لاهوت الخطاب وأيديولوجيا الحرب وتفكيك الهوية الدينية: انها حرب أشمل!

يرتبط فهم السياسة الخارجية الدولية تجاه الشرق الأوسط، وتجاه لبنان على وجه الخصوص، بجدلية مستمرة بين حسابات المصلحة البراغماتية للدول الكبرى وبين الأوهام والرهانات التي تبنيها القوى المحلية. وفي هذا السياق، تتقاطع المقاربة الواقعية لآليات القرار الأميركي مع القراءات النقدية للخطاب السياسي اللبناني؛ إذ يوضح هذا التقاطع كيف يسقط “الافتراضي الأيديولوجي” عندما يصطدم بـ “الحقائق المادية” للسياسة الدولية، وهو ما يشكل الجوهر المعرفي للأبحاث الألسنية والتداولية الحديثة.

لقد صرح الأستاذ الجامعي الراحل د. عقل كيروز لـ “الجزيرة نت” يوماً بأن صانع القرار الأميركي يتساءل باستمرار عن الجدوى والمصلحة من تقديم المساعدات للبنانيين، لا سيما بعد استعادة التوازنات الطبيعية وعودة الود والترابط بين لبنان ومحيطه العربي والسوري. وأوضح كيروز أن الانقسام داخل الكونغرس الأميركي ينقسم تاريخياً إلى فئتين: الديمقراطيين الذين لا يحبذون غالباً منح المساعدات للبنان، والجمهوريين الذين يتبعون سياسة الرئيس وإدارته.

كما أشار إلى أن اللوبي الصهيوني يضغط باتجاه وقف المساعدات العسكرية الثقيلة، والاكتفاء بمساعدات خفيفة وأجهزة لوجستية تحول دون تكرار حصول مواجهة عسكرية مباشرة بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي على الحدود. ولفت كيروز إلى أن المسؤولين الأميركيين يجدون أنفسهم ملزمين بتقديم تفسيرات مستمرة للشعب الأميركي، وللصحافة، وللكونغرس، تثبت أن استمرار تقديم هذه المساعدات يخدم المصلحة الاستراتيجية الأميركية، لا سيما أن الولايات المتحدة ترزح تحت أزمات مالية متراكمة (وهي اليوم أكبر وأعمق)، مما يضطرها لحصر نفقاتها الخارجية وضبط وتيرة انخراطها المالي والعسكري في الصراعات الدولية لتبدو وتيرة حروبها وحروب حلفائها أكثر ضبطاً ومحكومة بضرورات حصر النفقات.


أولاً: التحول الأميركي من “الجدوى” إلى “إدارة الدعم”

يبدو توصيف د. عقل كيروز أكثر قابلية للقراءة في الحاضر إذا ما نُظر إليه من زاوية التحول الأميركي المعاصر (خصوصاً بعد عام 2020) من سؤال “جدوى الدعم” إلى سؤال “كيفية إدارة الدعم” وشروطه، لا إلغائه بالكامل. فالمؤسسة العسكرية الأميركية ما زالت ترى في الجيش اللبناني أداة استقرار منخفضة الكلفة نسبياً مقارنة بخيارات الفوضى، لكن هذا الدعم بات اليوم أكثر ضبطاً وشروطية، ويترافق مع رقابة سياسية وتقنية أعلى.

يأتي هذا التحول في ضوء تبدل أولويات واشنطن الإقليمية والجيوسياسية بعد الحرب في أوكرانيا، وتصاعد التنافس الاستراتيجي مع الصين، وإعادة ترتيب الالتزامات في الشرق الأوسط. ولم يعد الانقسام الحزبي الأميركي يُختزل بالثنائية التقليدية، بل أصبح مرتبطاً بملفات أوسع تجعل المساعدات مشروطة بالاستقرار المؤسسي ومنع الانهيار الشامل في لبنان.

وتؤكد قراءات بحثية حديثة أن الانقسام اللبناني بعد عام 2005 لم يؤدِّ فقط إلى خلاف سياسي عابر، بل تسبب في أزمة بنيوية عميقة طالت آليات صناعة القرار الخارجي اللبناني نفسه، بحيث صار التعطيل الدستوري وفقدان الإجماع على تحديد “المصلحة الوطنية” سمة ملازمة للمرحلة اللاحقة للانسحاب السوري، مما حوّل المؤسسات اللبنانية إلى ساحة عاكسة للتجاذبات الدولية بدلاً من أن تكون رافعة لسيادة الدولة.


ثانياً: تداخل الجغرافيا واستمرارية العلاقات اللبنانية–السورية

يعيدنا هذا التوصيف الواقعي والبراغماتي حول حدود الدعم الأميركي المشروط والمحكوم بالتوازنات الداخلية وضغوط اللوبيات مباشرة إلى القراءة العميقة التي صاغها الإعلامي الراحل جوزف سماحة في مقالته الشهيرة المنشورة في صحيفة “الأخبار” يوم الخميس 21 كانون الأول 2006، والتي حملت عنواناً يختزل أزمة الارتهان للأوهام الخارجية: «لا نربح ولا نخسر» ولكن كأنّنا نربح.

إن الربط المنهجي بين تساؤلات المصلحة الأميركية التي عرضها د. كيروز وبين تفكيك سماحة لخطاب السلطة المحلية يوضح كيف يسقط “الافتراضي الأيديولوجي” عندما يصطدم بـ “الحقائق المادية” للسياسة الدولية. وفي هذا السياق، تفيد أوراق بحثية تناولت مرحلة ما بعد عام 2005 بأن العلاقات اللبنانية–السورية لم تنقطع فعلياً رغم التحول السياسي الجذري وخروج الجيش السوري؛ بل أعيد إنتاجها ضمن صيغ جديدة من التوتر والتداخل.

وظلت الجغرافيا، والحدود المشتركة، والتشابك الديموغرافي والأمني عوامل بنيوية أقوى من الخطابات السيادية المجردة التي حاولت القفز فوق الواقع. ومن هنا، فإن استعادة مقالة جوزف سماحة اليوم لا تبدو مجرد عودة إلى لحظة أرشيفية أو استذكار تاريخي، بل تمثل استحضاراً لأداة تفسيرية تفكيكية ما زالت صالحة لفهم حاضر لبناني يكرر كثيراً من أوهام تلك المرحلة ولكن بأدوات وتقنيات جديدة.


ثالثاً: الإطار الأكاديمي والمسار المنهجي لألسنية الصحافة عند سماحة

تندرج هذه المقاربة في سياق رسالة البحث لنيل شهادة الماستر في اللغة العربية وآدابها بجامعة الروح القدس – الكسليك، التي أعدتها الباحثة ريتا بولس شهوان بإشراف الدكتور ميشال زكريا، والتي اتخذت من لغة جوزف نصري سماحة نموذجاً تطبيقياً لدراسة العلاقة بين الألسنية الحديثة وصحافة التحليل. تكتسب إعادة قراءة هذا النموذج أهمية معرفية في ظل الأزمات الراهنة وتصاعد التوترات الإقليمية؛ إذ يقدم المنهج مادة فكرية تدعو لاستخلاص العبر من دروس التاريخ، وتجنب زج الحريات الرمزية والدينية في صراعات المحاور، تماشياً مع التوجهات البابوية والروحية المعاصرة (في مرحلة ما بعد وثيقة الأخوة الإنسانية) التي تسعى لصون كرامة الإنسان وتفادي استغلال المقدسات في الحروب الجيوسياسية.

استندت الدراسة إلى تطبيق نظريات الرمز والدليل عند سوسير وبارت، والنظرية السياقية عند فيرث وأولمان، والنظرية التحليلية لكاتز وفودور، وصولاً إلى التداولية البراغماتية عند بيرس وكواين وفريجة لتفكيك “خطاب القوة والتعمية” وكيفية تبدل الدلالات السياسية تلو تبدل الموازين الميدانية.

ويمكن اليوم توسيع هذا الإطار المنهجي بإدخال بعد دراسات الإعلام الرقمي والمنصات؛ فالصراع على الدلالة وتسمية الأشياء الذي عالجه سماحة لم يعد محصوراً في المقالة الافتتاحية المكتوبة أو الخطاب السياسي التقليدي، بل انتقل إلى البيئات الرقمية والخوارزميات التي تعيد إنتاج المعنى وتضخيمه داخل فقاعات تفسيرية مغلقة. بهذا المعنى، لم تعد صيغة “كأنّنا نربح” مجرد بنية لغوية بلاغية، بل أصبحت آلية تداول رقمي وصناعة إدراك جماعي عابر للحدود.

وتُظهر الدراسات التي بحثت في كواليس صناعة القرار اللبناني بعد عام 2005 أن الخطاب السياسي بات خاضعاً للاستقطاب الداخلي الحاد، مما جعل المفردة السياسية واللغة ذاتها جزءاً من بنية التعطيل المنهجي لا مجرد أداة للتعبير عنه. وهذا يعزز راهنية المقاربة الألسنية؛ إذ تكشف كيف تتحول الكلمة أحياناً إلى بديل واهم عن الفعل السياسي الفعلي، أو غطاء سيميائي لعجزه عن مواجهة الواقع المادية. لقد أراد سماحة إثبات أن صراع القوة في المشرق العربي هو صراع على “تسمية الأشياء” وتعريفها وتحديد دلالاتها قبل أن يكون صراعاً عسكرياً في الميدان، تماماً كطريقة إسقاط الاتفاقيات اللفظية على واقع إقليمي متفجر يرفض الانصياع للصياغات النظرية الجاهزة.


رابعاً: لاهوت الخطاب وأيديولوجيا الحرب وتفكيك الهوية الدينية

يتضح من قراءة فكر سماحة أن الأيديولوجيا الإمبراطورية في عهد جورج بوش الابن لم تكن علمانية، بل كانت محفوفة بـ “لاهوت الحرب الاستباقية” الذي سعى لاختطاف المفاهيم الدينية وتجريدها من سياقها التاريخي المشرقي لخدمة مشاريع الهيمنة. ويتجلى ذلك في استدعاء صورة “مسيح الصهيونية المسيحية الغربي”؛ مسيح الفتح والغزو والتقسيم الثنائي الحاد للعالم بين خير مطلق وشر مطلق، في مقابل تغييب مسيح الشرق التاريخي القائم على التعايش والتفاعل الحضاري العضوي مع الإسلام.

ولا تبدو هذه البنية اللاهوتية منفصلة عن الحاضر؛ إذ إن صعود التيارات اليمينية الدينية في الغرب وفي إسرائيل خلال السنوات الأخيرة أعاد توظيف الرموز الدينية في قلب الصراعات الجيوسياسية، ولكن ضمن صيغ أكثر التصاقاً بسرديات الأمن، والحدود، والهوية الإقصائية. وهنا يستعيد تحليل سماحة قيمته المعرفية؛ لأن اختطاف الدين لم يعد يمر عبر خطابات الحروب العسكرية المباشرة فحسب، بل عبر تبرير الاصطفافات الدولية وصناعة شرعيات رمزية مضللة تبرر العنف والتمييز.

ويتطابق هذا الاختطاف لاهوتياً مع صياغة مفاهيم “اليهودية الشارانسكية الليكودية” التي تعرّف إسرائيل كقلعة أمنية كولونيالية متقدمة في قلب المحيط العربي. ويتكامل هذا التحليل مع الحقائق المادية التي أشار إليها د. كيروز؛ إذ إن ضغط اللوبي الصهيوني داخل الكونغرس لوقف المساعدات العسكرية الثقيلة يعري هذا اللاهوت الحربي، كاشفاً أن الدعم الغربي ليس رسالة أخلاقية لحماية الأقليات أو السيادة، بل هو أداة براغماتية خاضعة لشروط الأمن الإسرائيلي المطلق، مما يفرغ شعارات “المناصرة” من مضمونها الإنساني ويحيلها إلى غطاء أيديولوجي متطرف لحروب المصالح المادية الصرفة.

وفي القراءة الراهنة، يمكن القول إن مفهوم “الأمن الإسرائيلي” نفسه لم يعد يُطرح فقط بوصفه منعاً لتسليح عسكري نوعي، بل كسياسة إقليمية أوسع لضبط التوازن اللبناني الداخلي ومنع الانهيار الكامل والمفاجئ للمؤسسات الذي قد يفتح المجال أمام تعزيز أدوار الفاعلين غير الدولتيين. هذه النقلة من منطق “المنع المطلق” إلى منطق “الإدارة الميدانية وتجنب الفوضى الشاملة” تؤكد مجدداً أن الخطاب الأخلاقي والإنساني الغربي يظل تابعاً لحسابات موازين القوة وتوازنات الردع المادية.


خامساً: التفكيك السيميائي لعنوان المقالة وأثر التشبيه “كأنّ”

يحمل عنوان مقالة جوزف سماحة «لا نربح ولا نخسر» ولكن كأنّنا نربح بنية تركيبية بالغة الدلالة تجمع بين مستويين متصادمين من الخطاب. فالشق الأول يمثل اعتراف الإمبراطورية بالمأزق والمراوحة والعجز عن الحسم الميداني في العراق، بينما يمثل الشق الثاني سلوك التابع المحلي الذي يعيش حالة إنكار أيديولوجي تام. وتبرز هنا أداة التشبيه والنصب “كأنّ” كعلامة ألسنية دالة على الافتراض الوهمي والمحاكاة الزائفة التي تعوض غياب الإنجاز الفعلي على الأرض.

ففي الوقت الذي ترزح فيه واشنطن تحت أزمتها المالية وتناقش فيه نخبها في مجلس الشيوخ جدوى الإنفاق وتضغط اللوبيات لتقييد التسلح اللبناني، تصر السلطة المحلية اللبنانية وحلفاؤها البريستوليون على التصرف لغوياً وعملياً “كما لو أنهم” يستندون إلى حليف ينتصر يملك تفويضاً مطلقاً لتغيير وجه المنطقة. ويكشف حرف المشبه بالفعل تداولياً عن رغبة أيديولوجية في تزييف الحقائق؛ حيث يعجز التابع عن مواجهة حقيقة تراجع راعيه فيستعيض عن الواقع ببناء انتصار افتراضي في خطابه اليومي لتبرير خياراته السياسية.

وإذا نُقلت هذه البنية التركيبية إلى الحاضر الرقمي، فإن “كأنّ” لم تعد مجرد أداة لغوية للإنكار السياسي داخل المقال المكتوب، بل تحولت إلى شكل رئيسي من أشكال الإنتاج الإعلامي اليومي في الفضاء الافتراضي. حيث تُبنى الانطباعات، وتُدار التعبئات الجماعية، وتُصنع الانتصارات والتهديدات الوهمية عبر الصور المختارة بعناية، والعناوين المبتورة، والسرديات السريعة التي تضخمها الخوارزميات. هذا التوسع من التداول السياسي النخبوي إلى التداول المنصاتي العام يجعل من العنوان السماحي صيغة تفسيرية معاصرة لتفكيك “اقتصاد الوهم الإعلامي” في لبنان والمنطقة.


سادساً: صدام “الافتراضي” بالواقع وموازين الربح والخسارة الإمبراطورية

بتطبيق تمييز غوتلوب فريجة بين المعنى الذهني (Sinn) والإشارة المرجعية الواقعية (Bedeutung)، يظهر نقد سماحة كيف تهاوت الأطروحة الأميركية لعدم وجود مرجع واقعي يطابقها. فبينما بنى بوش عراقاً افتراضياً يفيض بدلالات التحرير والديمقراطية وإعادة الهيكلة كعناصر تعبر عن المعنى الذهني، كشف الواقع التجريبي المتمثل في الانهيار الأمني وتصاعد العمليات الميدانية زيف هذا الادعاء اللفظي.

وقد انعكس هذا الصدام العملي تراجعاً في البنية المعجمية لخطاب بوش الذي انتقل من التضاد الحاد القاطع المتمثل في مقولة “بالتأكيد إننا نربح”، إلى التضاد المتدرج الرمادي والمبهم المتمثل في صيغة “إننا لا نربح ولكننا أيضاً لا نخسر”. هذا التراجع اللغوي سلب الخطاب ملامح الوضوح والحسم وأبقى فقط على ملامح المعاندة الذهنية، مما يثبت أن خسارة الإمبراطورية للقدرة على فرض دلالاتها القاطعة تعني براغماتياً خسارة سلطتها الجيوسياسية، وهو ما جعل سلوك حلفائها المحليين وإصرارهم على العيش في وهم “كأننا نربح” يبدو منفصلاً تماماً عن حركة التاريخ والواقع المادي العنيد.

وتسمح أوراق بحثية تناولت لبنان بعد الانسحاب السوري بفهم أعمق لهذه المسافة الشاسعة بين الافتراض والواقع؛ إذ حذرت تلك الدراسات مبكراً من أن إعادة السيادة الشكلية لا تعني تلقائياً استقراراً مؤسسياً فعلياً، وأن غياب التوافق الوطني الحقيقي وبناء مؤسسات الدولة القادرة يفتح الباب واسعاً أمام العنف، والاختناقات الدستورية، والتدخلات الخارجية المستمرة. ومن هنا، فإن نقد سماحة للوهم لا يخص الساحة العراقية أو إدارة المحافظين الجدد فحسب، بل يطال البنية اللبنانية المزمنة التي تصر على تكرار إنتاج الأوهام السيادية والرهان على الخارج دون وجود مرجع واقعي صلب يستند إلى تماسك مجتمعي ومؤسساتي داخلي.


سابعاً: تسهيم الضغط وعناد الدولة الوطنية وتأثير التحولات الإقليمية

قامت الاستراتيجية الإمبراطورية للمحافظين الجدد على فكرة تعميم الحرب وتسهيم الضغط نحو الدول المحورية وفي مقدمتها السعودية لتفكيك الهوية الإسلامية التقليدية وتعديل بنيتها الدينية لتلائم نموذج الاعتدال الأميركي المرتجى. غير أن هذه الاستراتيجية المفتعلة اصطدمت بما أسماه سماحة “قوة الدولة الوطنية” وصمود الشرعيات والكيانات التقليدية في المنطقة التي قاومت التفكيك القسري واستخدمت وزنها الجيوسياسي لتعطيل نظرية الدومينو السلبي.

ويتجلى هذا الفشل الأيديولوجي عملياً في العودة الحتمية للمسارات الطبيعية والجغرافية التي أشار إليها د. كيروز والمتمثلة في عودة الود والترابط بين لبنان وسوريا رغماً عن الإرادة الأميركية الرامية للفصل القسري. وتثبت هذه العودة التاريخية تهافت مشاريع الفصم الأيديولوجي؛ إذ دفع هذا التحول النخب الأميركية للتساؤل المباشر عن مصلحتها في تمويل بلد يعود ديموغرافياً وجغرافياً إلى محيطه الطبيعي، مما يكشف عبثية رهان السلطة اللبنانية التي حاولت طويلاً إلغاء حقائق الجغرافيا بقرارات دولية واهية.

وتدعم الأدبيات التي ناقشت العلاقات اللبنانية–السورية بعد عام 2005 هذا المنحى، إذ تشير إلى أن الفصل السياسي بين المسارين لم يُنهِ التداخل البنيوي بين البلدين، بل أعاد صياغته في صورة هشاشة حدودية وتوترات اجتماعية وتداخل أمني وسياسي مستمر. ولذلك، فإن الجغرافيا في هذا السياق ليست مجرد استعارة بلاغية بل هي بنية تفسيرية مادية صلبة تظل أقوى من كل الخطابات الأيديولوجية التي حاولت تجاوزها.


ثامناً: الانقلاب الدلالي وتحديات الوجود المسيحي المشرقي

يمثل تدمير المسيحية المشرقية النتيجة الأكثر مأساوية لسياسات تعميم الحرب والاستقواء بالخارج المأزوم؛ حيث يفكك سماحة وقوع بعض النخب المسيحية اللبنانية في فخ انقلاب دلالي قاتل يقوم على أنسنة المستعمر واعتباره ضامناً للسيادة وحامياً للأقليات، مقابل شيطنة الشريك المشرقي التاريخي وتصويره كتهديد وجودي مستمر. وأدى هذا الانقلاب الدلالي إلى تسميم العقد الميثاقي وتدمير المساحة الحضارية الوسطى التي سمحت تاريخياً للمسيحيين بلعب دور الجسر وصلة الوصل بين الشرق والغرب.

وتكشف النتائج العملية أن الاستقواء بالوعود الإمبراطورية لم يثمر سوى عن تفجير الحروب المذهبية وتفكيك الدول الحامية للتنوع وبروز الراديكاليات التكفيرية التي استهدفت الوجود المسيحي التاريخي. ومع تراجع بوش إلى رمادية “لا نربح ولا نخسر” وبحثه عن تسويات للخروج، تُرك المسيحيون الذين تماهوا مع خطابه في عراء استراتيجي بعد أن حطم خطابهم الانعزالي جسور العيش المشترك مع شريكهم في الوطن والمحيط، مما سرّع من وتيرة هجرتهم وتصفية وجودهم التاريخي نتيجة السقوط في وهم “كأنّنا نربح”.

وفي الحاضر، يزداد هذا التحذير ثقلاً مع استمرار النزيف الديموغرافي للمسيحيين في لبنان والمنطقة، بالتوازي مع بروز محاولات جديدة لإعادة تعريف الدور المسيحي ضمن منطق الدولة، والمؤسسات، والمواطنة الحاضنة للتنوع، لا ضمن ثنائية الحماية الخارجية أو الانعزال الطائفي. وهذه النقلة، وإن بدت هشة وتواجه عقبات جمة، تفتح أفقاً للخروج من الفخ الدلالي الذي حذر منه سماحة؛ أي من التماهي مع أوهام القوة الخارجية إلى استعادة منطق الشراكة الداخلية الفاعلة والامتداد المشرقي الطبيعي.


تاسعاً: البعد الأكاديمي والبحثي المضاف في واقع الانهيار اللبناني

تؤكد أوراق بحثية حديثة أن لبنان ظلّ، منذ انفجار الأزمة السورية عام 2011، الأكثر هشاشة وتأثراً أمام الارتدادات الأمنية والسياسية والاقتصادية وملف النزوح، مع استمرار سياسة “النأي بالنفس” بوصفها مجرد آلية لإدارة الأزمة وتجنب انفجارها الداخلي لا حلاً بنيوياً جذرياً لها. وبقيت العلاقات اللبنانية–السورية محكومة بتداخل الجغرافيا والحدود والاصطفافات الطائفية الإقليمية.

كما تظهر هذه الأوراق أن الانهيار الاقتصادي والمؤسساتي العميق الذي شهده لبنان منذ عام 2019 لم يُلغِ الترابط العضوي مع المحيط، بل أعاد تأكيده وإبرازه عبر ملفات حيوية كبرى مثل خطوط الطاقة الإقليمية، النزوح، ضبط الحدود، والتعاون الأمني، مما يجعل سؤال العلاقة مع المحيط الجغرافي سؤالاً بنيوياً مستمراً لا مجرد خيار سياسي عابر يمكن إلغاؤه بقرار فوقي.

وتفيد دراسة عن إشكالية صنع القرار الخارجي اللبناني بعد العام 2005 بأن خروج سوريا من لبنان لم يؤدِّ تلقائياً إلى سيادة قرار خارجي متماسك ومستقل، بل فتح الباب أمام تعاظم الانقسامات الداخلية الحادة وتزايد تأثير التدخلات الإقليمية والدولية في تعطيل المؤسسات الدستورية والاستحقاقات الرئاسية والحكومية. وبالمثل، حذرت تقارير مبكرة عن مرحلة “لبنان بعد سوريا” من أن الانتقال من مرحلة الوصاية المفروضة إلى الاستقلال الشكلي دون تسوية داخلية صلبة وبنية دولة فعلية، قد يفتح الباب على مصراعيه أمام الفوضى الدستورية والارتهان للمحاور الخارجية المتقلبة.


عاشراً: هندسة الاستقرار الإقليمي وتحوّلات “الودّ” مع سوريا في المنظومة الأميركية

ومن هنا، لا يعود التقارب مع سوريا في اللحظة الراهنة تعبيراً عن تحوّل سيادي خالص بقدر ما يصبح جزءاً من إعادة ترتيب المنطقة ضمن سقف المصالح الأميركية وتوازنات الهيمنة الإقليمية.

أما في القراءة الآنية، فإن الودّ أو التقارب مع سوريا لم يعد يُفهم خارج منظومة المصالح الأميركية في الشرق الأوسط، إذ تبدو واشنطن اليوم أكثر ميلاً إلى إدارة العلاقة اللبنانية–السورية بوصفها جزءاً من هندسة الاستقرار الإقليمي، لا بوصفها مسألة سيادة ثنائية مستقلة. وهذا يعني أن أيّ انفتاح على دمشق يمرّ عملياً عبر حسابات الهيمنة الأميركية وأولوياتها المرتبطة بضبط الحدود، ومنع التهريب، وحصر السلاح، وتأمين توازنات لا تُربك أمن إسرائيل أو الشبكة الإقليمية للمصالح الغربية.

وبهذا المعنى، فإنّ ‘الودّ’ مع سوريا اليوم ليس خارج النفوذ الأميركي، بل غالباً ما يجري ضمنه أو بواسطته، لأن الولايات المتحدة ما تزال ترى الشرق الأوسط من زاوية المصالح، وإعادة التموضع، وإدارة التوازنات، لا من زاوية الشراكات السيادية المتكافئة.


خلاصة تداولية واستشرافية

يخلص التفكيك الدلالي والتداولي لمقالة جوزف سماحة، معززاً بالقراءة الواقعية لآليات القرار الأميركي، إلى أن لغة الأوهام والرهانات الافتراضية والارتهان للحمايات الخارجية المتهالكة لا يمكنها الصمود أمام حقائق الجغرافيا والسيادة والتوازنات المادية الدولية. إن الوجود التاريخي الأصيل لمسيحيي الشرق وتنوعهم الحي لا يمكن صونه وبناؤه على سراب الوعود الإمبراطورية المحكومة بتقلبات الكونغرس وفيتو اللوبي الصهيوني وضغوط الميزانيات الاقتصادية، بل يتطلب بالضرورة التجذر في الهوية العربية المشرقية وبناء أسس الشراكة العميقة والمواطنة الحقيقية مع الشريك والمحيط الطبيعي والجغرافي المستقر، لإعادة الاعتبار لدورهم التاريخي كصلة وصل وحضارة أصيلة لا كأدوات ورهائن في حروب المحاور الدولية المأزومة.

وإذا أُعيد وصل هذا الاستنتاج بالحاضر، يتأكد أن التطورات منذ عام 2006 حتى اليوم تثبت أن ما طرحه سماحة لم يكن مجرد توصيف لمرحلة زمنية منقضية، بل يمثل بنية تحليلية مستمرة وراهنة تفسر تراجع الهيمنة الأحادية، صعود البراغماتية الصرفة، وتحول الخطاب الدولي إلى أداة لإدارة الأزمات الميدانية لا لحسمها.

وفي الحالة اللبنانية، يتكرر الدرس التاريخي نفسه بأشكال وصيغ جديدة: لا يمكن بناء سياسات مستدامة أو حماية كيان الدولة على افتراضات خارجية متقلبة، ولا على لغة سياسية مأزومة منفصلة عن الوقائع المادية، ولا على تعبئات رقمية خوارزمية تنتج وهماً جماعياً بديلاً من الفعل التاريخي الرشيد والوعي البنيوي المتماسك.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …