آليات الدبلوماسية الهجينة وعقيدة الردع الثنائية: باريس كمنصة لمواجهة الجريمة المنظمة وتمويل الإرهاب في لبنان

تُظهر التفاعلات الدبلوماسية والسياسية المحيطة بالملف اللبناني تعقيداً متزايداً يتجاوز الأطر التقليدية للعلاقات بين الدول، ليبرز حقلٌ تتداخل فيه القنوات الرسمية مع الوساطات الروحية وشبكات المصالح ورجال الأعمال. وفي هذا المشهد، تتحول العواصم الكبرى—وبالأخص باريس وواشنطن—إلى مساحات لتقاطع مسارات فواعل متعددة الأبعاد. وتأتي قراءة صعود المحامي ربيع الشاعر إلى موقع سفير لبنان لدى فرنسا، جنباً إلى جنب مع حركة مسعد بولس ولقاءاته مع البطريرك الماروني بشارة الراعي والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، لتكشف عن ملامح شبكة وساطة لبنانية تجمع بين الخبرة القانونية والإصلاحية وبين خطوط النفوذ والاتصال غير الرسمية في قلب القرار الدولي.

وتتكامل هذه الديناميكية الدبلوماسية اليوم مع بروز إشكالية عابرة للحدود تفرض نفسها كأولوية أمنية قصوى على أجندة كافة الأطراف، وهي مكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود والمموّلة للإرهاب. فمع تراجع سلطة الدولة اللبنانية وهشاشتها الهيكلية، لم تعد الجريمة المنظمة مجرد تهديد جنائي تقليدي، بل تحولت إلى شريان مالي يغذي شبكات التسليح غير الشرعي، ويوفر الغطاء لإعادة بناء شبكات السلاح التي تؤول حتماً إلى تمويل الجماعات الخارجة عن القانون والتخريبية. هذا الترابط العضوي بين الجريمة والإرهاب يفرض ضرورة صياغة مقاربة دولية ومحلية شاملة؛ مقاربة لا تكتفي بالحلول الأمنية الموضعية، بل تسعى إلى وضع أسس اقتصادية وبنيوية متينة تقف رادعاً حقيقياً يحول دون نمو هذين التهديدين المتلازمين، وذلك من خلال تجفيف منابع الاقتصاد الموازي غير الشرعي واستبداله بقنوات مالية رسمية شفافة.

ويتطلب هذا التصور الشامل نقلة نوعية في عقيدة الأجهزة الشرعية اللبنانية، ولا سيما من خلال تطوير العقيدة الأمنية والثقافة المؤسساتية للجيش اللبناني. إن رفع مستوى الكفاءة الثقافية والعملياتية للمؤسسة العسكرية لتمكينها من التصدي المشترك للجريمة المنظمة والإرهاب معاً بوصفهما وجهين لعملة واحدة، يمثل ركيزة أساسية في النقاشات الجارية بباريس. فالشراكة الفرنسية-الأميركية لدعم الجيش لا تهدف فقط إلى تزويده بالعتاد، بل إلى تطوير عقيدته التدريبية ليكون قادراً على تفكيك شبكات التهريب وتبييض الأموال التي تغذي بؤر التوتر الأمني، مما يسحب البساط من تحت يد القوى التي تستثمر في ضعف الدولة ومؤسساتها.

وفي سياق هذه البيئة الأمنية والسياسية المعقدة، يبدأ فهم الحراك المتشعب من القراءة الكلية للتجاذبات الدولية الكبرى، ولا سيما التباين القائم بين المقاربة الأميركية الواقعية والمقاربة الأخلاقية للكرسي الرسولي في الفاتيكان تجاه أزمات الشرق الأوسط. هذا التباين، الذي تظهره التوترات حول خيارات الحرب والسلام، يعكس تعارضاً جوهرياً بين رؤية سياسية تبحث عن إعادة ترتيب موازين القوى بالوسائل الخشنة، ورؤية دينية وأخلاقية تضع السلام وحماية التعددية والعيش المشترك كأولويات مطلقة. هذا التدافع الدولي ينعكس مباشرة على الساحة اللبنانية، حيث يحاول كل طرف استقطاب الفواعل المحلية لتثبيت رؤيته لمستقبل الصيغة اللبنانية ومواجهة مسببات عدم الاستقرار، وعلى رأسها شبكات الجريمة التي تستغل الهشاشة القائمة لتحقيق مكاسب غير مشروعة.

وفي سياق القنوات غير الرسمية المؤثرة في القرار الأميركي، يبرز دور مسعد بولس، رجل الأعمال والمحامي الأميركي من أصل لبناني، الذي عُيّن مستشاراً كبيراً للشؤون العربية والشرق الأوسط في إدارة الرئيس دونالد ترامب. ومن خلال علاقاته الأسرية والسياسية الوثيقة بالبيت الأبيض، ونجاحه في استقطاب كتل تصويتية وازنة، تحول بولس إلى قناة اتصال حيوية بين واشنطن والقوى السياسية اللبنانية، وبخاصة من الطيف المسيحي الماروني. يعبر بولس عن رؤية الإدارة الأميركية التي تركز على ملفات السيادة وحصر السلاح بيد الدولة ومحاربة الشبكات غير الشرعية، محاولاً في الوقت ذاته نسج تفاهمات تتلاءم مع تركيبة التوازنات الداخلية اللبنانية المعقدة.

غير أن هذا الدور الاستشاري والأمني لمسعد بولس يضعه اليوم أمام استفهام جوهري يتردد في الأوساط السياسية والإعلامية اللبنانية حول حدود ونفوذ ما يُعرف بـ”الغرف الأمنية” التي تنشط بكواليس الأزمة اللبنانية. ويتمحور هذا الاستفهام حول طبيعة المعطيات والمعلومات المتوفرة لدى بولس بشأن تقارير تحدثت عن نشاط لغرف أمنية تسعى لاستغلال هشاشة الدولة لفرض توازنات معينة، ومحاولتها استخدام الجريمة المنظمة أو وسائل الضغط السيبراني لتحقيق “ربح مرحلي” ومؤقت على حساب استقرار البلاد الهيكلي. ويتسع هذا الاستفهام ليشمل الاستفسار عن مدى صحة التقارير التي تفيد بوجود محاولات واختراقات قامت بها تلك الغرف الأمنية للوصول إلى مكتب الإعلام التابع للبطريرك الراعي في بكركي؛ فهل يندرج ذلك ضمن مساعي توجيه الخطاب الروحي والوطني قسراً لصالح أجندات معينة؟ وما هو موقف الإدارة الأميركية وقنواتها الوسيطة من تداخل الأدوار الأمنية والاستخباراتية مع المنابر الروحية والوطنية في هذا التوقيت الدقيق؟

بموازاة هذه التساؤلات، تتحرك بكركي بوصفها المرجعية الروحية والوطنية الأبرز للموارنة في لبنان. وتحت قيادة البطريرك بشارة الراعي، تحاول الكنيسة صياغة خطاب متوازن يستند إلى ثوابت ميثاقية تاريخية، مثل “الحياد الإيجابي” والمطالبة برعاية دولية لحل الأزمة السياسية والدستورية، وهو خطاب يتقاطع في بعض جوانبه مع الرغبة الدولية في تقوية مؤسسات الدولة اللبنانية والجيش ومواجهة الجريمة المنظمة والتهريب اللذين يهددان السلم الأهلي والنمو الاقتصادي الشرعي. ورغم انفتاح بكركي على المبادرات الأميركية والفرنسية، إلا أنها تظل وثيقة الارتباط برؤية الفاتيكان الحذرة من أي تصعيد عسكري أو اختراقات أمنية قد تهدد صيغة العيش المشترك أو تدفع نحو انهيار مؤسسات الكيان اللبناني نتيجة لاستغلال “الغرف الأمنية” للهشاشة القائمة.

وقد تجسدت هذه التقاطعات بشكل ملموس في باريس، التي احتضنت لقاءً جمع البطريرك الراعي بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وبحضور مسعد بولس. يمثل هذا اللقاء نقطة تداخل بين ثلاث دوائر أساسية للتأثير: الكنيسة المارونية ببعدها الروحي والسيادي، والدولة الفرنسية برعايتها التاريخية والمستمرة للملف اللبناني، والبيت الأبيض الحاضر عبر مستشاره ذي الأصل اللبناني. هذا الاجتماع، وما رافقه من نقاشات حول ترتيبات سياسية ودستورية وأمنية، يوضح كيف أصبحت العاصمة الفرنسية منصة مشتركة لصياغة سردية خارجية عن لبنان تتقاطع فيها الدبلوماسية الرسمية بالدبلوماسية الروحية ودبلوماسية المستشارين في مواجهة التهديدات المشتركة كتمويل الإرهاب والجريمة المنظمة وتجاوزات الغرف الأمنية الساعية لتحقيق أرباح تكتيكية مرحلية.

وفي إطار مأسسة هذه العلاقات وتأطيرها رسمياً، جاء تعيين المحامي ربيع جرجس الشاعر سفيراً للبنان لدى الجمهورية الفرنسية من خارج الملاك الدبلوماسي ليمثل متغيراً مهماً في السياسة الخارجية اللبنانية. فالشاعر، الذي عُرف كقانوني وإصلاحي ومستشار سابق لوزير الداخلية والبلديات زياد بارود في قضايا الحوكمة والإصلاح والانتخابات، يحمل معه خلفية تختلف عن الدبلوماسي التقليدي. هذه الخبرة السابقة في وزارة الداخلية تمنحه دراية واسعة بملفات الأمن الداخلي، ومكافحة الجريمة المنظمة، وتطبيق القوانين، وهي ملفات تشكل ركيزة أساسية في المحادثات اللبنانية–الفرنسية الحالية.

يتيح هذا التعيين للشاعر قيادة العلاقات الرسمية بين بيروت وباريس في مرحلة تشهد حراكاً فرنسياً مكثفاً لدعم الجيش اللبناني، وإطلاق المبادرات الإصلاحية والمالية، ومواكبة مفاوضات الحدود واليونيفيل. وينعكس هذا التحول في مسيرته على أدائه الدبلوماسي؛ إذ يظهر في الفضاء الإعلامي والسياسي كمتحدث باسم الخيارات الرسمية للدولة اللبنانية، مدافعاً عن سيادتها، ومشدداً على حصر السلاح بالمؤسسات الشرعية وحوكمة المساعدات الدولية. ومن خلال لقاءاته المشتركة مع رئيس الحكومة نواف سلام والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، يتكرس دور الشاعر كذراع مؤسساتية إصلاحية قادرة على تحويل المبادرات الفرنسية المتعلقة بالأمن الجنائي، ومحاربة تبييض الأموال الممولة للإرهاب، ووضع الأسس الاقتصادية الرادعة، إلى برامج عمل قانونية وإدارية قابلة للتنفيذ في الداخل اللبناني.

بناءً على ذلك، يمكن قراءة المشهد الدبلوماسي في باريس بوصفه “مثلث وساطة” تتكامل أضلاعه لتقديم رؤى مختلفة ومتكاملة للأزمة اللبنانية؛ حيث يمثل مسعد بولس الذراع غير الرسمية المتصلة بمراكز القرار في واشنطن والمدفوعة بالواقعية السياسية والأمنية، ويمثل ربيع الشاعر الذراع الدبلوماسية الرسمية المعنية بالحوكمة والترتيبات الإدارية ومكافحة الجريمة المنظمة مع الدولة الفرنسية، بينما يمثل البطريرك الراعي البعد الروحي والميثاقي الضامن للثوابت الوطنية والحامي للخطاب السيادي من الاختراقات الموجهة.

في المحصلة، يوضح هذا الترابط العضوي بين المسارات المتوازية لـ بولس والراعي والشاعر كيف تصاغ الدبلوماسية اللبنانية المعاصرة خارج الحدود في مواجهة تحديات مركبة تجمع السياسة بالأمن والقانون والاقتصاد. وتظل الأسئلة المطروحة حول دور الغرف الأمنية ومدى تأثيرها على المؤسسات الروحية والوطنية، بالتزامن مع الحاجة لتطوير العقيدة الأمنية للجيش ووضع أسس اقتصادية رادعة للجريمة والإرهاب، مؤشراً على عمق الصراع الخفي المحيط بصناعة القرار اللبناني، مما يوفر للباحثين في الشؤون السياسية والإعلامية مجالاً غنياً لتحليل دور النخب الجديدة في إدارة الأزمات، وكيفية توظيف باريس كمنصة دولية لإنتاج وعرض الخيارات السياسية والأمنية للبنان أمام المجتمع الدولي.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …