نزع السلاح عاطفياً: رحلة البحث عن الزواج المدني في أرشيف بغداد

تبدأ القصة في صالون منزل لبناني دافئ، حيث كانت “ليال”، الناشطة البيئية والحقوقية التي ترى العالم من خلال عدسة فلسفية شديدة الحساسية، تواجه ضغوطاً عائلية مكثفة للقبول بعريس تقدم لخطبتها. العريس هو “شربل”، رتيب (رقيب) في الجيش اللبناني، يتمتع بملامح منضبطة وبدلة مكوية بعناية، وهو ما جعل والدتها تراها فرصة للاستقرار والأمان.

لكن بالنسبة لليال، لم يكن شربل مجرد شاب لطيف؛ بل كان تجسيداً حياً لـ “القوة الصلبة” والمؤسسة العسكرية التي ترفضها إيديولوجياً. وفي تلك الليلة، وأمام دهشة والدتها، قررت ليال رفضه رفضاً قاطعاً، مقدّمةً مسوغاً غريباً يربط بين علاقتها العاطفية والسياسة الدولية. جادلت والدتها بأن قبولها برتيب في الجيش يعادل التواطؤ مع عقلية التسلح، مستحضرةً قرار سلطة التحالف المشتركة بحل الجيش العراقي عام 2003. واعتبرت ليال أن القرار التاريخي بحل الجيش هناك أحدث فراغاً كبيراً لأنه لم يُستبدل بمنظومة سلام حقيقية، وأنها بدورها لن تكرر هذه الغلطة، بل ستقوم بحل “مشروع الزواج العسكري” من أساسه كخطوة أولى لنزع السلاح الشخصي.

من هذا المنطلق الفكري غير المألوف، ولدت لدى ليال فكرة أكثر راديكالية: إذا كان الشرق الأوسط يعاني من تبعات العسكرة، فإن المدخل الحقيقي للسلام ليس الاتفاقيات الأمنية، بل “الزواج المدني العابر للحدود”. وقررت أن تذهب بنفسها إلى العراق، بوصفه بلداً شهد تجربة حل الجيش تاريخياً، لتطرح فكرة تشريع الزواج المدني هناك كأداة سلمية بديلة لحفظ الاستقرار.

حزمت ليال حقيبتها وتوجهت إلى بغداد، محملة بآمال عريضة ومفاهيم نظرية معقدة. وهناك، انتهى بها المطاف في دائرة الأحوال الشخصية، حيث واجهت الواقع البيروقراطي المتجسد في الموظف الخمسيني الوقور “أبو مصطفى”، الذي كان يجلس محاطاً بأكوام من المعاملات الورقية الصفراء ويحتسي الشاي ببطء شديد تحت مروحة سقف متهالكة.

تقدمت ليال بثقة وعرضت على الموظف العراقي المذهول خطتها لتشريع الزواج المدني في بغداد بهدف إنهاء عسكرة المجتمع، مستفيضة في شرح نظريتها الجيوسياسية. استمع إليها أبو مصطفى بوقار وهدوء، وحين انتهت من حديثها الطويل، سألها بفضول عراقي دافئ عن حياتها الشخصية وهل تقدم لخطبتها شخص آخر غير ذلك العسكري.

هنا تنهدت ليال وقالت: “بصراحة، تقدم لي شخص آخر يدعى ‘أنطوان’، متخصص في إدارة المعلومات والبيانات، ولديه أعمال ومصالح تجارية مع الحكومة العراقية هنا في بغداد، لكني كنت مترددة بشأن موافقته.”

لمعت عينا أبو مصطفى خلف نظارته الطبية، ووضع استكان الشاي ببطء وقال لها: “بنتي، تعوذي من الشيطان واقبلي بعرض زواج أنطوان فوراُ! هذا تخصصه إدارة معلومات، ولديه مصالح حكومية هنا. هل تعرفين ماذا يعني هذا؟ هذا هو السلاح الحقيقي في هذا العصر؛ سلطة البيانات والمعلومات أقوى من كل الجيوش التي حُلّت والتي لم تُحلّ! وإذا كان لديه عمل مع الحكومة، فربما يستطيع حوسبة هذه الأوراق الصفراء التي أعيش بينها منذ ثلاثين عاماً!”

غادرت ليال الدائرة الحكومية وهي تفكر ملياً في نصحة أبو مصطفى، مدركةً أن تفكيك العسكرة قد لا يتطلب عقود زواج مدنية معقدة، بل ربما يبدأ من قبول عرض “أنطوان” وتنظيم قواعد البيانات البيروقراطية أولاً.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

سيكولوجية المقامر وتوارث التدمير

في كتابه “سيكولوجية المقامر”، يقدم الدكتور أكرم زيدان قراءة فاحصة لظاهرة المقامرة، متجاوزاً التفسيرات السطحية …