من الداروينية الاجتماعية إلى التفكيك الدلالي: صراع التسمية وبناء الصورة الذهنية في قراءة سماحة لخطاب القوة

تتقاطع الأبعاد السياسية واللسانية في تحليل الخطاب بوصفها أدوات لكشف آليات الهيمنة وتفكيك البنى الإيديولوجية المضمرة في اللغة. وفي هذا السياق، يبرز مقال الكاتب الراحل جوزف سماحة “بوش إن حكى” كأرضية خصبة لتطبيق المقولات السيميائية والدلالية، حيث لا يقدم النص مجرد قراءة صحفية لحرب تموز 2006، بل يخوض صراعاً دلالياً لتفكيك السردية الاستعمارية التي حاولت الإدارة الأمريكية، بزعامة جورج بوش الابن، فرضها على مخيلة المتلقي. إن هذا التحليل يسعى إلى تتبع كيف يعيد سماحة بناء المعنى من خلال كشف التلاعب السيميائي في الخطاب الأمريكي، مستنداً إلى قراءة واعية لدور الدلالة في بناء الصورة الذهنية (Mental Image) التي تُستخدم كرافعة لتوجيه سلوك الرأي العام وصناعة قبوله بالحروب والتدخلات الإمبراطورية، وهو ما يجد امتداداته البنيوية العميقة في السياسة الأمريكية المعاصرة تجاه لبنان والمنطقة حتى يومنا هذا.

ويتبدّى هذا الصراع الدلالي في تفاعل صورتين ذهنيتين متضادتين لبوش نفسه؛ الأولى هي صورته الذاتية التي يرسلها عن نفسه كرسول للحرية وحارس للحضارة الغربية المنقذة، والثانية هي صورته المفككة التي يرسمها سماحة كوكيل إمبراطوري مستبد يتستر بالبلاغة لتسويغ الغزو العسكري. ويكشف التحليل “كيف” خاض سماحة هذا التفكيك اللساني ضد هذه الصورة الإمبراطورية المخادعة؛ إذ استخدم الكاتب آلية “تفكيك التسمية” عبر وضع المصطلحات المفتاحية للاستعمار بين مزدوجين وعلامات اقتباس نقدية (مثل “النكبة اللبنانية”، “الديمقراطية”، “النجاحات”، “الإرهابيين”). هذه الآلية الإيقاعية البصرية واللسانية لا تهدف لمجرد إبراز الاقتباس، بل لخلق مسافة نقدية تقطع العلاقة التلقائية بين الدال ومدلوله الاستعماري، كاشفةً عن تزييف مرجعي متعمد يقوم به بوش لتجميل صورته أمام العالم. علاوة على ذلك، لجأ سماحة إلى “الإبدال المعجمي”؛ حيث يستقبل ألفاظ بوش المبرقة ويفكك ملامحها الدلالية ليعيد تركيبها معجمياً في حقول دلالية مضادة؛ فيتحول “البقاء في موقع الهجوم” في خطاب بوش إلى “عدوان مستمر” في خطاب سماحة، وتتحول “الذريعة” (أسر الجنديين) من سبب بنيوي إلى مجرد غطاء إجرائي لتمهيد الطريق للمخطط الإقليمي. هذا الفرز اللساني يكشف عوار التركيب النحوي والدلالي للغة الهيمنة، ويعيد بناء الجملة السياسية لتظهر الحقيقة العارية للرئيس الأمريكي خلف أقنعته البلاغية التي تفاعلت عام 2006 مع سياقات الغزو المباشر، وتتفاعل اليوم مع سياقات الهيمنة التكنولوجية والمالية الأمريكية المستمرة.

وتتلاقى هاتان الصورتان المتصارعتان لتصنعا تفاعلاً فريداً مع سياق الداروينينة الاجتماعية وقانون “البقاء للأقوى” عبر آليتي التكيف والتخطي؛ فبينما يرسل بوش صورة عن نفسه كقائد عقلاني يقود عملية “التكيف الوجودي” للنظام العالمي الجديد لحماية الديمقراطية من الفوضى، يرسمه سماحة كحيوان استعماري كاسر يوظف منطق الطبيعة لتبرير إبادة الضعفاء. في خطاب بوش، تُقدم عبارة “البقاء في موقع الهجوم” كأداة لشرعنة التكيف الإيجابي مع البيئة الأمنية الجديدة بعد أحداث 11 أيلول؛ حيث تصبح الحرب الاستباقية الدائمة وسيلة بيولوجية-سياسية لبقاء الكيان الإمبراطوري المتفوق في بيئة دولية معادية ومضطربة. يعتمد خطاب الهيمنة هنا على فرضية مفادها أن البقاء للأقوى يتطلب تكيفاً هجومياً مستمراً يستبق التهديدات ويقضي عليها قبل ولادتها، وتتطلب هذه الآلية تخطياً صريحاً لكافة القوانين والحدود والقرارات الدولية التي تكبّل حركة القوة المتفوقة. سماحة، من جهته، يلتقط هذا المضمون الدارويني المضمر ويكشف تزييفه؛ فيترجم دلالة “التكيف الهجومي” إلى حقيقتها العارية بوصفها “عدواناً مستمراً”، مبيناً أن ما تسميه واشنطن تكيفاً وجودياً وتخطياً عقلياً للمنظومة الدولية القديمة هو في جوهره فوضى بربرية وقوننة لشريعة الغاب الإمبريالية. ومن ثم، فإن إبدال سماحة اللساني يجرد الخطاب الأمريكي من غطائه الطبيعي التطوري، كاشفاً أن التخطي الأمريكي ليس ارتقاءً حضارياً بل هو عدوان وحشي مستمر يسعى لتصفية الشعوب وإخضاعها لضمان بقاء الهيمنة الإمبراطورية على حساب دماء الضحايا وسيادة الدول، وهي دلالة داروينية تفاعلت عام 2006 مع دبابات الغزو، وتتفاعل اليوم في 2024 مع طائرات غزة ولبنان المسيرة والذكاء الاصطناعي الحربي الذي يمارس بقاء الأقوى بأدوات رقمية محدثة.

وفي سياق الانتقال من التفسير الدارويني إلى البناء السيميائي الصرف، تتواجه الصورة الذاتية لبوش كمرجع ومؤسس لغوي مطلق للقيم الكونية مع صورة سماحة له كقرصان دلالي يغتصب المعاني لتسويغ الجريمة؛ حيث يرتبط هذا التنافس الدلالي مباشرة بالبنية السوسيرية والبيرسية للعلامة اللغوية. فبينما يفترض سوسير اعتباطية العلامة اللغوية، يسعى خطاب بوش الحالم بالهيمنة المطلقة إلى تحويل هذا الاعتباط إلى حتمية إدراكية تُقنع المتلقي بأن دال “الحرية” لا يمكن أن يعني إلا الخضوع لأمريكا، ودال “الإرهاب” لا يمكن أن يعني إلا مقاومتها. هذا التثبيت الدلالي المصمم لبناء صورة بوش كـ”مخلص” يسعى لتوجيه سلوك الرأي العام من خلال بناء صورة ذهنية نمطية تعمل وفق نموذج بيرس السيميائي كـ”مؤول” عقلي. إن الرمز البيرسي هنا ليس أداة معرفية بريئة، بل هو قانون اصطلاحي يوجّه السلوك الجماعي؛ فعندما ينجح الخطاب الرئاسي في غرس صورة ذهنية تربط المقاومة بالخراب والتوتاليتارية، فإنه ينتج تلقائياً سلوكاً جماعياً مؤيداً للعدوان، وقابلاً بالتضحية بالسيادة الوطنية، وهي هندسة تواصلية نجح بوش في تمريرها جزئياً عام 2006 عبر ترويع الجمهور، بينما تصطدم اليوم في 2024 بوعي شعبي إقليمي متزايد يكشف التباعد الصارخ بين الرمز الأمريكي ومدلوله الدموي الملموس على أرض الواقع.

هذا التنافر الحاد بين صورة بوش كحارس للرموز الكونية وصورته كأداة لتدميرها يتبدى بوضوح في الفضاء النفسي اللاكاني والمثلث الدلالي؛ حيث تتواجه صورة بوش الذاتية كحامٍ للنظام الرمزي والقانون الدولي مع صورة سماحة له كمخرب بربري يهدم هذا النظام لصالح عنف “الواقعي البشع” الذي يستعصي على اللغة والترميز. فالصورة الذهنية تشكل الركيزة الأساسية للنظام “الخيالي” (The Imaginary) الذي يتغذى من النظام “الرمزي” (The Symbolic) المتمثل في اللغة والقانون؛ بيد أن هذا النظام الرمزي يعيش حالة من التصدع البنيوي الكارثي نتيجة التضاد الحاد والعميق بين لغة “القانون الدولي” وبين الممارسات المادية العنيفة التي شهدتها حربا غزة ولبنان عام 2024. فبينما يمثل القانون الدولي في المنظومة الرمزية الكونية “الأب الراعي” الممثل للحق والعدل والاتفاقيات الدولية الحامية للمدنيين وحصانة الصحفيين، فإن الواقع المادي يسحق هذه الرموز لسانياً وجسدياً. يتجلى هذا التضاد العنيف في الاستهداف الممنهج والاغتيال المباشر للصحفيين لطمس معالم الجريمة الميدانية وحجب الحقيقة الدلالية للعدوان، والقيام بجرائم إبادة جماعية عصرية ومطورة تُدار بالذكاء الاصطناعي، واستخدام أسلحة ثقيلة جداً وقنابل خارقة للحصون تزن آلاف الأرطال لإبادة مجمعات سكنية كاملة ومسح قرى ومربعات سكنية عن وجه الأرض في غزة وبيروت والجنوب. إن هذا العنف التدميري المفرط يمثل هجوماً همجياً من رتبة “الواقعي الصادم” (The Real) على النظام الرمزي للقانون الدولي؛ إذ تستخدم القوة الاستعمارية لغة القانون كقناع رمزي كاذب لتمرير وهم “الحضارة والعدالة”، بينما تمارس في الواقع وحشية مطلقة تهدم مرجعية هذا القانون نفسه. هذا التضاد الصارخ يولد تمزقاً معرفياً وصدمة وجودية لدى الرأي العام؛ حيث ينكشف القانون الدولي في الوعي الجمعي ليس كحصن أخلاقي حمائي، بل كأداة هيدروليكية أيديولوجية تُستخدم لشرعنة ذبح الضحية وتبرئة القاتل، مما يؤدي إلى انهيار الثقة بالبنية الرمزية للمنظومة الأخلاقية العالمية وحلول الفوضى المطلقة حيث لا يسود إلا قانون الغاب الإمبراطوري المتوحش.

وينعكس هذا التهافت لرموز السلطة عند انتقال الصورتين الذهنيتين المتنازعتين لبوش إلى ميدان التأطير الإدراكي لليبمان ولاكوف؛ حيث تتواجه صورة بوش عن نفسه كـ”محرر” للشعوب ومخرج لها من نير الاستبداد إلى فضاء الديمقراطية، مع صورة سماحة له كـ”سجان إدراكي” يبني بيئة زائفة لمحاصرة وعي المتلقي وسلبه القدرة على الحركة. فالصورة الذهنية ليست لقطة ساكنة، بل هي دينامية إدراكية تعمل كمخطط توجيهي يحدد مسبقاً تفاعل الفرد مع الواقع الخارجي. ومن خلال أطروحات جورج لاكوف حول “التأطير المعرفي”، نجد أن الكلمات تنشط أطراً إدراكية تفرض طريقة تفكير معينة وتحجب غيرها؛ فبوش يسعى لبناء بيئة زائفة أو “صور داخل رؤوسنا” يتصرف الجمهور بناءً عليها، معتقداً أن المقاومة هي مسببة خرابه ومصدر تهديد ازدهاره. سماحة يفكك هذا السجن الإدراكي كاشفاً أن تدمير الصورة الذهنية الإيجابية للمقاومة يهدف بالدرجة الأولى إلى إنتاج سلوك محلي مستسلم يطالب بنزع السلاح والانقسام الداخلي لصالح الهيمنة الأمريكية، وهو صراع على وعي المتلقي تفاعل بقوة عام 2006 مع مشاريع الفتنة الداخلية، ويتفاعل اليوم في 2024 من خلال الضغط العقابي والاقتصادي لتوجيه الرأي العام اللبناني نحو الاستسلام بدعوى النجاة الفردية والاقتصادية.

وتصل لعبة الصور الذهنية المتصارعة ذروتها الإدراكية والسلوكية عند تفكيك دمج بوش لحركات المقاومة بالقاعدة؛ حيث تتصادم صورة بوش الذاتية كـ”محلل أمني عقلاني” يصنف الأخطار الكونية بدقة لحماية البشرية، مع صورة سماحة له كـ”مزيف معرفي إيديولوجي” يطمس الفروق لغايات استعمارية بحتة. إن هذا الدمج الدلالي الذي مارسه بوش يمثل ذروة التبسيط الإدراكي المتعمد الموجه للرأي العام؛ إذ يسعى لتجريد حركات المقاومة كحماس وحزب الله من ملامحها الدلالية والتمييزية الخاصة (وفق التحليل المكوناتي لكاتز وفودر) التي تربطها بالتحرر الوطني والتمثيل البرلماني والاجتماعي المحلي، ودمجها في الحقل الدلالي للتنظيمات التكفيرية العدمية. ومن منظور جوليا كريستيفا وتودوروف، يعمل الرمز كأداة حصر واستبعاد تهدف إلى حجب المرجعية الواقعية لهذه الحركات لبرمجة سلوك المتلقي الغربي والمحلي ليرفض أي خيار غير خيار الإبادة والاستئصال والعزل الشامل؛ فالمتلقي الذي تترسخ في ذهنه صورة التطابق بين حزب الله والقاعدة لن يسلك سلوكاً تفاهمياً بل سيندفع تلقائياً نحو تبني السلوك الحربي التدميري الإمبراطوري، وهي آلية برمجية تفاعلت عام 2006 لتبرير تدمير لبنان، وتتفاعل اليوم في 2024 لتبرير المحو الوجودي لغزة وجنوب لبنان تحت ذريعة مكافحة الإرهاب العالمي الموحد.

هذه التجزئة اللغوية تتفاعل مباشرة مع الصورتين المتصارعتين لبوش عند إقحام المشروع الصهيوني والتمدد الإيراني في صلب المعركة الدلالية؛ إذ تتواجه صورة بوش الذاتية كـ”راعٍ للتوازن العربي واستقرار الديمقراطيات الناشئة” ضد المحاور الشمولية، مع صورة سماحة له كـ”مهندس للتفتيت الاستعماري” الذي زرع الصهيونية كقاعدة متقدمة للإمبريالية ويعمل على تقسيم المنطقة إدراكياً وسلوكياً. فالصهيونية، بوصفها نتاجاً متقدماً للاستعمار الغربي الاستيطاني، تُمثل القاعدة المادية التي يرتكز عليها الخطاب الأمريكي لفرز المعاني وتدمير شروط السيادة العربية. وفي المقابل، يتداخل هذا المشروع مع سردية التمدد الإيراني الفارسي التي تُستخدم في الخطاب المقابل لتصوير الصراع كحروب بالوكالة تسلب الشعوب المحلية إرادتها لصالح مشروع نفوذ أيديولوجي توسعي؛ مما يقسم الرأي العام المحلي إدراكياً وسلوكياً بين الانحياز للمقاومة كحتمية سياقية بمساعدة إيرانية، وبين الخوف من التبعية للمشروع الفارسي كبديل للاستعمار الغربي. سماحة يفكك هذا الشلل الإدراكي مبيناً أن بوش يستغل هذا الانقسام لتدمير السيادة الوطنية، وهي دينامية تفاعلت عام 2006 لتقسيم الشارع اللبناني، وتنشط اليوم في 2024 لتعميق الفرز المذهبي والسياسي بما يحيد وعي الجماهير عن مواجهة العدوان الوجودي الصهيوني ويشلها عن صياغة مشروع تحرري مستقل.

وفي الانتقال إلى البنية العميقة لنموذج غريماس، تتواجه صورة بوش الرئاسية كـ”قائد مستجيب لأزمة إنسانية طارئة ومحايدة” (أسر الجنديين) بهدف الدفاع عن الاستقرار، مع صورة سماحة له كـ”متربص إمبراطوري يترصد الذرائع” لتنفيذ مخططات معدة سلفاً في الغرف المغلقة. فالبنية السطحية للخطاب الاستعماري تبرز الحدث الحدودي كسبب أصيل للحرب لبناء صورة ذهنية تلوم المقاومة وتدفع الرأي العام نحو سلوك الإدانة الداخلية وتبني خيارات التراجع والتسليم. غير أن سماحة ينزل بالتحليل إلى البنية العميقة لغريماس كاشفاً عبر علاقات التضاد والتناقض والاقتضاء أن العدوان كان حلقة محتومة في إستراتيجية أمريكية مسبقة لإعادة صياغة الخارطة الجيوسياسية. إن عملية إعادة البناء الدلالي هذه تسعى لتدمير الصورة الذهنية لـ”الدفاع الاستباقي” واستبدالها بصورة ذهنية تضع الحرب في سياقها الحقيقي كغزو إمبراطوري يستهدف السيادة؛ مما يغير السلوك المتوقع من الرأي العام اللبناني بشكل جذري، فيتحول من سلوك الانقسام واللوم المتبادل عام 2006 إلى سلوك الصمود والالتفاف الشعبي حول خيار المقاومة، وهو تدافع بنيوي إدراكي يتجدد اليوم في 2024 حيث تقدم إسرائيل الحرب كاستجابة دفاعية لتأمين حدودها الشمالية بينما تكشف البنية العميقة للعدوان عن رغبة استراتيجية لإعادة رسم خرائط الشرق الأوسط وتصفية ركائز الردع الإقليمية بالكامل.

ويتضح هذا التنافر بين صورة “القائد المستجيب للأزمة” وصورة “المخطط الإمبراطوري المتآمر” عند تسليط الضوء على سياقات فيرث وأولمن ونظريتهما السياقية؛ حيث تتواجه صورة بوش الذاتية كـ”رؤيوي جيوسياسي عالمي يربط جبهات مكافحة الإرهاب برباط حضاري مقدس” مع صورة سماحة له كـ”إمبراطور مأزوم يحاول الهرب من هزائمه في العراق عبر فتح جبهات جديدة”. فالنظرية السياقية تقرر أن السياق والمقام هما اللذان يحددان الدلالة الفعلية للألفاظ ويرفعان اللبس عنها؛ وسماحة يتصدى بشجاعة لتزييف السياق الذي مارسه الإعلام الموالي للمشروع الغربي لتقزيم الحرب وحصرها في نطاق محلي ضيق. إن إعادة تسييق الحرب وربطها بمشروع الشرق الأوسط الجديد ومأزق الاحتلال الأمريكي في العراق يعيد تشكيل الصورة الذهنية للحرب بالكامل في وعي الجمهور؛ فالجمهور الذي يدرك الأبعاد السياقية الكبرى للعدوان لن يسلك سلوك الضحية المستكينة أو الشريك المخدوع بل سيسلك سلوكاً وطنياً مقاوماً للوصاية الدولية، وهي دينامية سياقية تفاعلت عام 2006 لإنقاذ السيادة اللبنانية، وتتفاعل اليوم في 2024 لكشف الترابط العضوي بين معركة غزة وجبهة لبنان وجبهات الإقليم المتعددة ضد الهيمنة الأمريكية-الصهيونية الشاملة.

إن تفكيك سياق بوش الاستراتيجي يقودنا إلى التحليل المكوناتي لكيفية تفاعل صورته مع المحددات المعجمية والسمات التمييزية لكاتز وفودر؛ حيث تتواجه صورة بوش كـ”مهندس للنظام والاستقرار والنجاحات السياسية” مع صورة سماحة له كـ”صانع للنكبات والكوارث الإنسانية” التي يتستر عليها بالتسميات البراقة. فالكاتب يقوم بإعادة تحديد السمات التمييزية للمصطلحات مثل “النكبة اللبنانية”؛ فبينما يروج الإعلام الموالي لبوش لهذه العبارة كدال على مسؤولية المقاومة عن الدمار، يعيد سماحة تركيب ملامحها الدلالية ليربطها مباشرة بالعدوان الأمريكي-الإسرائيلي؛ مما يحول المصطلح في وعي الجمهور من أداة إدانة داخلية إلى دليل إثبات للتآمر الخارجي. هذا الصراع على السمات المعجمية التمييزية يوضح كيف تتحدد قيمة الألفاظ الاستراتيجية ليس من واقع معجمي ميت بل من خلال تفاعلها وصراعها المباشر داخل الفضاء الخطابي لصناعة المواقف وسلوكيات الرأي العام وتوجيه انفعالاته السياسية.

وتتوج هذه الرحلة التحليلية بنسج الصورتين الذهنيتين لبوش في الفضاء البراجماتي الحركي لتشارلز بيرس وكواين؛ حيث تتواجه صورة بوش الذاتية كـ”خالق للمستقبل ومنتج للمفاعيل الديمقراطية الإيجابية في الشرق الأوسط” مع صورة سماحة له كـ”مصدر للدمار والخراب والذرائع الإجرامية” التي تجلب الكوارث على الشعوب. فالنظرية البراجماتية تقيس المعنى بآثاره العملية وتطبيقاته المادية في الواقع التجريبي؛ وسماحة يكشف أن العبارات الدلالية البراقة مثل “لبنان الحر والديمقراطي” ليست جملاً تصف واقعاً بل هي عبارات إنجازية تهدف لإنتاج سلوك عملي مادي يتمثل في تشريع العدوان وتهديم المدن وفرض القرارات الدولية المجحفة وتسهيل السيطرة المالية والسياسية على الدولة اللبنانية. إن المعنى البراجماتي للخطاب الاستعماري يتحدد من خلال ترجمته السلوكية الدموية على الأرض وليس من خلال وعوده اللفظية الجوفاء، وهو اختبار براجماتي سقط فيه خطاب بوش عام 2006 تحت ضربات الميدان وصمود المقاومة، ويعاد اختباره اليوم في 2024 بكلف إنسانية باهظة في غزة ولبنان.

لكن هذا التنافس الدلالي بين صورة بوش كرسول للخلاص وصورته كأداة للدمار الإمبراطوري يتخذ اليوم بعداً كارثياً ومعقداً يفرض تساؤلاً نقدياً بالغة الأهمية حول مدى نجاح هذا البناء المعنوي والدلالي المضاد في تحقيق غايته السلوكية النهائية، لا سيما في ظل قبول أو إذعان الرأي العام الدولي والإقليمي للحرب التدميرية على لبنان بعد مجازر غزة عام 2024. إن قراءة مآلات هذا الصراع الدلالي تكشف عن فجوة بنيوية بين قوة التفكيك الفكري الذي يمارسه النخبة والمقاومون دلالياً، وبين الهيمنة الأداتية والمادية لآلة الإعلام الاحتكارية والخوارزميات الرقمية الحديثة. في عام 2024، لم يعد الاستعمار يكتفي ببناء علامات لغوية بسيطة كما في 2006، بل طوّر أدواته ليمارس ما يمكن تسميته بـ”تطبيع الإبادة والاعتياد على الفظاعة” (Normalization of Atrocities)؛ إذ شكلت المجازر المستمرة طوال عام كامل في غزة عملية ترويض إدراكية وتخدير سلوكي للرأي العام. هذا التبلد الأخلاقي المصنوع والمبرمج رقمياً جعل من قبول الحرب التدميرية على لبنان استمراراً منطقياً وطبيعياً للمشهد الإبادي السابق في غزة. لقد نجحت الماكينة الاستعمارية في بناء صورة ذهنية جديدة تُقدم المجازر لا كجرائم حرب، بل كـ”أعراض جانبية حتمية” لمحاربة “محور الإرهاب”، مستغلة صدمة السابع من تشرين الأول كدرع عاطفي لتعطيل الفاعلية الإنسانية لدى المتلقي الغربي. هذا التكييف الإدراكي العنيف أثبت حدود المقاومة اللغوية البحتة؛ فبناء المعنى البديل الذي نادى به سماحة، رغم تماسكه اللساني والأخلاقي، واجه جداراً سميكاً من الفتور السلوكي واللامبالاة الجماهيرية الصامتة التي تكرست بفعل التكرار البصري الممنهج لأشلاء الضحايا، مما أدى بالرأي العام الدولي إلى سلوك الإذعان والقبول السلبي بالحرب على لبنان، معتبراً إياها فصلاً طبيعياً ومحسوماً من فصول الترتيب الأمني للمنطقة.

وبناءً على هذا التحليل، تظل قراءة مقال جوزف سماحة “بوش إن حكى” وثيقة بالغة الأهمية تكشف أن الصراع الجيوسياسي ليس مجرد مواجهة عسكرية على الأرض، بل هو في جوهره صراع دلالي ضارٍ لصناعة الصور الذهنية وتأطير وعي الجماهير؛ ورغم المعوقات المادية التي تحد من فاعلية هذا الخطاب البديل في تغيير السلوك المباشر للرأي العام المعولم، فإن الإصرار على تحرير الدلالة وتفكيك الرموز الاستعمارية يظل الخطوة التأسيسية الأولى لكسر الهيمنة، واستنقاذ الذاكرة التاريخية للشعوب، ورفض الانصياع الواعي لأجندات التبعية والاستسلام.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …