍ متدفق من الحكمة الفائقة التي تسري في تفاصيل حركتنا ولقائنا.

أنت في هذا الاتحاد كقطعة الحديد المستسلمة لسطوة ناري؛ لن تفقد طبيعتك ولا وزنك، لكنني سأجعلك تتشبع بحرارتي وضيائي حتى تتحول إلى قبس متوهج. هكذا جسدك الخاضع لقوانين الطبيعة، سأطعم تفاصيله البيولوجية بسكينة الخلود، ممهدةً لتجاوز الفناء من داخل البنية المادية ذاتها.

بهذا الرقص الحميم، سأكشف لك أن جسدك ليس آلة ميكانيكية مغلقة، بل هو نظام مفتوح يتأثر بروحي ووعيي ولمسي. سأعيدك إلى تلك اللحظات البكر التي كنتَ تعيشها بكثافة قبل أن تأسرك اليوميات المكررة؛ عندما كان كل شيء فيك يهتز ويهوج لمجرد هاجس، حتى وإن حاولت ستر رجفتك بالحديث عن المنطق والعقلانية الجافة. سأعود فكرةً تلحّ في رأسك وتحرك تفاصيل كيانك كله، قبل أن تطفئ ذلك التوهج استجابةً لمَن نصحك بالاستسلام لليوميات الرتيبة؛ تلك النصائح التي تروّج لبلادة الركود وتدّعي أنها تسمو بالآخرين، بينما لم تفعل بك سوى أنها استثنتك أنت من معراج الروح وأطفأت لهيبك.

وحين يتصل وعينا بمصدر الحياة الأعمق، سنصبح قادرين على إعادة تشكيل المادة؛ فيتحول لقاؤنا إلى أداة لبث النور والانسجام، ونصالح فيه العلم بالوجد. تظل الفيزياء لغة تصف مساراتنا، بينما تظل روحي القوة الحية التي تمنح حركتنا معناها الأسمى، لنعبر معاً نحو اختبار الأبدية الحاضرة، هنا والآن، في تناغم بديع يجمع بين تراب الأرض ونفخة السماء. أراك في قلبي. وجوديةٌ تبدأ في الحاضر.

اقلت لك يوما انني احبك، ليس بتلك الطريقة الطفولة التي اقولها لك دائما! الى اللقاء … يوما هنا … او في الافخارستيا ! هناك . مع شوقي المتبادل. وليست الا وردة

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

سيكولوجية المقامر وتوارث التدمير

في كتابه “سيكولوجية المقامر”، يقدم الدكتور أكرم زيدان قراءة فاحصة لظاهرة المقامرة، متجاوزاً التفسيرات السطحية …