مفارقة المقاربة الأميركية في لبنان: فك الارتباط بين الجريمة المنظمة والإرهاب عبر دمج المجتمعين الأهلي والمدني

تواجه السياسة الخارجية الأميركية في لبنان معضلة بنيوية تتمثل في التوفيق بين أهدافها الاستراتيجية المعلنة في مكافحة الإرهاب وتجفيف منابع تمويله، وبين أدواتها التمويلية والتنفيذية على الأرض. ففي الوقت الذي تشخص فيه واشنطن “الجريمة المنظمة” كشريان حيوي يغذي شبكات التسليح والأنشطة غير الشرعية، يُلاحظ تراجع دعمها المالي للمنظمات الدولية متعددة الأطراف، وعلى رأسها مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC). هذا التراجع في التمويل الدولي يفرض على واشنطن صياغة مقاربات بديلة وغير تقليدية لفك الارتباط العضوي بين الجريمة المنظمة والإرهاب، مقاربة ترتكز على الفهم العميق لبيئة “المجتمعات المضيفة” لهاتين الظاهرتين، والعمل على تفكيك شبكات الأمان الاجتماعي والاقتصادي التي توفرها هذه البيئات للأنشطة غير القانونية.

إن فك الارتباط بين الجريمة المنظمة والإرهاب يتطلب أولاً الإقرار بأن تلازمهما ليس حتمياً بقدر ما هو نتاج لبيئة حاضنة مشتركة؛ فالجماعات الإرهابية تستغل مسالك التهريب وتبييض الأموال لتأمين بقائها المالي، بينما تستفيد شبكات الجريمة من فائض القوة والحماية الأمنية التي توفرها الجماعات المسلحة في مناطق ضعف الدولة. ومن هنا، فإن استهداف هذا الترابط لا يمكن أن ينجح عبر الحلول الأمنية البحتة أو العقوبات الفردية فقط، بل عبر رفع الوعي المجتمعي بخطورة هذه التوأمة، والعمل المباشر على تحصين “المجتمعات المضيفة” التي غالباً ما تقع في الأطراف أو البيئات المهمشة اقتصادياً. إن تفكيك قابلية هذه المجتمعات لاستضافة الجريمة والإرهاب يمثل المدخل الحقيقي لبناء مناعة مجتمعية مستدامة.

وفي ظل شح التمويل الأميركي للمؤسسات الدولية مثل الـ (UNODC) المعنية بوضع وتنفيذ استراتيجيات مكافحة المخدرات والجريمة، يصبح البديل العملي هو الاستثمار في البنى المحلية القائمة عبر إستراتيجية رائدة تجمع بين مكونين رئيسيين في النسيج اللبناني: المجتمع الأهلي (التقليدي والديني) والمجتمع المدني (الحديث والحقوقي). هذا التدميج يهدف إلى ردم الفجوة بين الفضاءات الدينية والعائلية التقليدية التي تمتلك الشرعية والمقبولية الشعبية، وبين مؤسسات المجتمع المدني التي تملك الأدوات التقنية، والتنموية، والوعي القانوني بآليات الحوكمة ومحاربة الفساد.

ويكتسب هذا الدمج أهمية استثنائية في لبنان نظراً لخصوصيته السوسيولوجية؛ فالمجتمع الأهلي، بتمثلاته الروحية (مثل الصروح الدينية كبكركي ومثيلاتها) والعائلية، يمتلك سلطة معنوية وقدرة على توجيه السلوك الجمعي ورفض الغطاء الأخلاقي عن ثروات الجريمة المنظمة ومشاريع السلاح غير الشرعي. وفي المقابل، يقدم المجتمع المدني الكفاءة التنموية، وتصميم البدائل الاقتصادية، ومراقبة الشفافية المالية. إن التحالف بين هذين المكونين يؤسس لـ مرحلة انتقالية مدنية؛ مرحلة تتجاوز الهشاشة المؤسساتية الحالية من خلال إيجاد تكتل محلي عريض يرفض المكاسب السريعة أو “الربح المرحلي” الذي تفرضه الغرف الأمنية وشبكات التهريب على حساب مستقبل الدولة وسيادتها.

وتسهم هذه المرحلة الانتقالية المدنية في وضع الأسس الاقتصادية والاجتماعية اللازمة لرفض الاقتصاد الموازي؛ إذ يتشارك الفاعل الديني/الأهلي والناشط المدني في نشر ثقافة مجتمعية تعيد الاعتبار لسيادة القانون وتدعم مؤسسات الدولة الرسمية، وفي مقدمتها الجيش اللبناني. ومن خلال هذا التشبيك، يمكن للجيش أن يجد سنداً مجتمعياً صلباً يسهل مهمته في ملاحقة شبكات الجريمة والإرهاب معاً، كون المجتمع نفسه قد باشر برفع الغطاء المعنوي والمادي عنهما.

إن هذه المقاربة تتيح لواشنطن، حتى في ظل تراجع حماسها لتمويل البيروقراطيات الدولية التابعة للأمم المتحدة، أن تحقق أهدافها الأمنية في لبنان بطرق أكثر كفاءة وأقل كلفة. فبدلاً من الاعتماد الحصري على أدوات الضغط الفوقية، يمكن للسياسة الأميركية والغربية دعم مسارات “التنمية المحلية من الأسفل إلى الأعلى” (Bottom-up development) عبر تمكين الشراكات بين المؤسسات الروحية/الأهلية والجمعيات المدنية. هذا التمكين لا يسهم فقط في تفكيك بنية الجريمة والإرهاب، بل يمهد الطريق لنشوء بدائل اقتصادية شرعية ومستدامة، ويؤسس لثقافة مدنية صلبة قادرة على العبور بلبنان من حالة الهشاشة الدائمة إلى نموذج الدولة القانونية المستقرة.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …